ثورة في الفلسفة المعاصرة


زكي نجيب محمود:

١


لو كان قارئي ممن لم يَدرُسوا الفلسفة ولا يدرسونها، فسيهمس لنفسه قائلًا: ما الفلسفة أولًا؟ وماذا تعني بالفلسفة المعاصرة ثانيًا؟ وعلى أي نحوٍ قامت الثورة فيها بحيث خرجَت على ما قد جرى به العرف ثالثًا؟ سيهمس لنفسه بهذه الأسئلة في ابتسامة أعرفها جيد المعرفة؛ فما أكثرهم أولئك الذين يُقرِّرون لك بادئ ذي بَدءٍ أنْ لا علم لهم ولا شبه علمٍ بالفلسفة وبحوثها، ثم يسخرون منها! كأنما يأخذهم العجب: كيف يكون في العالم علم ليست لهم به دراية؟ أو هم يُقرِّرون لك بادئ ذي بَدءٍ أنهم قد حاولوا قراءتها فلم يفهموا؛ ولذلك هم يسخرون. ولو كان المقروء غير المفهوم فلكًا أو طبيعة أو كيمياء، ما عجبوا ولا سخروا، كأنما المفروض ألا تُفهم هذه العلوم لغير المختص، وأما الفلسفة فواجبها أن تعرض نفسها لغير دارسيها منقَّاةً مُصفَّاةً ممهَّدةً مُيَسَّرة!
والحق أن بين العلوم الطبيعية والفلسفة من وشائج الصلة وأوجه الشبه شيئًا كثيرًا، يهمني منها الآن جانبٌ واحد، وهو أن كليهما يبدأ — في الأعم الأغلب — من المعارف الشائعة في الحياة الجارية، ثم يسير بها نحو التحديد والدقة.
فالخادمة الصغيرة تعلم أن الماء يغلي إذا وُضِع إناؤه على النار، لكنها تتركُ لعالم الطبيعة أن يضبط لنفسه: عند كَمْ درجة من الحرارة يغلي الماء؟ وكم يكون ضغط الهواء عند تلك الدرجة؟ وكم يكون الارتفاع عن سطح البحر؟
والطفلُ يُدرِك أن الشمس تُشرِق في الصباح، وتعلو في السماء وتَغرُب، وأن القمر يبدو آنًا ويختفي آنًا، وأنه إذ يبدو لا يكون دائمًا على صورةٍ واحدة؛ فهو يومًا صغير ويومًا كبير، لكنه يترك لعالم الفلك أن يُحدِّد لنفسه حركات الكواكب التي تُنتِج للشمس شروقها وغروبها، وللقمرِ ظهوره واختفاءه، ومن ذا الذي لا يعلم أننا إذا أمسكنا مرآةً أمام الضوء انعكس الضوء عليها؟ لكننا نترك لعالم الضوء أن يحسب زوايا الانعكاس وزوايا السقوط.
وعالم الطبيعة حين يتناول معارف الناس الشائعة في الحياة الجارية ليبلُغَ بها أقصى ما يستطيعه من التحديد والدقة، قد يبعُد به الشوط بُعدًا تنقطع معه الصلة بينه وبين الرجل من سواد الناس؛ فسيقول الرجل من سواد الناس مثلًا عن مقعده إنه مصنوع من خشبٍ صُلب، وسيُوافقه عالم الطبيعة على ذلك، ثم يأخذ في التحليل والتحديد ليعلم: ما طبيعة هذا الخشب الصلب؟ وإذا به ينتهي آخر الأمر إلى أنه مؤلَّف من ذرَّاتٍ هي كهاربُ سالبةٌ وموجبة، أو إن شئتَ فقل: هي ضوءٌ دائبُ الحركة، وإذن فلم يعُد خشب المقعد في حقيقته خَشبًا صُلبًا كالذي قد ألِفَته الحواس، أفنقول إذن: إنه ما دامت الشُّقَّة قد بعُدَت كل هذا البُعد بين عالم الطبيعة في فهمه لطبيعة الخشب وبين الرجل من سواد الناس، فهذا العالم قد شطَح في الوهم وبات جديرًا منا بالسخرية؟
والفلسفة لا تصنع إلا شيئًا كهذا؛ فهي تبدأ سيرها دائمًا من معارف الناس الشائعة في الحياة الجارية، ثم تسير بها نحو التحديد والدقة، وقد ينتهي بها هذا السير إلى شيءٍ يرضَى عنه خيال الإنسان من سواد الناس، ولكنها أيضًا قد تنتهي بسيرها نحو التحديد والدقة إلى نتيجةٍ بعيدةٍ بعدًا شاسعًا عن مألوف الناس في معارفهم الشائعة.
وإذن فلنبدأ هذا البَدء لنُوضِّح للقارئ الذي قد همَسَ لنفسه سائلًا: ما الفلسفة؟ لنُوضِّح لمثل هذا القارئ ما يُجيبه عن سؤاله: فما الرأي الذي يكاد يشترك فيه معظم الناس في عصرنا هذا — مثلًا — إذا ما سُئلوا عن أنواع الكائنات المختلفة التي تملأ هذا العالم الذي نعيش فيه؟
الرأي المشترك بين معظم الناس هو أن في العالم عددًا ضخمًا من الأشياء المادية التي تختلف نوعًا؛ فهنالك أفرادٌ من البشر يُعدُّون بالملايين، وصنوفٌ من الحيوان، وأخرى من النبات لا تكاد تقع تحت الحصر، ثم هنالك الجوامد؛ هنالك الجبال وصخورها، والصحراء ورمالها، والبحار والأنهار والمعادن؛ وهنالك ما قد صَنعَته يد الإنسان من منازلَ ومقاعدَ ومناضد، وما ليس له حد من سائر الأشياء، وتلك أشياءُ على سطح الأرض وفي جوفها، لكنَّ هذه الأرضَ نفسَها بكل ما عليها وكل ما في جوفها إن هي إلا جزءٌ ضئيل من كونٍ كبير، فيه الشمس، وفيه القمر، وفيه الكواكب والنجوم.
وليست هذه الأشياء كُلُّها في رأي الناس من صنفٍ واحد؛ ففيها ما هو حي وما هو جامد، فيها ذو العقل وفيها ما ليس له عقل، مَن مِن الناس، عامَّتهِم وخاصَّتهِم على السواء، يرتاب في أن له عقلًا زيادةً على ما له من بدَن؟ من ذا الذي يرتاب في أن الإنسان يُحِسُّ بما لا يُحِسُّه الحجر، وأن له من حياة الشعور ما ليس للحجر؟ فلَه ما ليس للحجر من رؤيةٍ وسمعٍ ولمسٍ وتذكُّر وتصوُّر وتفكير، إنه يُحب ويكره ويغضب ويخاف، إنه يرغب في هذا ويرغب عن ذاك، ويُريد شيئًا وينصرف عن شيء. وهذه كُلُّها أشياءُ لم تُصنَع من مادة؛ فليست الإحساسات والعواطف والتفكير خشبًا أو نحاسًا، وإذن فالناس متفقون في معارفهم المشتركة الجارية على أن الكائنات صنفان؛ صنف قِوامُه مادة، وآخر قِوامه عقلٌ أو شعور.
والناس يشتركون في الرأي بأن الأشياء المادية إنما تقَع في هذا الموضعِ أو ذلك من مواضع المكان، وهم يَعنون بذلك أن كل شيءٍ منها بينه وبين سائر الأشياء أبعادٌ تقصر أو تطول، يمكن قياسها بوحداتٍ من الطول نتفِق عليها، فنقول مثلًا: إن بين الأرض والشمس كذا ميلًا، وبين هذَين الجدارَين في الغرفة كذا مترًا، وهكذا، وقد يتلاصق الشيئان بحيث تكون المسافة بينهما صفرًا، كذلك يتفق سواد الناس على أن الجانب الشعوري من الإنسان، كتفكيره وعاطفته، إنما يقع في المكان الذي يكون جسَده فيه، فتفكيري الآن هو حيث أنا جالسٌ من مكتبي، وإذا انتقلَت من داري إلى مكانٍ آخر فسينتقل معي كذلك فكري.
والرأيُ المشتركُ بين الناس أيضًا هو أن الأفعال الشعورية من إحساس وفكر وعاطفة وما إلى ذلك إنما تتوقَّف على أوضاع الجسد وإن تكن من طبيعةٍ مختلفة عن طبيعة الجسد؛ فلا رؤية إلا إذا فتحتُ عيني، ولا سمع إلا بإذن تسمع، وهكذا.
وإذن فالرأي السائد عند عامة الناس، إذا ما سُئلوا عن كائنات الوجود، خُلاصتُه أنها نوعان؛ مادة وروح، وأن الروح لا تكون إلا في قلةٍ قليلة جدًّا من الأشياء، أما سائرها فجمادٌ لا روح فيه، وقد تكون هذه القلة القليلة محصورةً على الأرض التي نعيش فوقها، وقد يكون هنالك أمثالها على كواكبَ أخرى، لكنها على كل حال — في رأي الناس — لا تكون شيئًا من حيثُ الكمية إذا قيست إلى مطارح الكون الشاسعة التي لا حياة فيها، بلْهَ أن تكون هذه الحياة مصحوبةً بروح.
ثم يعود الرأي المشترك بين الناس فيجمع بين هذَين الصنفَين من الكائنات في صفةٍ واحدة، هي أنها جميعًا تقع في الزمن، بمعنى أن كلًّا منها، حيًّا كان أو جمادًا، إما قد وقع في الماضي، أو هو واقع الآن، أو سيقع بعد حين، أو هو يجمع بين هذه المراحل الزمنية كلها أو بعضها.
تلك وأمثالها هي الرأي المشترك بين الناس عن الكون الذي نعيش فيه، وهي هي بذاتها الأشياء التي قَسمَتها العلوم فيما بينها ليختص كلٌّ منها بجانبٍ واحد منها؛ فيُحدِّثنا علم الفلك عن أجرام السماء: ما أحجامها؟ وما عناصر تكوينها؟ وبأي سرعةٍ تجري؟ وكيف يُؤثِّر بعضها في بعض؟ وعلوم الطبيعة والكيمياء تتناول الأشياء المادية على اختلافها، تُحلِّلها وتُبيِّن طرائق سلوكها، وعلم يختص بالحيوان، وعلم بالنبات، وعلم بطبقات الأرض، وآخر يحصُر نفسه في أفعال الناس الشعورية أفرادًا وجماعات، وهكذا.
وكذلك الفلسفة لا تفعل سوى أن تأخذ هذه المعارف المشتركة بيننا جميعًا، أو بين الكثرة الغالبة منا، تأخذها لتسأل عنها بعض الأسئلة التي لا تقع في هذا المجال أو ذلك من مجالات العلوم، لتبلغ بمعارف الناس مبلغ التحديد والدقة. ألم يتفق الناس على أن الكائنات صنفان؛ مادية وغير مادية؟ أفلا يجوز أن يكون هذان الصنفان إنما يختلفان في الظاهر، لكنهما في حقيقة الأمر شيءٌ واحد؟ أفلا يجوز أن نُحلِّل المادة فإذا هي لا تختلف عما قد أسميناه رُوحًا أو عقلًا من حيث الأساس والجوهر وإن اختلَفَت في طريقة التركيب؟ أو أن نُحلِّل العقل فإذا هو ظاهرة تصف المادة حين يتخذ تركيبها صورةً معينة؟ ألم يتفق الرأي المشترك بين الناس على أن الأشياء المادية تقع من المكان هنا أو هناك، وأن الأشياء كافةً مادةً كانت أو عقلًا تقع في هذه اللحظة من الزمن أو تلك؟ فماذا لو لم يكن هناك أشياء؟ أيظلُّ هناك مكانٌ وزمانٌ خاليان؟ أم يزول المكان بزوالِ ما يحلُّ فيه كما ينمحي الزمان بزوالِ ما يقع فيه من أحداث؟
ومهما تكن معرفة الإنسان بالعالم، أفليس من حقنا أن نسأل: كيف عَرفَ الإنسان ما عَرف؟ هل هو يُعرف بالحواس وحدها؟ هل هو يُعرف بالعقل وحده؟ هل هو يُعرف بالحواس والعقل معًا؟ فإن كان يُعرف بالحواس وحدها، أفنُنكِر إذن وجودَ ما لا يقع في حواسنا من رؤية وسمع … إلخ، وإن كان يُعرف بالعقل وحده، أفنُنكِر إذن وجود ما تُدرِكه الحواس؟ وإن كان يُعرف بالحواس والعقل معًا، فكيف يتعاون هذان الجانبان على اختلافِ ما بينهما؛ فالحواسُّ جسم والعقل روح.


٢


إننا لا نريد أن نُحصي كل ضروب الأسئلة التي يُلقيها السائل عن معارف الناس المشتركة، يلقيها ليصل بتلك المعارف إلى درجةٍ مُرضيةٍ من الدقة والتحديد، لكنه إذا ألقى سؤالًا من هذه الأسئلة وأشباهها، فهو فيلسوف.
فإن كان السؤال مما يشمل جوابه علمًا مزعومًا عن الكون بأَسْره باعتباره وحدةً واحدة، فتلك هي «الميتافيزيقا» أو «ما وراء الطبيعة» من أقسام الفلسفة؛ فأنت تقول قولًا ميتافيزيقيًّا لو قلتَ عبارةً كائنة ما كانت وتريد أن تصرفَها على الكون كله بكل ما فيه، قل مثلًا: إن كل شيء في الوجود مادة، أو إن كل شيء في الوجود ذو حياة وروح، أو إن كل شيء في الوجود له ظاهر وباطن، أو إن كل شيء في الوجود هذا، أو كل شيء في الوجود ذاك. يكن قولك مما جرى العرف على تسميته بما وراء الطبيعة في الدراسات الفلسفية. ولا بد أن نُلاحظ أن الكثرة الغالبة من الفلاسفة قد شغلَت أنفسها بالبحث عن أمثال هذه المبادئ العامة أو الأحكام العامة التي يمكن أن يُوصَف بها الكونُ كله دفعةً واحدة؛ ومن ثَمَّ كانت «الميتافيزيقا» أو ما وراء الطبيعة أهمَّ ما يطبع التفكير الفلسفي في شتى العصور.
لكن الفيلسوف قد يشغل نفسه كذلك بأسئلةٍ أخرى؛ فمثلًا: كيف يُتاح للإنسان أن «يعرف» ما يعرفه عن العالم المحيط به؟ ما طبيعة معرفته هذه؟ ما قوامها؟ ما أداتها؟ ما حدودها؟ وتلك هي ما يُسمَّى في الدراسات الفلسفية بنظرية المعرفة. والفيلسوف يمضي في هذا الطريق ليسأل: ما المعيار الذي أعرف به أن ما قد عَرفْتُه عن العالم هو الحق والصواب؟ وذلك هو ما يُسمَّى في الدراسات الفلسفية بالمنطق.
والناس في حياتهم اليومية الجارية لا ينفَكُّون يصفون الأفعال بالخير أو بالشر، ويصفون الأشياء بالجمال أو بالقبح، فما العناصر المشتركة بين الأفعال الخيرة جميعًا؟ هل هي خيِّرةٌ لأنها تنفع الناس وتسعدهم؟ أو هي خيرةٌ لأن العقل يُوجبها وإن لم تعُد على أحد بسعادة أو نفع؟ ثم ما الصفات المشتركة بين الأشياء كلها التي تُوصف بالجمال؟ هذه الأسئلة هي كذلك مما يُلقيه الفلاسفة ليجيبوا عنه، فيكون لنا بذلك ما يُسمَّى بعلم الأخلاق وعلم الجمال.
تلك هي الفلسفة ومباحثها كما قد جرى بها العُرفُ والتقليد منذ اليونان الأقدمين، ولو حلَّلتَ ما كانت تحاول أن تؤديه، وجدته يتناول موضوعات مختلفة فيما بينها اختلافًا بعيدًا، لكنها تقع في واحدٍ من أنواعٍ ثلاثة؛ فهي إما أن تُنافِس العلوم الطبيعية في الموضوعات التي تبحثها تلك العلوم، وما أكثر ما بحث الفلاسفة في أمور تتعلَّق بالفلك أو بتركيب المادة أو بتطوُّر الكائنات الحية وما إلى ذلك! وعندئذٍ كانت تُسمَّى بالفلسفة الطبيعية، وإما أن تنفرد لنفسها بموضوعاتٍ لا يشاركها فيها أيُّ علمٍ آخر، وهي الموضوعات التي لا يكون الإدراك الحسي مدارها، وعندئذٍ كانت تُسمَّى بالميتافيزيقا، وإما ألا تتقيد بموضوعٍ كائنًا ما كان، وتنصرف إلى تحليل ما تقوله العلوم الأخرى أو ما يقوله الناس، تُحلِّله لتعرف: أين يجوز القول وأين لا يجوز؟ وأين الصواب وأين الخطأ؟ وعندئذٍ كانت تُسمَّى بالمنطق أو بالتحليل، وها هنا تأتي ثورة الفلسفة المعاصرة.


٣


فقد كان يستحيل على العلم أن يبلُغ ما قد بَلغَه من السيطرة على عقول الناس وعلى حياتهم العملية في عصرنا هذا، دون أن يكون لذلك صداهُ في الفلسفة وأهدافها؛ والحق أنه لم يشهد تاريخ الفكر عصرًا رفضَت فيه الفلسفة أن تتابع الحركة الفكرية السائدة، بحيث تجعل من نفسها مُعينًا للإنسان على بلوغ ما يُريد بلوغه من حقٍّ في سائر الميادين؛ كانت الحياة الإنسانية هي شغل اليونان الأقدمين، يريدون للإنسان أن يحيا حياةً كاملةً متكاملة، فماذا ينبغي أن يكون أساس السلوك البشري بحيث يُحقِّق الإنسان غايتَه تلك؟ كان ذلك هو سؤال الناس عندئذٍ؛ ومن ثَمَّ كان هو سؤال الفيلسوف؛ إذ جعل همَّه الأكبر أن يلتمس مبدأً للأخلاق العملية لا يكون صوابه موضعَ شكٍّ وريبة، بل يتصف بمثل اليقين الذي تتصف به الرياضة؛ فهذا سقراط يبحث في تحديد معاني الألفاظ الخُلُقية كالشجاعة والتقوى وما إلى ذلك، وهذا أفلاطون يبحث عن الحقائق العقلية الثابتة التي إليها نقيس شئون العالم الأرضي كمالًا ونقصًا، وهذا أرسطو يُحلِّل الأخلاق العملية كما يضع مبادئ التفكير المنطقي الذي يُؤدِّي بصاحبه إلى اليقين وهكذا. وإذن فقد كانت الفلسفة عند اليونان خادمة للأخلاق، ثم جاء العصر الوسيط تشغله الحياة الآخرة وتشغله العقيدة الدينية، يريد أن يُفلسِف ما جاء في الكتب المنزلة لكي يُطمْئنَ العقل كما اطمأن القلب، فأَسرعَت الفلسفة إلى أداء مهمَّتها في ذلك، وجعلَت تصُبُّ أضواءها على ما يشغل الناس؛ ومِن ثمَّ كانت إذ ذاك خادمةً تخدُم الدين. وأخيرًا جاء العصر الحديث، يضع معظم اهتمامه في العلوم الطبيعية بصفةٍ خاصة، أفتُقصِّر الفلسفة الآن فيما لم تُقصِّر فيه في عصورها الماضية؟ أتدع الناس في شُغلٍ من العلم الطبيعي وتضرب هي فيما وراء الطبيعة؟ إنها لا مندوحة لها عن متابعة اهتمامات عصرها الآن كما تابعَتْها في سائر العصور.
من ذا الذي كذَب الأكذوبة الكبرى عن الفلسفة فظَنَّها في بُرجٍ عاجيٍّ لا تَصطخِب في سائر الميادين وتيَّار الحياة الفكرية؟ متى كان ذلك وعند مَن مِن الفلاسفة؟ هل كان سقراط وهو يجولُ في طُرقات أثينا يُناقِش الناس في مبادئهم الأخلاقية معتزلًا في برجٍ من العاج؟ هل ترك فلاسفة العصر الوسيط في الشرق الإسلامي أو الغرب المسيحي سائر الناس في وادٍ وذهبوا هم في وادٍ آخر، أم جالوا معهم في الميدان الواحد الذي كانوا يجولون فيه وهو العقيدة الدينية وتأييدها؟ هل ترك «كانت» علماء عصره يبحثون في الرياضة والطبيعة وحبَس نفسه دونهم في برجٍ عاجي يتكلم فيما لم يكونوا يشتغلون به، أم إنه كان يُحلِّل قوانين الرياضة وقوانين الطبيعة التي كان يأخذُ بها علماء ذلك العصر؟
وكذلك تريد الفلسفة لنفسها في عصرنا هذا؛ تريد أن تجلس مع الناس على مائدةٍ واحدة، وتسكُن معهم في بيتٍ واحد؛ فلئن كان الناس في شُغلٍ شاغل من الطبيعة الذرية التي غيَّرت من وجهة النظر إلى قانون الطبيعة فجعلَته احتمالًا لا يقينًا، وإحصاءً لا إملاء، لتتقدم الفلسفة لتبحث في هذا الاحتمال: ما معناه؟ وفي هذا الإحصاء: ما سنده من المنطق؟
إن الفيلسوف الذي ينفُض يدَيه من تياراتِ عصره إنما هو مُتمردٌ لا يفيد أحدًا بعصيانه. وتيَّار العصر هو بغير شك تيارُ العلوم الطبيعية التجريبية، أو ما يتصل بتلك العلوم بسببٍ قريب أو بعيد؛ فكيف تُغيِّر الفلسفة التقليدية من نفسها بحيث تتجاوب هي وعصرها؟ تفعل ذلك — وقد فعلَته — بثلاثة أمورٍ رئيسية:
أولها: أن تترك العلوم لأصحابها؛ فلا يجوز للفيلسوف باعتباره فيلسوفًا أن ينافس العالم في علمه؛ لا يجوز له أن يبحث في طبيعة المادة وهنالكَ من علماء الطبيعة من يصنعون ذلك على نحوٍ أدقَّ وأوفى، لا يجوز له أن يبحث في طبيعة الإنسان وهنالكَ من علماء النفس من يُحاوِلون ذلك ما وسِعَتهم المحاولات العلمية وبمقدارِ ما يمكن إخضاع الإنسان للتجارب العلمية، وهكذا قل في شتى الموضوعات التي هي علومٌ دقيقة أو في طريقها إلى أن تكون علومًا دقيقة تتحدث بلغة الرياضة وصيغها الكمية، لا بلغة الأوصاف الكيفية التي تتوقَّف على ذات الإنسان المتغيرة.
وثانيها، وأهمها: أن تنفض يديها من كل المباحث الميتافيزيقية نفضًا؛ كان الفيلسوف اليوناني، وكان الفيلسوف في العصر الوسيط، وكان الفيلسوف حتى أول القرن العشرين من قرون التاريخ الحديث — كان هؤلاء جميعًا — يبحثون عن مبادئَ تنطبق على الوجود كله باعتباره كلًّا واحدًا؛ لأن علماء تلك العصور نفسها كانوا يُقيمون علومهم على هذا الفرض نفسه، وهو أن الوجود حقيقةٌ واحدة متكاملة، وإذن فلم يكن على الفيلسوف ضَيْر أن يعاون العالم على تحقيق هدفه، لم يكن الفيلسوف عندئذٍ نشازًا في عصره، أما الآن وقد تغيَّر الموقف بحيث أصبح العلم لا ينظر إلى الكون كله باعتباره حقيقةً واحدة، بل ينظر إليه باعتباره كثرةً وباعتباره متحركًا متطورًا، حتى الذرة الصغيرة دائبة الحركة والتغير، فكيف يجوز لفيلسوفٍ معاصر أن ينسلخ عن علم العصر انسلاخًا ليبحث عن حقيقةٍ واحدةٍ يقول عنها إنها حقيقة الوجود؟
لا، لم يعُد للميتافيزيقا موضعُ قدمٍ من ميدان الفلسفة المعاصرة؛ فكل ما هنالك «فيزيقا» وتحليلها، كل ما هنالك طبيعةٌ يصفها العالم، ثم يأتي الفيلسوف فيجعل أقوال العالم موضوعًا للتحليل والتوضيح.
وثالثها: هو أن يقتصر أمر الفلسفة على التحليل اللغوي وحده؛ إنه حين يكون المجال مجالَ حديثٍ عن العالم وحقائقه فليس للفيلسوف أن ينبِس ببنتِ شَفة؛ إذ ليس ذلك هو مجاله، بل هو مجال العلماء، كل عالمٍ فيما يخصه من جوانب العالم، أما عمل الفيلسوف المعاصر فهو توضيح العبارات العلمية، أو بعبارةٍ أخرى عملُه هو فلسفة العلم.
فإذا قيل: ولماذا لا يُحلِّل كل عالمٍ ما شاء من عباراتِ علمه؟ كان الجواب هو أن ذلك ما يحدُث فعلًا في الكثرة الغالبة، ولكن العالم حين يترك الجانب الإيجابي من علمه ليُحلِّل كلمةً فيه أو عبارة فإنما يصبح بذلك فيلسوفَ ذلك العلم لا عالمه؛ كان برتراند رسل — مثلًا — عالمًا في الرياضة أولًا، ثم استوقفَه العدد الذي هو أساس الرياضة، استوقفه ليسأل مثلًا: ما تحليل العدد؟ ما العناصر العقلية التي سبقَت تكوين العدد في فكر الإنسان؟ فكان بهذه الأسئلة والإجابة عنها فيلسوف رياضة لا عالم رياضة، وهكذا قل في وايتهد وإدنجتن وغيرهما من علماء العصر الذين انصَرفُوا إلى تحليل علومهم، فكانوا منذ تلك اللحظة فلاسفةَ تلك العلوم.
فالفرق بين العالم والفيلسوف هو فرقٌ في اتجاه السير، فإذا كانت مُدركاتٌ معينة هي أساس علمٍ معين، ثم جاء من يبني صُعدًا فوق تلك المُدركات، كان عالمًا، أما إذا جاء من يَحفِر تحت تلك المدركات ليتبيَّن عناصرها التي تُوضِّحها، فإنه يكون فيلسوفًا. على فكرة «المكان» يقوم علم الهندسة، وعلى تحليل الفكرة نفسها تدور فلسفة ذلك العلم، وهكذا.


٤


وإذا كانت الفلسفة تحليلًا لا بناء، فلم يعُد الفيلسوف المعاصر يُحاوِل بناء نسقٍ فلسفي شامخ كما كان يفعل أسلافه. كان الفيلسوف فيما مضى يحاول أن يجد المبدأ الواحد الذي منه تنحدر كل أجزاء الوجود، فإذا ما عَثر لنفسه على مبدأٍ كهذا، راح يستنبط منه كل نتائجه حتى يُقيمَ بناءً كاملًا مغلقًا يضم بين جنباته كلَّ ركنٍ من أركان الوجود وكل حقيقة من حقائقه، ثم يأتي فيلسوفٌ بعده، فلا يعجبه مبدأُ سلفه، فيبحث لنفسه عن مبدأٍ آخر، حتى إذا ما وُفِّقَ بدَوره إلى مبدأ — وضعه، وراح يستنبط منه كذلك كلَّ أجزاء الوجود حتى يتم له هو الآخر نسقٌ فلسفي شامل، وهكذا دواليك، وإذن فقد كان العمل الفلسفي عملًا فرديًّا إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلسوف إذ يبني كان هو المقاول وهو البنَّاء وهو ناقل الطوب وهو عاجن المِلاط وهو النجَّار والحدَّاد وصانع المُفصَّلات والأقفال.
وجاء عصرنا هذا العلمي بفلسفته التحليلية التي يجوزُ لك أن تُسمِّيَها فلسفةً علمية، فذهب عصر بناءِ الأنساق الفلسفية، وأصبَحَت الفلسفة كالعلم عملًا جماعيًّا، يتعاون على كل مشكلةٍ جزئية جماعةٌ متعاونة، تمامًا كما تفعل جماعة العلماء المتعاونة في المعمل، وانظر إن شئت إلى المؤلفات الفلسفية في عصرنا، فلن تجد فيلسوفًا واحدًا يُخرِج المجلَّدات التي تحتوي على بناءٍ واحد وتفصيلاته كما فعل أفلاطون أو أرسطو أو كانت أو هيجل، بل تجد الكتاب إما أن يكون لكاتبٍ واحد؛ وعندئذٍ يضُم — في كثيرٍ من الحالات — مجموعةَ فصولٍ كُتِبَت في جوانبَ مختلفة، والأرجح أن تكون هذه الفصول بحوثًا نُشِرَت فُرادى وعلى فتراتٍ وإن يكن بينها رابطةٌ تربطها، وإما أن تجد الكتاب الواحد قد تعاونَت على إخراجه جماعةٌ كبيرة من الفلاسفة، كلٌّ منهم يبحث الموضوع الواحد من إحدى جهاته.
وإذا شاء القارئ أن أختم له هذا البحث بمثَل أو مثَلَين مما قد وصلَت إليه التحليلات الفلسفية المعاصرة، فكان له أبعدُ أثَرٍ وأعمقُه، سُقتُ له المثلَين التاليَين:
فقد أدَّى البحث في تحليل الجُملة الرياضية — حسابًا كانت أو هندسة — إلى حقيقةٍ تهولُكَ «ببساطتها» كما تهولُكَ بعُمقِ أثَرِها في التفكير الإنساني كله؛ ذلك أن التحليل المنطقي للجملة الرياضية قد بيَّن في جلاءٍ أن مثَل تلك الجملة يكون دائمًا تحصيلَ حاصل، ولا يقول شيئًا أبدًا عن طبيعة العالم أو أيِّ حقيقةٍ من حقائقه، فإذا قلتَ مثلًا إن ٢ + ٣ = ٥ فأنت لم تَزِد على أنكَ قد كتبتَ رمزًا واحدًا مرتَين في صورَتين مختلفتَين، أو بعبارةٍ أخرى: فإنكَ قلتَ عن الماء إنه ماء!
ومغزى هذا الكشف العجيب عن طبيعة الجملة الرياضية هو أنه لم يعُد ما يُبرِّر لنا أن نقول للإنسان مَصدرًا يستقي منه العلم غير حواسِّه؛ ذلك أن الفلاسفة العقليين فيما سبَق كانوا دائمًا يحتجُّون بالرياضة على عدم كفاية الحواس في كسب المعرفة؛ إذ كانوا يقولون: لو كانت الحواسُّ هي المصدر الوحيد لمعرفتنا، فمن أين تأتي الرياضة مع أنها لا تأتي عن طريق الحس؟ هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى إن كل ما يأتي عن طريق الحسِّ مُعرَّضٌ للخطأ لاحتمالِ أنْ تُخطئ الحاسَّة في نقلها عن الحقيقة الخارجية، لكن المعلوم عن الرياضة أنها يقينيةٌ لا تُخطئ، فمن أين جاءنا هذا اليقين فيها؟ كان الفلاسفة يسألون هذه الأسئلة ليجيبوا بقولهم: إنه لا بد أن يكون هنالك عُنصرٌ وراء الحواس، ومُستقِل عنها، وهو العقل، لكن ها هو ذا التحليل قد أثبَت أن الجملة الرياضية تَكْرار! وإذا قلت إن الماء هو الماء فلا شك أنكَ قد قُلتَ يقينًا، لكن اليقين مَصدرُه أنكَ لم تقُل شيئًا!
وكذلك أدَّى البحث التحليلي للفلاسفة المعاصرين إلى الكشف عن حقيقةٍ أخرى في العبارات التي تُعبِّر عن قيمةٍ خلقية أو قيمةٍ جمالية، كقولك مثلًا: إن الشجاعة خير، وإن غروب الشمس جميل. فأمثال هذه العبارات إذا ما خَضعَت للتحليل المنطقي تَبيَّن أنها تعبيرٌ ذاتي صِرفٌ لا شأن له بالعالم الخارجي؛ فأنت لا تصف شيئًا من مُكوِّنات العالم حين تقول عن الصدق إنه خير، أو حين تقول إن غروب الشمس جميل، إنما تقول شيئًا عن ذاتِ نفسكَ أنت، ومغزى ذلك أنه إذا اختلف اثنان في حكمٍ خُلقي أو جمالي فلا سبيل إلى الرجوع إلى مقياسٍ خارجي لنفصل به: أيهما مُصيبٌ وأيهما مخطئ؟ ذلك أنْ لا صواب ولا خطأ فيما تقوله لتُعبِّر به عن ذاتِ نفسك، وإنما يكون الصواب أو الخطأ حين تتعرض لوصف شيءٍ خارجي، فيجيء هذا الوصفُ مطابقًا للواقع أو غير مطابق.

•••


هكذا حدثَت الثورة في الفلسفة؛ فلم يعُد الفيلسوف المعاصر كسابقه يتعرض لوصف الوجود، ولم يعُد الفيلسوف المعاصر كسابقه يُحاوِل أن يبني النسَق الشامخ الذي يسَع كل شيء؛ كانت الفلسفة فيما سبَق لا تَتورَّع عن منافسة العلم في موضوعاته، فردَّ العلم إلى أصحابه، وكانت تُجاوِز الطبيعة إلى ما وراءها تَضرِب فيه، فامتنَع ذلك بحذف كل عبارةٍ تصفُ شيئًا غير الطبيعة وصفًا يمكن تحقيقُه بالتجربة البشرية، وأبقى الفيلسوف لنفسه عملًا واحدًا مشروعًا، هو تحليلُ الكلام لتوضيح معناه، فإن سألتَني بعد ذلك: ما الفلسفة في اختصار؟ قلت: إنها توضيحُ المعاني.


المصدر:قشور ولباب (١٩٥٧) زكي نجيب محمود