الصين ضبطت وصولها إلى دمشق على ساعة بكين

مضى سنوات طويلة على إعلان سوريا التوجه شرقاً ونسيان أن أوروبا على الخارطة، توجهٌ لم يحصد أي نتائج ملموسة له حتى أنه دفع للتساؤل هل فعلياً توجهت الحكومة السورية نحو الصين أم أنه توجه إعلامي فقط، وهو تساؤل مبرر، فعلى مايبدو لم تكن الصين تقابل هذا التوجه بحماسة، وفضلت أن تبقى طوال الفترة الماضية بدور محدود يكاد يقتصر على حراك في مجلس الأمن وبعض التدخلات بسيطة.
لكن بعد عشر سنوات من الحرب في سوريا يبدو أن موقف الصين من التوجه نحو سوريا قد تغير، ويتمثل التغيير في زيارة وزير الخارجية الصيني أمس إلى دمشق بالتزامن مع بدء الولاية الثانية (بعد إقرار دستور 2012) للرئيس السوري بشار الأسد، حاملاً معه مشاريع اقتصادية واتفاقيات جديدة من نوعها ناهيك عن أنها المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول صيني بهذا المستوى سوريا بعد بدء الحرب فيها.
الصينيون ضبطوا وصولهم إلى دمشق على ساعة بكين التي على مايبدو أنها كانت مؤقتة على توقف المعارك وتثبيت الوضع الراهن من جهة، وحدوث بعض التغييرات في بيئة الاستثمار داخل سوريا من جهة أخرى، إضافة للظروف الدولية والسياسية الخاصة بالملف السوري واتضاح صورة المرحلة القادمة أكثر بالنسبة للصين، وبلا أدنى شك إن مارد آسيا لا يغامر باستثمار ولو بدولار واحد من دون ضمان استقرار أمني وعسكري.
كما أن رغبة الصين في إشراك سوريا ضمن مشروع الحزام والطريق الذي سبق لها أن أعلنت عنه، يحسم النقاش الذي طرحه تطبيع بعض دول الخليج مع الاحتلال الاسرائيلي وما طرح حينها من إمكانية أن تكون الأراضي الفلسطينية المحتلة هي ميناء مشروع الحزام والطريق على المتوسط وبالتالي إخراج سوريا من المعادلة، الأمر الذي كان من شأنه أن يلحق أضراراً اقتصادية كبيرة في سوريا.
وهناك احتمالية كبير أن يكون الدور الاقتصادي الصيني في المرحلة القادمة إيجابياً لناحية تخفيف الضغوط المعيشية على السوريين بشكل تدريجي دون إنهائها، فالتوجه الصيني نحو أفريقيا منذ عقود ترافق مع يد إنسانية بعقلية استراتيجية تنظر للمصالح والسياسة والغوص عميقاً في بالمجتمعات المستهدفة.
كما أن الوجود الصيني اقتصادياً من شأنه تخفيف الحصار والعقوبات المفروضة على دمشق فوجود المشاريع الصينية في سوريا يعني أنها تحتاج خطوط نقل منها وإليها وتوفير آليات وطرق النقل وأدواته وهو ما ستستفيد منه دمشق بكل تأكيد على اعتبار أن قدرة الشركات الصينية على تأمين الطريق إلى سوريا أكبر بكثير من قدرة الحكومة السورية.
التفاؤل بالوصول الصيني محفوف بالمخاطر أيضاً بلا أدنى شك، فالعلاقة الاقتصادية والمشاريع من هذا النوع تحتاج شفافية عالية المستوى من جهة، وبيئة مستقطبة للاستثمار، وسيطرة على مكامن الفساد وتجفيف منابعه، إلى جانب دور القطاع العام والخاص في سوريا بهذه المشاريع للاستفاد من التجربة الصينية.
والصين أيضاً ليست جمعية خيرية كما يعتقد البعض فهي دولة تبحث عن مصالحها بشكل رئيسي في سوريا، ولها تجربة طويلة في إفريقيا من خلال مشاريع وقروض منحت أو نفذت في دول نامية وأخرى فيها نسب فساد عالية، وقد وضعت الصين قبل البدء بهذه المشاريع أو منح القروض شروطاً صارمة وصلت بها إلى وضع يدها على ميناءين في سيرلانكا وكينيا بسبب تراكم الديون عليهما.
حتى الآن من غير الواضح تماماً ماذا تريد الصين من سوريا  خصوصاً وأن تفاصيل المشاريع والاتفاقيات الموقعة لم تعلن بعد ولم تنشرها وسائل الإعلام الرسمية السورية، لكن بالنظر إلى ما تنشره وسائل الإعلام الصينية فإنها تعاملت خلال الأيام الماضية مع الزيارة في إطار تقليدي واقتصرت أخبارها على المفردات الدبلوماسية ومحتوى مفاده بأن سوريا تريد الانضمام لمبادرة الحزام والطريق والصين ترحب، وأن الصين ستدعم الصداقة التقليدية مع سوريا، ودفع التعاون الثنائي بمجالات التجارة والزراعة والبنية التحتية الارتباطية، وجزئية البنى التحتية الارتباطية المقصود بها بالنسبة للصين الارتباطية بمشروع الحزام والطريق مثل “سكك الحديد” مثلاً.
إن أثر التوجه الصيني الجديد نحو سوريا اقتصادياً مرتبط بعوامل عديدة منها ماهو داخلي سوري بحت، ومنها ماله علاقة بدول الجوار خصوصاً العراق الذي لابد له أن يكون جزءاً من مبادرة الحزام والطريق، ومنها ماهو مرتبط بماذا تريد الصين، هل تريد استثمارات في سوريا ودعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار، أم تريد مشاريع فقط لتأمين طريقها وأهدافها الاستراتيجية ضمن إطار مشروع الحزام والطريق؟ هذه الأسئلة لايمكن الإجابة عليها إلا بمزيد من الشفافية.

 

بلال سليطين: سناك سوري