وقفة عند مصطلح الشريعة ومقاربات أهل الرأي

24-01-2022

وقفة عند مصطلح الشريعة ومقاربات أهل الرأي

د . نزار العاني:


نشر الصديق وضاح صائب على موقع "قضايا" مقالة جيدة  عنوانها "تطبيق الشريعة" لمحمد مختار الشنقيطي، ووعدت بالعودة إليها بتعليق متواضع ، ولا أقول ذلك لدفع الحرج عمّا سأقول ، أو لرفع العتب إن أخطأت ، ولكنني بكل الصدق ، لأنني لا أشعر بالأهليّة لنقاش مثل هذه القضية الشائكة والمعقدة ، والتي كانت وما تزال موضع جدل منذ قرون !! 

"الشريعةُ" مصطلحٌ له رهبة ! فالقارئ العربي المسلم ، وغير المسلم ، يشعر فوراً عند ذكر هذا المصطلح أنّه في حَضْرة "الله" ، وكل نقاشٍ يتناوله يقترب كثيرا من تخوم المقدس ! ..ولذا ، حتى في أدبيات اليسار ، ونصوص العلمانيين ، نجد تناول هذا المصطلح يخضع لاعتبارات مفهوم " الْتقيّة " والخوف من التكفير ، بما في ذلك شعوري الحالي الذي ينتابني وأنا أمضي لطرح وجهة نظري !

مقالة الشنقيطي تبحث في انقسام مجتمعي مُزمِن في النظرة إلى علاقة الشريعة بالحرية سلباً أو إيجاباً ، وضرورة البحث عن مخرج من هذه الإشكالية الطاعنة في السِن ، ولا يبدو لي ، أن في الأفق التاريخي ، مايطمئن الأجيال القادمة بخلاصٍ محتمل ! وما مقالتي هذه سوى إضاءة سريعة لجوانب هذه الإشكالية ، ولا أطمح لأكثر من ذلك ، طالما أن مئات الكتب التي ناقشت هذه المسألة على مدى قرنين من الزمان لم ( تُحضر الذيب من ذيله !! ) . والغريب أن الشنقيطي يطالب أيضاً بالوصول إلى فهم مشترك لمصطلح " تطبيق الشريعة " بعد أن نقل (الربيع العربي!) الجدل حول "تطبيق الشريعة" إلى جدل حول تعريف مصطلح " الشريعة " نفسه . أي أننا بعد  1435 سنة لم نتفاهم بعد على كيفية تطبيق الشريعة ولا ندري حتى كيف نعرّفها !!!!

محاولة لتعريف الشريعة :

القواميس والمعاجم التي بين يَدَيْ ، تشرح مصطلح " الشريعة" بما يلي : ما شَرَعَ اللهُ لعباده من العقائد والأحكام المُلْزِمة .

والشريعة : مورد الماء . (جمعها) شرائع .   و(نهر الشريعة): الأردن . وكل المعاجم لا تخرج عن هذه الدلالة . 

ويربط المستشرق الأشهر في القرن العشرين برنارد لويس بين السبيل ، أو الطريق إلى مورد ماء ، والشريعة ، ويشرح قائلاً : ( لئن كان السير على هدى سبيل الله أمراً طيباً ، فإن الإنحراف عنه أمرٌ مشين ، علاوة على وجودِ عددٍ مختلف من العبارات التي تتعرض لوصف ذوي المعتقدات الخاطئة ومروجي الآثام والمتمردين ونعتهم جميعا بأنهم "ضلّوا سواء
 السبيل" ) . (1)

مصطلح "الشريعة" عند مستشرق كبير آخر هو مكسيم رودنسون يمتد على مساحة أوسع ،  وينبثق المصطلح عنده من ( المدوّنة المقدسة الأولى ، وهي النص المرجعي المؤسِّس أي القرآن الكريم . وبجانبها أدبيات واسعة يطلق عليها عموماً اسم الشريعة الإسلاميّة . وكل أنواع السلوك الممكنة  أو حتى القابلة للتصور ــ في السلوك الخاص والطَقسي كما في المجال الذي نعتبره تشريعياً ــ ولها تقدير يصنفها بين : إلزاميّة ، أو مرغوبة أو حياديّة أو غير مستحسنة أو محرّمة ) . (2)

أما روجيه غارودي ، الشيوعي الماركسي الذي انحاز قبل إسلامه ، وبعد إسلامه ، إلى نظرية التفسير المادي للتاريخ ، والذي يكتب عن المسيح أنه أنْسَنَ الله ، فهو لايرى بالشريعة سوى أنها شريعة محمد (ص) ، وبهذا فهو يشخصنها تماماً . (3)

وأستعرض تجليات الفهم للشريعة كما رآها المفكر والداعية الإسلامي أبو الأعلى المودودي الذي يعتبره البعض الزعيم الروحي للصحوة الإسلامية المعاصرة ، فهي عنده الفيصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر ، وهي  متطابقة  كما جاء في القرآن مع " سُنَّة الله التي قد خَلَت مِن قبلُ ولن تجد لسُنّة الله تبديلا" ، وأن شريعة الله وسنّته بالنسبة للمؤمن بمثابة " القانون الإلهي" ، وهذا القانون هو مصدر القوة والسطوة . (4)

وأعلن شيخ الأزهرمحمود شلتوت رحمه الله أن للإسلام شعبتين هما العقيدة والشريعة ، وبهما معا تتجسد حقيقة الإسلام ويتحقق معناه ، وانتهى إلى هذا الرأي : 

 الإسلام يحتم تعانق الشريعة والعقيدة بحيث لا تنفرد إحداهما عن الأخرى، على أن تكون العقيدة أصلاً يدفع إلى الشريعة ....وعليه فمن آمن بالعقيدة وألغى الشريعة أو أخذ بالشريعة وأهدر العقيدة ، لا يكون مسلماً عند الله ) . (5) 

آراء ومقاربات معاصرة :

محمد أركون :

يجمع أركون  كل تراثنا الإسلامي تحت مسمّى " التراث" ويسمح لنفسه بمقاربة نقدية لكل النصوص ، معتمدا في ذلك على إنجازات ومناهج البحث الغربية الحديثة كاللسانيات والعلوم النفسية والإجتماعية والإنثربولوجيا . 

وينحو أركون منحَى مدرسةِ تأليهِ العقلِ، ويذهب بعيداً صَوْبَ علمنة الإسلام عبر فصله عن الحياة الإجتماعية ، واعتبار النصوص مدخلاً لتشكيل العقل المسلم بعيداً عن الأيديولوجيا . 
النصوص عنده لها علاقة وثيقة بتاريخ البشر .

العلايلي : يربط  الشيخ عبد الله العلايلي بين اللغة القومية والفكر القومي، قائلاً: ( أنا أفكر بفكر عربي. فإذن أنا موجود عربي ) . 

ولأن العرب هم حَمَلة الرسالة والشريعة ، فعليهم أن يقرنوا بين حركية المجتمع ودينامياته ، وإلباس الشريعة ثوبها العملاني المناسب ، وعلى حد قوله : ثمة شريعة عملية تظل مواكبة للشريعة العقدية، إن جاز التعبير، وهذه الشريعة العملية ، من الليان بحيث تغدو طوع البنان، إزاء الظرف الموجب، مهما بدا متعسّرًا أو متعذّرًا. ولذا ، فهو يطالب بمشاركة الأفراد والمؤسسات والدول الإسلامية كي تعمل على إنهاض الشريعة كي تلعب دورها كعنصر خلاص لهذه الأمّة ، وليس على أساس كونها ديناً فحسب ، بل على اعتبار أنها منهج حياة وسلوك .

الصادق النيهوم :

يرى النيهوم أن مهمة بعث الروح في الشريعة مهمة عسيرة إن لم يشارك الجميع دون استثناء لجمع اثنين باعد بينهما التاريخ والواقع ، ويقصد طبعاً : جوهر الدين الصحيح ، أي الشريعة ، والواقع الحي . فالاسلام الذي ورثناه عن أسلافنا , ليس هو الاسلام الذي بشّر به القرآن , بل نسخة ناقصة عنه ومشوهة إلى ما لا نهاية .. هناك من سرق الجمعة والجامع ، وعلينا أن نستعيدهما من يد السارق .

 المعرفة ، والفلسفة ، والتنوير ، والتقانة ، وأساليب التعليم ، والمواجهة ، والجامعة ، والأخذ بمنجزات الإنسانية الحديثة ، كلها وسائل وأدوات قادرة على بعث الرواء في نفوس المسلمين التي قتلها القحط والجفاف . 

الْخَلَف شيئ عزيز مثلما هو الأمر مع السَلَف ، والمستقبل غالٍ أيضاً ويستحق التقدير كما الماضي .

محمد عابد الجابري:
رؤية الجابري للشريعة  وتطبيقها تنطلق وتصب في إناء المصلحة، فما جاءت به المصلحة هو المعتبر، وما رفضته هو غير معتبر، والمصلحة في رؤية الجابري ليست هي المصلحة بحسب الموازين الشرعية المعروفة عند الفقهاء، بل المصلحة يمكن أن  تتجاوز حتى النص القطعي، وحين نعرف أن كل الاتجاهات العلمانية تبحث عن المصلحة، وهي إنما ترفض تطبيق الشريعة بدعوى مخالفتها للمصلحة المعاصرة ؛ فإن نظرة الجابري في النهاية هي النظرة العلمانية ذاتها، وهي سترفض تطبيق الشريعة لكنها هذه المرة بدعوى تطبيق الشريعة ! فالجابري أراد هدم مفهوم (تطبيق الشريعة) من خلال البحث عن أصول شرعية يستطيع بها إبدال هذا المفهوم بمفهوم آخر لا ينازع المفاهيم الحداثية المعاصرة. 

محمد عمارة : يرى عمارة أن  تحكيم الشريعة الإسلامية , كان  وما  يزال , هو الإعلان الإسلامي عن الإيمان بعبودية الإنسان لله وحده , دون شريك , وعن أن هذا الإنسان هو عبد لله وحده , وسيد لكل شئ بعده , وأنه خليفة لله في استعمار هذه الأرض , ينهض بأمانات الاستخلاف وفق الشريعة الإلهية , التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف 

عزيز عظمة : يرى العظمة في كثير من كتبه وبحوثه أن إعادة قراءة النصوص وإعادة قراءة التاريخ مسألة بالغة الاهمية لتخليص تراثنا من العوالق التي جردته من أصالته . وحول الشريعة في هذا التراث ، يرصد جهودا مبكرة لإقامة مصالحة محتملة بين العقل والنقل بلغة القُدامى ،بين الضمير الديني ومسؤولية العلم والمعرفة .

ويحرض العظمة على ارتياد المساحات المسكوت عنها وإلقاء الأضواء الساطعة عليها واستخراج الوسائل الكفيلة بجعل الشريعة مَعْلماً معرفيا يُسهم في الإرتقاء الحضاري والمدني . 

وفي دراساته الموسومة بالشمولية يسعى لإقامة مصالحات  كبرى بين النقائض .

في كل ماكتبت ونقلت ولخصت هنا ، لم أذكر ماقاله الملاحدة والمؤلهين حول الشريعة ، ومعظم هؤلاء يطعنون في الجانب الأسطوري أو خوارق الأديان ، وهناك فلاسفة كأرنولد توينبي الذي يرى أن كل الشرائع ( جمع شريعة ) استنفدت أغراضها . 

وتاريخ العقل مع مصطلح الشريعة قديمٌ قِدَمَ تاريخ الإنسان نفسه . فقد عُثر على  شريعتين سومريتين أقدم من شريعة حمورابي ، إحداهما ترجع إلى عهد الملك أورنمو (2114 ـ 2096 ق م ) والثانية ترجع إلى عهد ليبت عشار ( 1934ـ 1924 ق م ) وعثر أيضاً على شريعتين ساميتين أقدم من شريعة حمورابي ، إحداها المعروفة بشريعة مملكة أشنونا (1900 ق م )  ، والغريب أن بعض مواد شريعة التوراة تقابل مواد مشابهة في تلك الشرائع القديمة . (6)

نعم ، نحن مُطالبون بتوسيع مداركنا ومعارفنا حول الذين يحتكرون الشريعة ويتحدثون باسم الله (تع) ، خصوصا مع صعود نجم الإسلام السياسي ورجالاته ، والذين يطلق عليهم رفعت السعيد تسمية أصبحت دارجة ، وهي ( المتأسلمون ) . هناك تطرف وتكفير وإرهاب وعنف تحت عناوين دينية ، وهناك خلط شديد بين الدين والسياسة ، وهناك حروب دينية على وشك الإندلاع كما عَنْوَن غارودي أحد كتبه ، وهناك فكر ظلامي واضح ، وباعتقادي الشخصي ، أن كل هذا الذبح والذبح المضاد الذي يحدث اليوم ومهما كانت الشعارات ، إنما تكمن دوافعه في سببين اثنين لا ثالث لهما : السلطة والمال . مايحدث ، هو تحويل الـ ( شريعة ) إلى ( عريشة ) أو ( شَعيرة ) !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) برنارد لويس ، لغة الإسلام السياسي ، ص 38 .
(2)  مكسيم رودنسون ،الإسلام سياسة وعقيدة ، ص 202 .
(3)  روجيه غارودي ، نحو حرب دينية : جدل العصر ، ص29 .
(4)  أبو الأعلى المودودي ، نحن والحضارة الغربية ، ص238 .
(5)  فتحي رضوان ، الإسلام ومشكلات الفكر ، ص18 .
(6)  أحمد سوسة ، العرب واليهود في التاريخ ،ص 496 .وقفة عند مصطلح الشريعة ومقاربات أهل الرأي

 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...