“المدرسة السورية في الشعر”.. والتدمير الطوعي للذائقة!

تغيب ثقافة سوريا قبل الميلاد عن الذائقة الحديثة بسبب ندرة المصادر وقلة الاطلاع وشحّ المعلومات، لكن ما يصلنا من تلك الفترات يؤكد أن قطعاً بنيوياً قد حصل مع الثقافة الحديثة إلى درجة أن البعض لا يعترفون سوى بتراث قريب يعود إلى ما يقارب ألف وأربعمئة سنة ميلادية هو عمر الفتوحات الإسلامية التي أدخلت المنطقة في عصر مختلف لغوياً وجمالياً.

ما دفعنا إلى اقتفاء أثر الثقافة السورية في تلك الفترات الموغلة من التاريخ، هو المكتشفات التاريخية والترجمات التي وصلتنا بالمصادفة وعلى رأسها مؤلف الدكتور إحسان هندي الذي يحمل عنوان “شعراء سورية في العصر الهيلينستي” الذي يتناول فيه عدداً من الشعراء السوريين الذين عاشوا خلال القرون الثلاثة التي سبقت الميلاد مع إضاءة على حياتهم ونماذج من أشعارهم.

خلال زيارة له إلى كندا والولايات المتحدة الأميركية، زار الدكتور هندي أمهات المكتبات هناك، وعثر بالمصادفة على مؤلفات تؤرخ للثقافة في العصر الهيلينستي مكتوبة باللغات الفرنسية والإنكليزية ومترجمة عن اليونانية، وقد استخدم المؤلفون فيها مصطلح “المدرسة السورية في الشعر” للإشارة إلى الحركة الشعرية التي سادت سوريا في ذلك العصر نظراً لأثرها الكبير في الثقافات الأخرى.. المراجع التي عاد إليها الدكتور هندي تصل إلى “22” مرجعاً باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وبالتالي كان مؤلفه “شعراء سوريا في العصر الهيلينستي” يعد الأول من حيث الاختصاص والمعلومات الموسّعة.

في هذا الكتاب يمكن للقارئ أن يطلع على الذائقة السورية التي كانت سائدة في ذلك الوقت ليتخيل السبب الذي دعا النقاد لاستخدام مصطلح “المدرسة السورية في الشعر”، وبالتالي يشكل هذا رداً على من يعتقدون أن التاريخ الشعري السوري لا يرجع ولا يدين إلا إلى مئتي سنة قبل الإسلام أي الشعر الجاهلي، وفي هذا ظلم كبير لتاريخ كامل يعتز به الغرب ويغرقونه بالتوثيق بينما نحن لا نعلم عنه شيئاً!

نقطة هامة لابد من الإضاءة عليها هنا وهي ترجمة هذا الشعر عن لغة ثانية وربما ثالثة وهو ما يضيع الكثير من صفات النص، فالنصوص الشعرية تمت ترجمتها عن الإنكليزية والفرنسية اللتين ترجمتا النصوص في الأساس عن اليونانية، وفي واقع الأمر لا نعلم إن كانت هناك نسخة أصلية مكتوبة بالآرامية تخص هذا الشعر أو بعضه، لكنها لم تصلنا أو إنها تحتاج إلى كشوفات تاريخية وبحثية كبيرة تتولاها مؤسسات ضخمة، إذ من غير الممكن ألا يكتب أولئك الشعراء بلغتهم الأم أية قصائد ويقتصروا فقط على اليونانية التي وصلتنا بعامل الحفظ والأرشفة وهو ما لم يتوفر للآرامية بشكل سليم وممنهج في معظم المراحل.

ما يؤكد ما نذهب إليه هو النصوص الشعرية المكتشفة في المواقع الأثرية والتي يعدها العلماء أوائل القصائد في التاريخ، ومثال ذلك أو قصيدة حب عرفتها البشرية وهي سومرية مكتوبة بالمسمارية وإلى جانبها الكثير من المقاطع المكتوبة باللغات السورية القديمة، وهو ما يدحض ما حاول البعض تسويقه في مرحلة ما من أن التوراة أقدم كتاب في التاريخ وأن نشيد سليمان أقدم قصيدة حب لأن هذه النصوص السورية القديمة تسبقها بآلاف السنين!

الاهتمام بالشعر السوري القديم أخذ حيزاً أكبر في الفترات اللاحقة، فقد ترجم عادل الديري كتاباً كاملاً من أشعار ميلياغروس السوري بعنوان (إن كنت سورياً.. سلام – قصائد في الحب والموت)، وهو من منشورات دار التكوين بدمشق، ليضيء أكثر على هذا الشاعر الذي يحظى بمكانة كبيرة في الغرب في حين لا يعرف عنه أبناء بلده شيئاً، وقد عادل المؤلف والمترجم عادل الديري إلى مصادر أجنبية منها: (ميلياغروس، القصائد من جمع وتعليق جيريي كلاك – قصائد ميلياغروس ترجمة بيتر ويغهام ومقدمة بيتر جاي – خمسون قصيدة لميلياغروس ترجمة والتر هيدلام – سلام ميلياغروس، دراسة من قبل idaliani di fiolologia Terza Serie 1988، وأيضاً إييبيغرامات ميلياغروس من ترجمة ويليام روجرباتونز).

هنا، نحن لسنا بصدد وهم شوفيني بل أمام حقائق تاريخية لم نطلع عليها للأسف بسبب جهلنا باللغات القديمة الأم التي كتبت بها هذه الأشعار، ولأننا اضطررنا دائماً إلى استيراد تراثنا مترجماً عن لغات أخرى نظراً للبعثات الأجنبية المختصة بهذه البحوث التي تولت الكشف عن الآثار في منطقتنا حيث قرأنا تاريخنا بالانكليزية والفرنسية وليس باللغة الأصلية، مع الإشارة إلى أهمية ما فعله الخبراء القليلون لدينا أمثال طه باقر الذي ترجم ملحمة جلجامش عن النص الأصلي وكانت ترجمة مختلفة ورائعة نظراً لترجمتها عن اللغة الأم ولأن المترجم ابن البيئة نفسها التي حدثت فيها الأسطورة، وأيضاً الدكتور نائل حنون الذي ترجم هذه الملحمة أيضاً من لغتها الأم إلى جانب شريعة حمورابي في سلسلة أجزاء.

تعاني الثقافة السورية القديمة اليوم من أكثر من حصار، وذلك بسبب الجهل أو التغييب أو عن سابق إصرار وتصميم من قبل أصحاب الأيديولوجيات الذين يحاولون أن يصوروا عمر سوريا على أنه لا يمتد سوى 1400 سنة من اليوم مع تسويق فكرة أن تلك الثقافة الماضوية بلغتها وأفكارها وأسلوب فهمها للحياة هي مرحلة وثنية منطوية ومناقضة لهوية الأمة اليوم وبالتالي لابد من التخلي عنها وتركها طيّ النسيان، وقد رأينا ملامح كثيرة لهذا الأمر في محاربة ظهور المنحوتات السورية القديمة في شوارع دمشق وأهمها عشتار بذريعة الاحتشام والإباحية فيها، كما تعرضت احتفالات عيد “الأكيتو” أو رأس السنة السورية إلى هجوم ومحاولة إلغاء، لأنها سابقة لظهور الأديان، ويندرج ضمن ذلك استبدال أسماء القرى الآرامية بأسماء عربية في بعض المناطق، كأن هذه الأجيال تحاول تدمير الذائقة السورية القديمة والقطع معها بشكل طوعي متعاونة من حيث تدري أو لا تدري مع المشاريع الخارجية التي تحاول سلخ هذا الانتماء وإضفاء الهوية الدينية عليه!

 


زيد قطريب: الفينيق