آخر المواضيع المتعلقة
أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

بنت جبيل الخط الأول للدفاع : سقطت ، لم تسقط

بعد 4500 غارة جوية إسرائيلية ومع دخول الحرب اسبوعها الثالث، وصلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس إلى تل أبيب امس، ليس للبحث في وقف النار وإنما للتفكير في اليوم التالي. وفهم المعلقون الإسرائيليون أن زيارة رايس جاءت لتمنح إسرائيل مهلة لا تقل عن أسبوع لتركيز إنجازات عسكرية على الأرض تتيح تمرير تسوية سياسية.
وفي هذه الأثناء، سعت إسرائيل لتحقيق نصر معنوي تحتاجه على الأرض بالسيطرة على عاصمة حزب الله بحسب تعبير قادتها في بنت جبيل لتقديم مظهر نصر مقنع للجمهور الإسرائيلي. واستمرت الصواريخ بالانهمار على المستوطنات الإسرائيلية من حيفا إلى طبرية، مما قاد رئاسة أركان الجيش للإقرار بأن هدف المعركة ليس وقف الكاتيوشا.
وسعى القادة الإسرائيليون إلى التأكيد بأن معركة بنت جبيل هي المعركة البرية الأهم وأن الجيش الإسرائيلي يسعى لتدمير الخط الدفاعي الأول لحزب الله تمهيدا للتركيز على الخط الدفاعي الثاني وأن الجيش بحاجة إلى صور أسرى وقتلى كأوراق دعاية وكأوراق مساومة.
ودارت معارك ضارية، بعضها على طريقة الكر والفر والبعض الآخر تقليدي، في محيط مارون الراس وفي المنطقة الواقعة بينها وبين بنت جبيل. واعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل أربعة من ضباطه وجنوده، بينهم طياران، وإصابة 14 بينهم قائد كتيبة برتبة مقدم. وشدد الجيش على أنه، بخلاف التقارير التي تحدثت عن اقتحام بنت جبيل، فإن المعارك دارت في أطرافها.
وأشار معلقون إسرائيليون إلى أن حكومة ايهود أولمرت تسعى لإظهار إنجازات أمام الإسرائيليين. وقال هؤلاء أن احتلال مارون الراس وبعض المواقع الحدودية لا يقدم تعويضا لحوالي مليون ونصف مليون من الإسرائيليين الذين عاشوا في الملاجئ أو هجروا بيوتهم. ولذلك شدد أولمرت في لقاءاته مع القادة العسكريين على أنه بحاجة إلى انتصارات معنوية وإلى تأكيدات ب الصورة . ورأى هؤلاء أن محاولة توسيع العملية البرية من خط المواقع الأمامية إلى بنت جبيل على مسافة 23 كيلومتر من الحدود، يرمي لتحقيق هذه الغاية.
ويجري حاليا التهويل من بنت جبيل وترسيخها في الذهن الإسرائيلي ك عاصمة حزب الله الرئيسية. بل أن رئيس الأركان الجنرال دان حلوتس، عزز هذا الانطباع من خلال حديثه عن خطاب النصر الذي ألقاه السيد نصر الله في البلدة بعد تحريرها عام .2000
وأطلق الجيش الإسرائيلي على عملية حصار بنت جبيل اسم الشبكة الفولاذية، حيث أن الهدف الأساس لها هو قتل وأسر أكبر عدد ممكن من رجال حزب الله لإظهار صورهم على الشاشات وفي الصفحات الأولى. ويعترف ضباط إسرائيليون بأن استخدام هذه التسمية ينطوي ضمنا على رد ضمني على توصيف حزب الله لإسرائيل بأنها شبكة أو بيت العنكبوت. ومن الجائز أن أفضل تعبير عن هذه الرغبة ما أعلنته القيادة الإسرائيلية من اعتقال اثنين من المدنيين اللبنانيين يعتقد أنهما من حزب الله.
وأثارت العملية الجارية في محيط بنت جبيل أيضا سجالا داخل الحكومة الإسرائيلية التي شعر بعض وزرائها بأن هناك محاولات للتوريط. وتساءل بعضهم، وفق التلفزيون الإسرائيلي، عن سبب وجود آلاف الجنود، من المظليين ولواء غولاني والمدرعات وسلاح الهندسة، داخل الأراضي اللبنانية، إذا كانت المهمة السيطرة على خط المواقع الأمامية. وجاءهم الرد بأنه لا يتواجد في الأراضي اللبنانية إلا بضع مئات من الجنود وليس آلالاف.
ومع ذلك فإن معلقين عسكريين يعتبرون أن المواقع الحدودية التي احتلها الجيش الإسرائيلي على الحدود هي في الواقع رأس جسر لعملية أوسع. ولكن هؤلاء يؤكدون أن أي عملية برية أوسع من الخط الأمامي تحتاج إلى مصادقة الحكومة الإسرائيلية. وهذا ما لم يتم بعد. ومع ذلك فإن الجيش الإسرائيلي يحشد قواته على أساس أنه إذا كانت إسرائيل تتطلع لوقف إطلاق الصواريخ على حيفا على الأقل، فإن عليها القبول بوصول الجيش إلى مدينة صور. ويركز هؤلاء على أن تقليص خطر الكاتيوشا يعني إبعاد حزب الله إلى ما وراء الليطاني.
وبرغم الروح القتالية والكفاءة الميدانية التي يبديها مقاتلو حزب الله، فإن الجيش الإسرائيلي على اقتناع أن بوسعه التغلب عليهم في نهاية المطاف. ويرى الجيش أن لديه تفوقا على حزب الله في العديد من الميادين وخصوصا السيطرة النارية والرصد الحربي والغطاء الجوي. ومع ذلك فإن الخشية الكبرى لدى الجيش تتمثل في لجوء حزب الله إلى الاختفاء وانتهاج تكتيكات حرب العصابات والظهور من جديد في مواضع غير متوقعة. ويتحدثون على وجه الخصوص عن الخشية من تفوق مقاتلي حزب الله في ميدان معرفة طوبوغرافية المنطقة وسبل الاختفاء فيها.
وشدد حلوتس، في لقائه مع جنود إسرائيليين، على أن بنت جبيل هي رمز حزب الله. لقد ألقى نصر الله خطبته هناك. وبوسعي الافتراض أنه في خطابه المقبل، إذا كان أصلا سيصل إلى هناك، سيفكر مليا وكثيرا في الكلمات التي سيقولها.
وركز حلوتس في حديثه مع الجنود على أن العملية البرية لن تكون واسعة وأنها لا تشبه لا حرب لبنان ولا نصف تلك الحرب. وقال إن عملياتنا محدودة في الأهداف والمهام وهذا ليس بالأمر البسيط، ولكن الأمر يتعلق بجوهر القدرة العملياتية للجيش الإسرائيلي. فالعملية البرية لم تعد من أجل تغيير واقع لكنها تدعم المجهودات الأخرى التي نقوم بها من الجو، من البحر وعلى الصعيد الاستخباراتي. والهدف هو ضرب المخربين واعتقال ما أمكن. نحن لا نريد قتلهم وإنما نريدهم أن يتوقفوا عن الإرهاب. وكل من يقول كفى ويخرج رافعا يديه، سوف نتحمل المسؤولية عن حياته ونعامله أفضل معاملة.
وقال حلوتس أن بوسع الجيش أن يعمل وقتا طويلا في لبنان، قدر ما يتطلب الوضع وأن هناك خططا للعمل لشهور طويلة. واعتبر أنه على المستوى الاستراتيجي تحققت انجازات كافية قريبة جدا لما حددناه لأنفسنا. ونحن سنواصل العمل إلى أن نتلقى الأمر من الحكومة بالتوقف.
واعتبر حلوتس أن الكاتيوشا ليست المعيار وأنه لا يمكن لإسرائيل أن تلاحق آخر صاروخ عند حزب الله، مشددا على أن لدى حزب الله مخزونا كبيرا من الصواريخ، خصوصا قصيرة المدى، وبعضها للمدى الطويل. ولم يستبعد قيام حزب الله بإطلاق صواريخ نحو تل أبيب ومحيطها.
وفي مقابلة مع لجنة طوارئ اقتصادية، قال وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس أن دولة إسرائيل تعيش اليوم واحدة من ساعات اختبارها الأهم بسبب تعاظم الأحداث التي نتواجد في داخلها. ومواطنو إسرائيل يصمدون بشكل بطولي ويفهمون أهمية اجتياز هذا الاختبار. كما أن جنودنا في الجبهة يخوضون المعارك بتضحية من أجل دولة إسرائيل من منطلق الإيمان بأن هذه حرب دفاعية. الصواريخ تسقط وتلحق الأذى بعائلات وأطفال. وأنا أرى اليوم النقطة هذه كساعة الاختبار الأهم.
وقال أن إسرائيل تعمل من أجل أن تظهر للعالم أنها تحارب الإرهاب ولكنها في الوقت نفسه لن تسمح لأي جهة بجرنا لا إلى المستنقع الغزي ولا إلى المستنقع اللبناني مشددا على أنه يود التذكير بأنه ليست لدينا أية نية لا إلى احتلال غزة ولا إلى احتلال لبنان. وطالب بيرتس الجمهور الإسرائيلي بالتراص خلف الحكومة والجيش والتأكيد للعالم بوحدة المجتمع.
أشار معلقون إلى أن هناك أسئلة متبادلة لدى كل من الأميركيين والإسرائيليين سيتم طرحها أثناء زيارة رايس. وبين الأسئلة الأميركية الأهم: أين تقف إسرائيل الآن وما هو الوقت الذي تحتاجه لتحقيق إنجازات؟ وما هي الأهداف العسكرية الملموسة التي يمكن تحقيقها خلال مهلة محددة. وفي المقابل، فإن إسرائيل تنظر بغضب إلى التقارير الأميركية التي تتحدث عن التفكير بالتقارب مع السوريين أو محاولة منحهم أي دور في العملية السياسية في لبنان. وترى مصادر إسرائيلية أنه إذا صح ما تنشره صحف أميركية عن اتصالات غير مباشرة لإبعاد سوريا عن محور إيران حزب الله، فإن ذلك يشكل تغييرا جوهريا في الموقف الأميركي. وترى هذه المصادر أن ما تنشره الصحف الأميركية مشكوك فيه ومع ذلك فإنها تتساءل عنه مع رايس.
وبرغم ذلك، يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أنه قد يغدو صعبا بعد الآن إطالة مدة السماح الأميركية بسبب الضغوط الأوروبية والعربية لأسباب إنسانية والضغوط الداخلية الأميركية لأسباب حزبية.
وقالت رايس أن للأسرة الدولية خريطة طريق للتقدم ولم تنس أن تقول أن هذا وقت صعب للشعبين الإسرائيلي واللبناني. وقالت أن الشعب الإسرائيلي يتعرض لخطر يومي. وشددت رايس على وجوب تأسيس السلام على الاستقرار والمبادئ بعيدة المدى التي تشمل وقف العنف وحل المشكلات الإنسانية. واعتبرت أن مفتاح الحل هو قرار 1559 وبيان الدول الصناعية. وأن الشرق الأوسط الديمقراطي والهادئ ممكن فقط إذا تم إحلال السلام. وتابعت كل سلام يجب ان يستند الى مبادئ راسخة وليس على حلول مؤقتة.
وبدا أن رايس ركزت في حديثها مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني على الجوانب الإنسانية في الحرب التي تديرها إسرائيل ضد لبنان. وأبدت بالمناسبة تعاطفها مع سكان شمال إسرائيل.
وشددت ليفني، من جانبها، على محاولة إسرائيل التخفيف من الآثار الإنسانية للحرب وقالت أن العالم كله يعرف أن إسرائيل كانت هدفا للعدوان. وشددت على أنه ليس لإسرائيل صراع مع مواطني لبنان. وكررت ليفني في لقائها مع رايس شروط إسرائيل للإفراج عن الأسرى وتفكيك حزب الله ونشر الجيش اللبناني على الحدود. وفي ختام اللقاء، أصدر مكتب ليفني بيانا أوضح فيه أن الوزيرتين اتفقتا على أن وقف النار ليس هدفا بذاته وأن هدف الاتصالات هو البحث عن حل لليوم التالي في إطار القرار .1559 وشرعت بعد اللقاء الطواقم الإسرائيلية والأميركية بالتحضير للقاء رايس مع أولمرت اليوم.
وأثناء لقاء رايس ليفني في القدس المحتلة، تظاهر يساريون إسرائيليون وعرب أمام الفندق احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على لبنان والرعاية الأميركية له. وكان عنوان التظاهرة لن نموت ولن نقتل من أجل أميركا.
وفي ظل الحديث عن أفكار أميركية لإشراك سوريا في حل الأزمة اللبنانية، قال أولمرت أن سوريا ليست شريكا في العملية السياسية مضيفا بوسع السوريين التمتع بالمستقبل لو أنهم لم يكونوا يسيطرون على اليد التي تمسك بالزناد في الجبهتين اللبنانية وفي غزة. ولأسفي فإن رأسهم وتفكيرهم يعملان بشكل مختلف.
وقال اولمرت أن :لا حدود ولا قيود على الحرب ضد الإرهاب. سوف نستمر في توجيه ضربات شديدة للعدو مضيفا سوف نعيد الأبناء (أي الجنديين الاسيرين) إلى الوطن حتى لو استغرق ذلك وقتا أكثر مما اعتقدنا ولن ننساهم ولن نتجاهلهم. وتابع إن: الرد الإسرائيلي ناجم من حجم التهديد الذي وضعه حزب الله ضد إسرائيل وليس من اختطاف الجنديين.
من جهته، حمل نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية شمعون بيريز على وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تصنع علاقات عامة للسيد حسن نصر الله. وقال أن :الناس يحبون المشهورين، إن كانوا ألفيس بريسلي أو أي شيء آخر. ونحن نصنع علاقات عامة لنصر الله بشكل لا يفعله أحد آخر في العالم. قلنا عنه أنه كاريزمي وزعيم. ولكنه بالإجمال مجرد ثعلب غير صغير وقاتل.
القوات الدولية
خلال أربعة أيام، انقلب موقف اولمرت من القوة الدولية التي يمكن أن تنتشر على الحدود بين لبنان وإسرائيل لإبعاد قوات حزب الله. وبعدما قامت جهات في الخارجية الإسرائيلية بتسريب نقاشات حول النية لتشكيل قوة كهذه، سارع ديوان رئاسة الحكومة بإصدار بيان استنكار للفكرة. وتحدث عدد من المعلقين الإسرائيليين عن خلافات داخل الحكومة بين كل من ليفني وبيرتس من جهة ورئيس الحكومة من جهة أخرى حول هذه المسألة. غير أن أولمرت فاجأ الجميع بعد يومين من ذلك بإعلانه أثناء اجتماعه مع وزير الخارجية الألماني الاستعداد لدراسة هذا الاقتراح.
وبرغم الاشتراطات التي وضعها أولمرت على الاقتراح كأن تكون القوة ناجعة ومقاتلة وأن تخدم أساسا لمنع تهريب الأسلحة على الحدود اللبنانية مع سوريا، فإن الكثيرين يقولون أن الموافقة تكتيكية وترمي إلى كسب الوقت. ومنذ تلك اللحظة والحديث عن القوة الدولية صار الهواية الوطنية في إسرائيل. فكل الاتصالات السياسية تحاول التركيز على هذه المسألة. وشرعت إسرائيل بطرح أفكار من بينها الرغبة في نشر قوة عربية غير شيعية على الحدود مع سوريا لمراقبة المنافذ الحدودية. وثمة أحاديث إسرائيلية عن الرغبة في أن تكون القوة ذات تفويض محدود وأن تتشكل أساسا من الجنود الألمان.

حلمي موسى

المصدر: السفير