الحسكة: عجز المائي سنوي يزيد عن ملياري متر مكعب

09-12-2007

الحسكة: عجز المائي سنوي يزيد عن ملياري متر مكعب

بلا مقدمات نسأل مباشرة: هل ثمة مايبرر القلق من الوضع الراهن للحوض المائي بالحسكة..؟

ونعتقد أننا لسنا بحاجة إلى التذكير أو التأكيد هنا على أهمية مصادر المياه والمخزون المائي بالحسكة لأن مقولة السلة الغذائية اتسمت بها العاصمة الزراعية لسورية تكفي وحدها.‏

فهنا القمح..وهنا القطن والمركز الرئيسي للمحاصيل الاستراتيجية. وعندما تهطل الأمطار في دمشق أو حلب أو طرطوس يتمنى المواطن السوري أن تكون الأمطار نفسها في منطقة الجزيرة..ولطالما اتصل معنا أصدقاء وزملاء يرددون مثل هذا الكلام.‏

اليوم تغيرت ملامح الخارطة الزراعية وثمة معاناة من عدم استقرار المصادر المائىة بل أكثر من ذلك ثمة قلق من جفاف مرعب للحوض المائي والمطالبة بحلول عاجلة ليس للحد من خروج مساحات واسعة من الخطة الزراعية فقط وإنما الأمر يتصل بمياه الشرب أيضاً. والأمر ليس خارج دائرة الاهتمام وليس منسياً لكنه بحاجة أن يكون في محور الدائرة وعلى رأس قائمة الأولويات. ونحن إذ نشير هنا إلى أن هناك جهوداً ومتابعات في هذا المجال نريد أن نقدم بالتوازي مع هذه الجهود ولاسيما التصورات التي وضعتها لجنة الحوض المائي بالمحافظة من خلال اجتماعاتها بعض الوقائع والمعلومات حول واقع الحال والمشكلات الناتجة عن هذا الواقع وصولاً إلى الحلول والإجراءات الملحة والتي لابد منها. فكيف كان الوضع المائي في الحسكة. وكيف أصبح؟‏

بالعودة إلى واقع الموارد المائية في محافظة الحسكة فإنها تقسم إلى قسمين رئيسيين: موارد مائية تقليدية وتشمل (مياه الأمطار, والمياه السطحية, والمياه الجوفية) وموارد مائية غير تقليدية وتشمل مياه الصرف الصحي ومياه الصرف الزراعي.‏

وتتميز منطقة الجزيرة (محافظة الحسكة) والتي يقع ضمنها القسم الأعظم من حوض الخابور وكامل حوض دجلة (ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية) بوجود مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة تعتمد معظمها على الهطول المطري في الري, الأمر الذي أدى في بعض السنوات القليلة الهطول والشحيحة إلى تدني كمية ونوعية المحاصيل بشكل كبير انعكس سلباً على الحالة الاقتصادية والاجتماعية للسكان وكان ذلك دافعاً إلى التوجه نحو استخراج المياه الجوفية لري الأراضي حيث تم حفر عدد كبير من الآبار استثمرت كميات كبيرة من المياه أدت في السنوات القليلة الماضية إلى حدوث انخفاض في مناسيب المياه الجوفية ومن ثم انعدام تصريف الينابيع الكبيرة والهامة مثل ينابيع رأس العين المغذي الأساسي لنهر الخابور.‏

وبالعودة أيضاً إلى مشروع ري الخابور الذي صمم لإرواء 150 ألف هكتار بتكثيف عال 200% فقد كان يبلغ التصريف الوسطي لنهر الخابور 50 م3/ثا عبر مجموعة الينابيع الواقعة في منطقة رأس العين.‏

ومن خلال قراءة تصريف مجموع الينابيع في مركز رأس العين تبين أن الانخفاض بدأ في بداية الثمانينات حتى أخذ هذا الانخفاض يتزايد بوتائر سريعة ومنذ بداية التسعينيات حتى وصل التصريف السنوي الوسطي لعام 1998 / 1999 إلى 9.82 م3/ثا وإلى 5.93 م3/ثا عام 1999 / 2000 واستمر الانخفاض في التصاريف حتى انعدم الجريان الحر من الينابيع كلياً وتوقفت عن الجريان بتاريخ 13/4/2001 .‏

مع الإشارة هنا إلى أن مناسيب المياه الجوفية في المحافظة تعاني من هبوط بشكل مستمر على مدى عشرين عاماً بسبب آلاف الآبار المحفورة في المنطقة والمرخصة والتي تستنزف المياه بشكل كبير وخاصة في منطقة رأس العين منطقة الينابيع.‏

وتتم حالياً مراقبة مناسيب مياه الآبار / العامة والخاصة / في المنطقة وهناك عدة شركات تعمل في رأس العين منها الشركة الأرمينية لدراسة ظاهرة الكارست (الانخفاسات) في وسط المدينة وتأثير انخفاض المياه على المنطقة.‏

إلا أن الأمر الذي أصبح يشد الانتباه أكثر من أي أمر آخر هو العجز المائي الكبير في المحافظة التي تستثمر وتستنزف كميات كبيرة من المياه (الجوفية والسطحية) لتأمين سقاية مايقارب من (45% من القمح و 35% من القطن) السوري وهذه المساحات الشاسعة والتي تزيد عن 500000 ألف هكتار/ تحتاج إلى مايقل عن خمسة مليارات متر مكعب سنويا من المياه وتروى بطرق الري السطحية التقليدية التي تهدر كميات كبيرة من المياه في حين أن المتاح أو المتجدد المائي لايزيد عن ثلاثة مليارات وعليه هناك عجز سنوي تقريبي يزيد عن ملياري متر مكعب.‏

ولعل السؤال هنا: كيف يتم سد النقص الحاصل بالمياه في المحافظة؟‏

وحقيقة الأمر أن تأمين الكميات الضرورية والتي لابد منها لاستمرار الحياة الزراعية والاجتماعية يتم عبر عدة محاور رئيسية:‏

المحور الأول: ضخ المياه من الحوامل المائىة في نطاق رأس العين وقد جاء ذلك بعد أن خلص تقرير الشركة العامة للدراسات المائىة بحمص عام 2000 إلى إمكانية ضخ المياه بشكل قسري من الينابيع والآبار في رأس العين لحين تأمين مصدر استراتيجي دائم للمحافظة من الحوامل المائية.‏

وتم تنفيذ هذا المحور من قبل مديرية الموارد المائىة بالحسكة لحل مشكلة جفاف نهر الخابور وتأمين مياه الشرب لمدينة الحسكة وللقرى الواقعة على سرير الخابور حيث يتم ضخ المياه من الآبار الحكومية التي حفرت في عام 2000 في منطقة ينابيع رأس العين والجرجب والتي يبلغ عددها /116/ بئراً موزعة على النحو الآتي:‏

- /86/ بئراً ضمن نطاق رأس العين تدعم قناة الجر الرئيسية لتأمين مياه الشرب لمدينة الحسكة وتل تمر والمناجير والقرى المجاورة وبغزارة إجمالية 3.2 م3/ثا.‏

- 30 بئراً ضمن نطاق الجرجب تدعم نهر الخابور بغزارة إجمالية 3 م3/ثا.‏

وترتبط هذه الغزارات بمناسيب المياه الجوفية وانخفاضها المستمر وتذبذبها بين الصيف والشتاء والانقطاعات الكهربائية والأعطال الميكانيكية.‏

وإذا كان ذلك يتم بشكل فعلي في ظروف عمل صعبة يلازمها القلق المستمر والخوف من الوصول إلى الخط الأحمر الذي يهدد المصادر المتاحة بما فيها تلك التي يتم استجرار المياه منها قسرياً إلا أن المحورين اللذين يشكلان الأمل والحل الدائم هما: إمداد المحافظة بالمياه من نهر الفرات. وإمداد المحافظة بالمياه من نهر دجلة (من خلال مشروع ري دجلة وربطه مع الخابور) ولذلك هناك دراسة في وزارة الري للهيئة العامة للموارد المائية ومديرية الموارد المائىة بالحسكة والشركة العامة للدراسات المائىة بحمص خاصة بتحديث محطة الضخ على نهر دجلة لتتوافق مع الاتفاقية السورية العراقية وذلك للإقلاع بالمشروع بالسرعة الكلية واستجرار /1.250/ مليار متر مكعب من المياه.‏

وثمة محور آخر يساند هذه الإجراءات الملحة وهو تطبيق تقنيات الري الحديث على مجمل الأراضي الزراعية في المحافظة لتخفيف العجز المائي الحاصل في المياه وخاصة الجوفية وبالتالي يكون الري الحديث بكل طرقه وأنواعه سنداً أساسياً لاستدامة الموارد المائية للأجيال القادمة حيث يتوقع توفير ما لايقل عن /1 مليار متر مكعب سنوياً من المياه الجوفية بتطبيق هذه الطرق/.‏

الأمر هنا يثير التساؤل حول الخطة الزراعية وهل يتطابق الورق مع واقع الحال؟‏

ويتطلب بالتحديد التذكير ببعض الأرقام للوقوف على حجم المشكلة وبالتالي الإجابة على سؤال من هذا النوع..‏

فقد بلغ عدد الآبار المرخصة في المحافظة /24522/ بئراً تروي مساحة قدرها /394159/ هكتار اً ويتجاوز عدد الآبار غير المرخصة /8161/ بئراً تروي مايزيد عن /57025/ هتكار من الأراضي. ومعظم هذه المساحات تروى بالري التقليدي.‏

أما المساحات المروية من الأنهار والينابيع فهناك (31933) هكتاراً تروى من (نهر الخابور) بما فيها مشروع ري المناجير / الجغجغ - الجرجب - نبع الهول - ينابيع المالكية - نهر دجلة - بحيرة الخاتونية / إضافة إلى المساحات المروية من شبكات الري الحكومية والتي تضم الحقول المنفذة من مشروع ري الخابور والشبكات على مياه السدود السطحية وشبكة الري الشتوي التكميلي على نهر الجغجغ وقناة تل مغاص.‏

وبالتالي فإن عدم توفر المياه لمشاريع الري الحكومية بسبب جفاف نهر الخابور ونقص الهطولات المطرية وعدم وجود مخازين كافية في سدي الحسكة أدى إلى إخراج مايقارب من خمسين ألف هكتار من الاستثمار منذ عام 2000 ولتاريخه. وهناك أيضاً /225/ بئراً مراقبة لمناسيب المياه الجوفية منها /25/ بئراً لمديرية الموارد المائىة والبقية هي آبار للفلاحين يتم قياسها بشكل دوري شهري وربعي ومركب عليها أجهزة متطورة إلكترونية لمراقبة مناسيب المياه على مدار الساعة.‏

وعندما نعلم أن الموازنة المائىة لمديرية الموارد المائية بالحسكة للعام 2005 - 2006 تظهر عجزاً مائياً يزيد عن ملياري متر مكعب لمساحة مروية تزيد عن (500000 هكتار) فإن السؤال المطروح مباشرة لابد أن يبحث عن طرق الري المتبعة في محافظة الحسكة؟ وعلاقتها بذلك؟‏

إن طريقة الري المتبعة في الري السطحي التقليدي بشكل عام لمعظم الأراضي المروية وهي تستنزف كميات كبيرة من المياه وهي السبب الرئيسي لزيادة العجز المائي في الحوض وإن نسبة الري الحديث هي بحدود 11% من إجمالي الأراضي المروية.‏

ووفقاً لمصادر مديرية البيئة فإن معظم مصادر المياه تتعرض بشكل مباشر أو غير مباشر للتلوث بالصرف الصحي, ولاسيما نهر الجغجغ في مدينتي القامشلي والحسكة, ونهر الخابور, وبالنتيجة بحيرة الشهيد باسل الأسد (البحيرة الجنوبية) والمياه الجوفية أسفل المستنقعات والوديان الملوثة بمياه الصرف الصحي وأيضاً تتلوث نتيجة آثار الصناعة النفطية كالتلوث الحاصل لمياه عين طابان التي تغذي بحيرة الحسكة الجنوبية.‏

والسؤال الأخير الذي لابد منه هو الحل إزاء القلق من الوضع المائي الراهن في محافظة الحسكة وبالتالي الخوف على ماتحتويه السلة الغذائىة لسورية؟!‏

لجنة الحوض المائي بالمحافظة رأت في اجتماعها الذي عقدته مؤخراً أنه لابد من الإسراع بإنجاز مشروع ري دجلة خاصة وأن مياه هذا النهر لاتزال تشكل المصدر المائي الوحيد الذي لم تستفد منه سورية حتى الآن إضافة إلى ضرورة تعديل قانون استصلاح الأراضي رقم /3/ وذلك للسماح بإقامة المشاريع السياحية والصناعات الزراعية وتربية الحيوانات ما يساعد في تحسين الوضع الاقتصادي للمنطقة.‏

والعمل على تنفيذ مشروع متكامل لإدارة مصادر المياه وتفعيل المراكز البحثية المختصة بالشأن المائي وذلك بتأسيس قاعدة بيانات وإدخال نظام المعلومات الجغرافي GIS إلى الحوض وإعادة تقييم الموازنات المائية وإكمال الدراسات الهيدرولوجية على مستوى الأحواض الفرعية ودراسة حصاد المياه في المحافظة. وحل مشكلة الآبار المخالفة (غير المرخصة) بتطبيق جمعيات مستخدمي المياه. وتشجيع استخدام طرق الري الحديثة الملائمة فنياً واقتصادياً لظروف كل منطقة وإعادة تأهيل وتطوير مشاريع الري القديمة بما يتواقف مع طرق الري الحديثة. ودراسة ومعالجة تلوث المياه الجوفية والسطحية بالتعاون مع الإدارة المحلية في المحافظة وإمكانية الاستفادة من المياه غير التقليدية بتنفيذ محطات المعالجة بالسرعة الكلية.‏

يونس خلف

المصدر: الثورة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...