محاولة في فهم تكون الحضارات البشريّة على أساس النظريّة النسبيّة عند أينشتاين

تمهيد في دواعي الفكرة:

تشهد مجتمعاتنا العربية في العديد من دولها الوطنية الحديثة، منذ عام 2011م، انفجارات مجتمعية لا سابق لها في تاريخها الحديث، تطالب بالإصلاح السياسي وتداول السلطات الحاكمة فيها عبر الانتخاب الديمقراطي الحر وتأهيل دور مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، وتأكيد دور الإنسان الفرد في التعبير عن ذاته ضمن أطر ومعايير ومبادئ حقوق الإنسان العالمية.

لكن بحكم الاستعصاءات القوية التي تقف حائلا كبيرا أمام تحقيق هذه الأهداف بسبب من تعنت العديد من الانظمة والسلطات المستبدة الحاكمة، كما بسبب التدخلات الخارجية العديدة لأجندات خاصة بها، كما بسبب التعدد الديني – الطائفي والاثني لدى شعوب هذه المجتمعات مع غلبة ميول وثقافة القرون الوسطى بجانبها الظلامي المغلق والمتشدد على الوعي العام عند الأكثرية في هذا التعدد، فإن هذه الاستعصاءات تجعل تلك الانفجارات تقذف مع حممها اللاهبة كانفجارات البراكين، كل العفن المتراكم طيلة سنين القهر، من داخل وعمق القاع المجتمعي العام:، ميولا عصبية وتنظيمات دينية متطرفة نتيجة القهر المتواصل تعبر عن عودة الأغلبية المجتمعية إلى انتماءاتها القبلية الأولى تلك، دينية – طائفية كانت أم اثنية عرقية  للاحتماء فيها.

وتظهر أصوات كثيرة على منصات التواصل الاجتماعي العديدة، حتى لدى بعض النخب المثقفة في العديد من مقالات الرأي والمحاضرات، تُحَمِّل مسؤولية ما يحدث لفكرة القومية العربية والعروبة والاسلام، وتدعو إلى محاكمة حضارة تاريخية عريقة كالحضارة العربية الاسلامية باعتبارها، كما تزعم هذه الأصوات ظلما وجهلا بالتاريخ، حضارة قامت فقط على الغزو وقوة السيف والقتل والسبي… إلخ.

السطور التالية لا تدّعي الدفاع عن الحضارة العربية الاسلامية التي مازالت مجالا حيويا خصبا للنظر العقلي النقدي لدى العديد من المفكرين والباحثين والمؤرخين في العالم.

لكنها محاولة في مقاربة فهمها وفهم نشوء وتشكل كل الحضارات البشرية مثلها حسب السياق التاريخي لكل منها على ضوء مبدأ الجاذبية في النظرية النسبية العامة عند (اينشتاين) التي صاغها بين عامي 1903 –  1915م.

توطئة مختصرة جدا في فهم مبدأ الجاذبية عند أينشتاين :  

لعل النظرية الأشد إبهارا عند (أينشتاين) حول الجاذبية والتي تجاوز فيها كثيرا نظرية (نيوتن) التي تقول بالقوة الثابتة للجاذبية في الأجسام الكونية الضخمة تلك القوة التي تقوم بدورها على جذب الأجسام الأخرى الأقل ضخامة، فكل الأجسام الكونية تكون في حالة ثبات وسكون لا يصيبها التغير[1] حتى تتعرض لتأثير خارجي ما فتبدا الحركة عليها من خلال الجذب.

حيث يفسرها أينشتاين بناء على ملاحظته لتمدد الكون بدلا من ثباته بالمنحنيات التي ينشئها تواجد ثقل هائل لكتلة كوكب ضخم في مجال فضائي ما بحيث يحدث تشوه في الزمكان الفضائي هذا، تشوه يكون على شكل منحنيات يؤدي إلى حدوث أمواج جاذبية تتأثر فيها كل الكواكب الأخرى القريبة نسبيا والأقل ثقلا في كتلتها الموجودة بحيث تنزلق في حركة دائرية حول هذا الكوكب الضخم وعلى هذا الأساس يكون دوران كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس وبالتالي دوران القمر حول الأرض والمجرات حول نفسها.

فالتمدد الكوني، بعكس الثبات، كوعاء فيزيائي هائل ومتحرك بفعل الطاقة والحركة فيه يفسر حالة الجذب الهائلة في نظام وحركة الكواكب والمجرات وهذا ما يشكل ظاهرة المنحنيات الكونية كما أشرت سابقا كما يشير إلى نسبية الزمان والمكان “الزمكان” في هذا الفضاء الكوني الهائل والشاسع.

وسأحاول على ضوء هذه النظرية، وقد لا أصيب، أن أفسر نشؤ وتشكل الحضارات الكبرى والمراكز الإمبراطورية الواسعة عبر التاريخ بنظرية الجاذبية على أساس المنحنيات الزمكانية هذه كما أوضحها علميا العبقري (أينشتاين)[2].

  مقدمة في نشوء الوعي التاريخي-:

يقسم دارسو التاريخ، التاريخ البشري إلى سلسلة حلقات متتابعة. لكنهم يميزون فيها أربعة مراحل رئيسية يمكن إجمالها باختصار شديد كالتالي[3]:

1-: مرحلة ما قبل التاريخ، منذ بداية ظهور الانسان على سطح الأرض حيث كانت الكهوف ملجأه الوحيد فترك لنا كل ما يعبر عنه وعن حالاته من خلال الرسومات والحفريات على جدرانها، أو من خلال أشكال الحجارة كأدوات مستخدمة أو من بقايا عظمية لبشر أو حيوانات مدفونة تحت الأرض وموجودة حتى اليوم.

2-: مرحلة التاريخ القديم الذي يبدأ مع اختراع الكتابة منذ عام 3500 ق.م لا سيما في بلاد الرافدين القديمة وظهور المجتمعات الزراعية الأولى وبداية ظهور الديانات وطقوس العبادات الأولى واستمرت حتى القرن الخامس بعد الميلاد

3-: العصور الوسطى التي بدأت في القرن الخامس ميلادي، كمرحلة مجتمعية وبشرية أرقى مما سبقها عبر تطوير أدوات الكتابة والانتاج وأشكال الإدارة وبداية تشكل إمبراطوريات واسعة أنتج بعضها حضارات هامة ما تزال أثارها وشواهدها ومخطوطاتها باقية حتى اليوم.

4-: عصور النهضة والحداثة الأوروبية التي بدأت في القرن الخامس عشر ميلادي والمستمرة حتى اليوم.

يمكننا القول إذا أن إرهاصات الوعي التاريخي الأولى بدأت مع اختراع الكتابة لأول مرة في التاريخ ثم بدأت تأخذ مستواها الأرقى لاحقا في العصور الوسطى بملاحظة وتتبع وتسجيل كل الحوادث اليومية الصغيرة منها والكبيرة بشكل يلخص ويشير إلى كيفية إدارة البشر للعلاقة بين بعضهم البعض وهم يقومون بتطوير أدوات إنتاجهم وتحسين مستوى معيشتهم وتنظيم مستوى العلاقة فيما بينهم إداريا وقانونيا وتشريعيا أولا. ومن ثم كيف أداروا علاقتهم ببيئتهم الطبيعة المحيطة بهم ثانيا،

فتاريخ الإنسان على الأرض عموما، هو جزء من التاريخ العام، بل هو تفصيل نسبي، لكنه مهم وفاعل ضمن تاريخ حركة الزمان والمكان على الأرض بل وفي الكون.

إلاّ أن هذا التتبع الذي ربما بدأ في العصور الوسطى كانت تختصره مدونات قديمة كتبها أشخاص متميزون بنباهتهم وملاحظاتهم الذكية قياسا على زمنهم، وسجلوا فيها أخبارا وحوادث متفرقة قد تكون عيانية مُشاهدة وقد تكون منقولة عن آخرين.

ولعل من أهم وأكبر المدونات التاريخية هي مدونة التاريخ العربي الإسلامي التي ربما بدأت منذ القرن السابع الميلادي، واستمرت بشكل يُعتد به حتى القرن الرابع عشر ميلادي، ونبغ فيها أعلام كثر نذكر منهم، ابن هشام، ابن سعد، ابن كثير، اليعقوبي، ابن الطبري، الذهبي، المقريزي، ابن بطوطة، ابن خلدون. وغيرهم آخرين، تُعتبر كتاباتهم حتى اليوم واحدة من أهم مصادر المعرفة عن تلك الفترة التاريخية ولمنطقة واسعة من العالم القديم.

الأمر الذي تحول في الزمن الحديث إلى قراءة علمية حديثة وفق مناهج بحث متطورة، تعتمد بداية على التعامل مع ما تبقى من مدونات تلك الأخبار والحوادث القديمة التاريخية القديمة ومن ثم مع مكتشفات الحفريات الأثرية لمراحل تاريخية منها ما هو موغل في القدم.

ما أود قوله هنا، بالضد من فكرة شائعة بل وخاطئة، كما أزعم، حول التاريخ تحكم تفكير عام في مجتمعاتنا العربية اليوم، ربما انطلاقا من مناهج كتب التاريخ المدرسية التي تُعد وتقرر بإشراف حكومات رسمية مركزية، أو من منطلقات دينية طائفية أو عرقية أو أيديولوجية ضيقة. وهي أن التاريخ يكتبه دائما المنتصر ولذلك فهو غير صحيح؟!

لأن علم التاريخ صار اليوم أحد فروع العلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة، بعد أن بدأ التنظير له فلسفيا من زوايا نظر معرفية مختلفة ومتعددة، منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر مع كنط وهيجل وفولتير ومن ثم ماركس، لدرجة صارت فيها فلسفة التاريخ أحد فروع الفلسفة الرئيسة. حتى أن دراسة التاريخ منذ قرنين من الزمن وأكثر صارت أكاديمية في مختلف جامعات العالم، فأنجبت دارسين وباحثين ومختصين هامين، حتى خارج الحقل الأكاديمي، حيث ظهرت ضمن بحوث التاريخ، نتيجة ذلك، اختصاصات جديدة ومتعددة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والفني والفلسفي ووو إلخ.

كل ذلك يساعدنا على إنضاج معرفتنا الموضوعية بالتاريخ معرفة، يمكن اختزالها وتبسيطها بالقول أنها تقوم على قراءة ووعي وتفسير كل حركة وكل حادثة وكل شخصية، بل وكل مرحلة حضارية مزدهرة ضمن سياقها التاريخي الخاص الذي أنتجها وبالأسباب الخاصة بالسياق نفسه.

إلا أن ذلك لا يكون وفق نمط أحادي في الدراسات التاريخية، وإنما وفق مناهج وأساليب وفروع متعددة تتقاطع وقد تتباعد فيما بينها، فالمعرفة التاريخية هي معرفة نسبية كما في كل مجالات المعرفة الأخرى، تبعا للمنهج والأسلوب وزاوية النظر، أو الخلفية النظرية أو الأيديولوجية، والأهم، الزمان والمكان حيث يكون فيهما المؤرخ الدارس أو الباحث، بحكم التفاوت الكبير الذي يحكم العالم بين مجتمعات غنية وأخرى فقيرة، حكومات استعمارية وشعوب مستعمرة، مجتمعات متحكمة وأخرى ضعيفة ممزقة تعيش حروبا داخلية.. إلخ.

فالشرط المجتمعي العام الذي يعيشه المؤرخ كثيرا ما يترك بصماته عليه ويشكل بعض ملامح تفكيره وأهوائه الخاصة.

وهذا النضج في المعرفة التاريخية هو ما أعني به ب الوعي التاريخي الذي يقرأ وهو يحاول فهم التاريخ بنسبية الحدث أو الظاهرة أو الشخصية فيه قياسا على الشرط الزمني والمكاني لكل منها، وليس بتمثل الحدث بشكل إطلاقي وتعميمه كقياس وحيد لفهم ظواهر وأحداث وشخصيات في زمان ومكان لهما سياق مختلف تماما، قديما أو حديثا.

أيضا فإن قراءة ووعي التاريخ بنسبية الحدث والظاهرة فيه قياسا على شرطه الزماني والمكاني النسبيين بدورهما، يراكم في الوعي والمعرفة خلاصات ذهنية لتجارب تاريخية عديدة ومتباينة. وهو ما نسميه بتعقل التاريخ في حركته المفتوحة دوما، أي وعيه بعيدا عن الاستغراق التاريخاني التأملي، أو الحنين الرومانسي إلى مرحلة غابرة فيه، هذا التعقل الذي يمكن من خلاله فهم الحاضر بمقدماته وأسبابه البعيدة والقريبة. وهو ما يسمى بتعقل الواقع الحاضر بقصد رسم ملامح مستقبلية جديدة له، ولنا في تجربة الحداثة الأوروبية خير مثال على ذلك. لذلك يمكن القول أن وعي التاريخ على أساس ما تقدم يكون شرطا لازما لوعي الواقع الحاضر فيه بكل تناقضاته وتجاذباته العديدة والمتباينة، ومن ثم تجاوزها باتجاه فتح آفاق مستقبلية جديدة له ومغايرة.

منحنيات التاريخ البشري-:

كما أشرت سابقا للاكتشاف العلمي المبهر للعالم أينشتاين في تفسيره لمبدأ الجاذبية بين الكواكب والمجموعات والمجرات، بعد ملاحظته الدقيقة حول التمدد الفيزيائي للكون، بمبدأ المنحنيات التي يحدثها تموضع ثقل هائل لكوكب كبير وهو يدور حول نفسه مما يحدث خلخلة في الزمكان الفضائي حوله تنتج عنه أمواج جذب تجعل الكواكب الأخرى القريبة منه الأصغر حجما والأقل ثقلا تنزلق هي الأخرى في حركة دائرية ضمن المجال الفضائي لهذا المنحنى فتتشكل بذلك دورتها حول الكوكب المركز.

على قياس ذات الفرضية العلمية في الزمكان الكوني، أزعم فرضية تشكل الحضارات البشرية عبر التاريخ، منذ عام3500 قبل الميلاد مع حضارة وادي السند وحضارة ما بين النهرين والحضارة اليونانية، ثم العربية الإسلامية ثم الحضارة الغربية منذ بدايات عصور الحداثة حتى اليوم.

فالمركز البشري الحضري الكبير بداية، كان ينشأ حين تتجمع فيه الشروط اللازمة لتشكله من مكان تتوفر فيه موارد عيش دائم، ففائض بشري كبير قياسا على مرحلته، فاقتصاد قوي، فتنظيم إداري جديد وسلطة قوية ينتج عنها قوة عسكرية كبيرة وتطلعات أو أطماع خارجية تنتج عنها انزياحات سكانية كبيرة مرافقة لغزوات أو فتوحات، حيث كان التاريخ البشري آنذاك، وما يزال في المناطق الطرفية منه، في حالة سيولة وتشكل، أي في حالة تمدد، فتشكلت نتيجة لذلك الممالك القوية ومن ثم الإمبراطوريات الواسعة.

أما المراكز الحضارية الكبرى، التي كانت تنشأ في سياق تشكل الإمبراطوريات الكبيرة حسب زمنها التاريخي، بمعنى التي تركت أثرا حضاريا مكتوبا يشهد عليها حتى اليوم، فكان يلزم لنشؤها وتكونها، إلى جانب القوة العسكرية والفائض البشري، وجود أيديولوجيا ذهنية جديدة قوية وجاذبة. وهو ما فعلته أزهى وأقوى ثلاث حضارات بشرية ظهرت حتى الأن وهي:

1-: الحضارة الإغريقية الكلاسيكية التي استمرت كما يجمع المؤرخون منذ القرن السادس قبل الميلاد حتى منتصف القرن الأول قبل الميلاد تقريبا مع وفاة الاسكندر عام 323ق.م وقد حفلت هذه الحضارة بتراثها المكتوب في حقل الفلسفة والسياسة وأثارها الأخرى في حقول الفن والعلوم والعمران.

2-: الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط التي بدأت منذ القرن الثامن الميلادي حتى القرن الخامس عشر ميلادي فأنتجت تراث الإسلام كدين جديد بكل تشعباته اللاحقة واجتهادات رجالاته وأعلامه الكبيرة في الفقه والفكر والفلسفة والأدب.

3-: الحضارة الأوروبية الغربية الحديثة بدءا من القرن الخامس عشر مرورا بحركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، فعصر العقل في القرن السابع عشر، وعصر التنوير في القرن الثامن عشر ثم ظهور الفلسفات الحديثة بتنوعها الكبير منذ القرن التاسع عشر الذي شهد أيضا ولادة الثورة الصناعية الأولى. الأمر الذي أسس للحداثة السياسية والمجتمعية والثورة التكنولوجية اللاحقة ومن ثم الرقمية التي نعيشها اليوم.

فالإمبراطوريات القوية الواسعة والمزدهرة بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والعلمي، كالإمبراطورية العربية الإسلامية المزدهرة في العصر الوسيط على سبيل المثال لا الحصر، تناظر، كما أزعم هنا، في النظرية النسبية عند (أينشتاين)، الكوكب الشمسي الضخم الذي أحدث وجوده منحنى وجودي وخلخلة، فأحدثت بدورها أمواج جاذبة في محيطها الدائري جعلت بقية الممالك الصغيرة والجماعات البشرية المختلفة القريبة منها، وحتى البعيدة، تنزلق منجذبة حولها بحركة دائرية. وإلاّ ما تفسير امتداد العالم الإسلامي تاريخيا من الصين في أقصى الشرق حتى إسبانيا “الأندلس” في الغرب وما يزال تراث العرب المسلمين في الأندلس جزء مهم من التاريخ والثقافة في إسبانيا الحديثة اليوم.

قد يقول قائل: كان ذلك بقوة السيف وفعل القتل والغزو والسبي .. إلخ

ربما لا خلاف حول ذلك من حيث الشكل والأسلوب، لكن السيف وحده لا يحقق الغلبة بدون مقومات الثقل الوجودي النوعي التي تدعمه وهو ما ذكرته بداية، فالكل كان يحمل السيف والكل كان يقوم بالغزو فلماذا كانت الغلبة لسيف دون سيف؟

هذا ما يجب تبيانه في قراءة ووعي التاريخ. فثمة سيف يتقادم دوره مع الزمن في لحظة تاريخية ما، وسيف أخر يتجدد.

فحتى لحظتنا المعاصرة اليوم تكون الغلبة دائما للقوة بمعادلاتها الثلاث التالية المترابطة فيما بينها:

قوة اقتصادية سياسية، قوة علمية معرفية، قوة عسكرية.

على هذا الأساس يمكننا فهم دور الحضارات الكبيرة وتأثيرها العميق في منحنيات محيطها الوجودي عبر التاريخ، كحضارات وادي السند وما بين النهرين وحضارة بلاد فارس، وحضارة وادي النيل والفراعنة، والحضارة اليونانية ثم الرومانية ثم الحضارة العربية الإسلامية، وصولا للحضارة الغربية الحالية التي نعيش ونحن ندور حول مركزها الرئيس منذ أكثر من مائتي عام.

حتى حركة التاريخ يكون فهمها قاصرا جدا إذا اعتمدنا في فهمها النسق التاريخي المتدرج والحتمي بحلقاته التاريخية المتتالية فقط، (مشاعية، عبودية، إقطاع، رأسمالية، اشتراكية، شيوعية)، كما جاءت به نظرية المادية التاريخية، التي قد يكون لها صحة نسبية في تفسير ما يحدث ظاهريا في حركة التاريخ لكنها لا توضح، بتقديري الشخصي، أو تفسر الأسباب العميقة والدافعة في نشؤ الحضارات وزوالها أو فسادها. وأقصد هنا “نشؤ الحضارات” بمعنى تكون الثقل النوعي العلمي والمعرفي لمجموعات بشرية كبيرة في مجال جيوسياسي إمبراطوري كبير ومتعدد لكنه واحد في الإطار السياسي الإداري الذي يجمعه.

حتى في زمن الحرب الباردة في القرن العشرين فقد كان ثمة قطبين رئيسين كبيرين لهما الثقل الوجودي النوعي الأكبر على الكرة الأرضية، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، بحيث استطاع كل منهما إحداث منحنى تاريخي وجودي حوله على كوكب الأرض نتج عنه خلخلة وأمواج جاذبة نحوه. لذلك كانا يتقاسمان النفوذ ومركز العالم بحيث تنقسم بقية دول وشعوب العالم بتبعية الدوران حولهما.

فلا الإيديولوجيا، الماركسية في الشرق السوفيتي الاشتراكي، ولا الليبرالية في الغرب الرأسمالي، رغم الاعتراف بدورها أو تأثيرها النسبي والهام في ذلك، كانتا هما القوة الجاذبة الوحيدة لهما، وإنما الثقل النوعي الوجودي الحداثي الكامل لكليهما.

واليوم وبعد انفراط عقد القطبين الدوليين في تزعم العالم منذ أواخر القرن العشرين، وبقاء الغرب ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكية القطب الوحيد والأقوى. صارت تنشأ مراكز أقطاب جديدة متعددة تنافس المركز الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية لكن دون أن تستطيع مكافأتها تماما في ثقلها النوعي في مختلف مستويات القوة، كما لم تستطع الولايات المتحدة بدورها الحد من طموح المنافسة عند الأقطاب الجديدة الصاعدة هذه، مما أحدث ويحدث حتى اليوم خلخلة كبيرة في موازين العالم، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، مما يفتح المجال لإمكانية دخول الحضارة البشرية في متاهة الثقب الأسود الخاص بها على الأرض وعندها لن يكون بإمكان أية أيديولوجيا دينية أم دنيوية أن تنقذ الحضارة البشرية.

على أساس هذا الفهم، كما أزعم، يمكننا قراءة ودراسة وفهم قيام ومن ثم تراجع دور أي حضارة عبر التاريخ بانتقالها من حيز زماني مكاني محدد إلى حيز جديد، حسب تشكل المنحنيات التاريخية الجديدة تحت تأثير ثقل حضاري نوعي جديد لجماعة بشرية جديدة، وبالتالي يتيح لنا فهم أوضح لمسألة انتقال الحضارة البشرية من مركز إلى أخر مع إضافات جديدة في كل مرحلة انتقال. فالحضارة البشرية في النهاية واحدة لكنها متعددة الروافد والإضافات حتى وإن كانت تنسب للمركز الرئيس الذي توجد فيه لحظة تألقها الحضاري.

وعلى هذا الأساس، أيضا، يمكن القول أن الحضارة العربية الإسلامية كانت الأقوى علميا وفكريا وفلسفيا وأدبيا طيلة العصور الوسطى حتى بدايات ظهور مقدمات عصور النهضة والتنوير في أوروبا في القرن الخامس عشر ميلادي، والتي كانت بدورها قد تأثرت كثيرا في لحظات انطلاقتها الأولى من الحضارة العربية الاسلامية وأخذت عنها الكثير كما يشير لذلك العديد من المستشرقين ودارسي التاريخ ومحققيه في الغرب.

الأمر الذي يحتاج إلى دراسة أوسع ليس هنا مجالها.

******

[1] -: “نيوتن” –  مقدمة قصيرة جدا تأليف: روب أيلف ترجمة: شيماء طه الريدي .. مراجعة: إيمان عبد الغني نجم, صادر عن مؤسسة هنداوي للنعليم والثقافة ضمن سلسلة مقدمات قصيرة جدا. عام 2014م.

[2] -: كثيرة هي المراجع والمصادر حول نظرية النسبية العامة عند أينشتاين, وسهولة البحث عنها لا سيما على النت, مع ذلك أختار هنا المرجع المختصر والعميق التالي:

“النسبية” – تأليف: (راسل ستانارد)  ترجمة: (محمد فتحي خضر) الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ضمن سلسلة مقدمات قصيرة جدا عام 2014م. وبالأخص الفصل الثاني بعنوان “النسبية العامة ص 48.


[3] -: أيضا ثمة مراجع عديدة كثيرة وهامة بهذا الخصوص أشير منها هنا إلى ثلاثة كتب:

-: “ما وراء التاريخ” تأليف (وليام هاولز) ترجمة وتقديم : أحمد أبو زيد) عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة 2011, تقديم طبعة المركز بقلم: (محمد الجوهري).


-: “المؤرخون في العصور الوسطى” تأليف د. بيريل سمالي ترجمة الدكتور قاسم عبده قاسم عن دار المعارف القاهرة طيعة ثانية عام  1984.

-: “مؤرخو العرب والاسلام حتى العصر الحديث” تأليف: برنار لويس – ب . م . هولت, نقله إلى العربية وقدم له الدكتور سهيل زكار, صدر عن دار التكوين دمشق عام 2008.  الكتاب يحوي اسهامات العديد من المؤرخين والمستشرقين الغربيين حول هذا  الموضوع.

 

 



معاذ حسن - الآوان