هل يكفي حرف الدال لكي يكون حامله مديراً ناجحاً ؟

15-07-2006

هل يكفي حرف الدال لكي يكون حامله مديراً ناجحاً ؟

زواج أقرب إلى ذلك الذي يتم بناء على الصورة.... الطريقة التقليدية السائدة في بعض المناطق... بينما باقي الصفات تؤخذ على ذمة "الخطابة" !!.

فالعلاقة بين الأستاذ الجامعي والمنصب الحكومي طويلة وقديمة ، تحمل من الشجون والأحزان أكثر مما قدمته من أخبار سارة ، وهي رغم قدمها إلا أنها في الوقت الحاضر تمتاز بسمة أعتبرها مقلقة و أقصد الاتساع ... وهذه لها مبرراتها وغاياتها . ‏

المبررات التي خلقتها الإدارات التسلطية لمؤسساتنا سابقا تتنوع لتشمل غياب المؤهلات الداخلية لكوادر المؤسسة ، و الخسائر المستمرة لشركات يفترض بحكم النشاط الاقتصادي أنها رابحة لذلك كانت الرغبة هنا مزدوجة ... الاستعانة بكفاءات علمية و إدارية عالية التأهيل هذا من جانب ،ومن جانب آخر تقديم رؤى جديدة لتجاوز مشاكل الخسارة والفساد .. ‏

و بدا واضحا خلال السنوات الأخيرة التوجه نحو إحداث تغيرات نوعية إدارات الجهات العامة لدرجة جعلت إدارات الجامعات تتخوف من نقص كبير في الكادر التدريسي وفي الخبرات والمؤهلات ، إنما السؤال الذي طرح ويطرح دوما ... ماذا فعل هؤلاء في المؤسسات العامة ؟ هل فعلا حققوا قفزات نوعية في عمل هذه الجهات ؟ أم أنهم فشلوا في ما ندبوا إليها ؟!... وما أود الإشارة إليه أن كثيراً من الأفكار جاءت من حوارات رغب أصحابها بعدم نشر الأسماء. ‏

بين بين !! ‏

بطبيعة الأمور ليس هناك قاعدة تعمم ، إنما هناك نسب يستند عليها في تقييم هذا الجانب أو ذاك وبالتالي فالإشارة إلى نجاح تجربة لا يعني أن الجميع بذات التصنيف وفشلها لا يبرر اتهام الجميع بالفشل ... وهكذا هو وضع زواج أساتذة الجامعات والمناصب الحكومية ... ‏

فمن خلال متابعة أوضاع بعض المؤسسات العامة قبل إسناد إدارتها لأستاذ جامعي وبعد نلاحظ وجود انقلاب كامل في طرق إدارة المؤسسة وهيكلتها و أنشطتها الاستثمارية أو الخدمية ، لا بل أن الأرقام تتحدث عن نفسها لتقول حجم التطور الذي حدث ، ونحن هنا لن نسمي مؤسسات بعينها كي يبقى نقاشنا عاما لا يستهدف أحدا بل يتناول ظاهرة تستحوذ على نقاشات الكثيرين . ‏

على الملقب الآخر كان عقد الزواج سريع الذوبان في مشاكل الأزواج ، فالأستاذ الجامعي جاء ليطبق علوما نظرية على واقع قد يكون مؤهلا لها أو لا يكون إنما هي صعبة التطبيق والمؤسسة ترى أن من يقودها لا يلم بأبسط مبادىء عملها و أنظمتها الإدارية .. وهذا ما باعد بين الطرفين فخسر كل منهما الآخر ، و بالتالي تأثر العمل وتراجع عما سبق فكان الطلاق هو أفضل " الحلال " و الأقل ضررا ، إذ إنه في بعض الحالات كانت العلاقة تتطور إلى مرحلة الوصول إلى القضاء والرقابة والتفتيش ..!!. ‏

مدير المصرف الصناعي الدكتور أنيس معراوي يعطي انطباعا غير ايجابي حول هذه الظاهرة فيقول " هناك حالات جيدة ، لكن للأسف في القسم الأكبر التجربة لم تكن دوما ناجحة " معتبرا أن " ابتعاد الجامعة عن المجتمع " أفرز انقساما في الرؤى والأفكار والمعلومات ، لا بل أن " أساتذة الجامعة لا يتلقون طيلة مسيرتهم التعليمية سوى معلومات نظرية غير مطبقة في واقعنا " منذ أن كانوا طلابا وحتى تخرجهم بشهادة الدكتوراه.. ‏

و الدكتور معراوي لا يرى مانعا من الاستعانة بأساتذة الجامعات كما يحدث في دول العالم الأخرى لكن بشرط إعادة النظر بالعلاقة غير القائمة بين الجامعة والمجتمع وتحديدا المؤسسات و آلية تحركها الاقتصادي والاجتماعي ، وهذه الإعادة التي يطالب بها المعراوي تتطلب برنامجا زمنيا وإداريا يطبق بدقة وانتظام يبدأ بصيغ مختلفة للعمل المشترك بين الجامعات والجهات العامة والخاصة مرورا بتعديل المناهج لتناسب واقعنا وتسايره لا بالتخلف إنما بمتطلبات التطوير والتغيير التدريجي المنظم . ‏

الأسباب والعوامل !! ‏

تتعدى أسباب الفشل و تتنوع كذلك مقومات النجاح في هذه الظاهرة ، فالفشل غالبا ما يكون حصيلة عوامل كثيرة أهمها : ‏

ـ الأخطاء الإدارية الناجمة عن قرارات الإدارة التي غالبا ما تكون معتمدة على نصائح و أطراف في المؤسسة ، والتي يرى فيها العمال أنها غير موضوعية واعتمدت على رغبة البعض في تحقيق مصالح ما ، وهو ما يؤدي إلى عدم تعاون من قبل العاملين للإدارة الجديدة . ‏

ـ السبب الثاني للفشل ينبع من مؤهلات وقدرات المدير الجديد ، وللأسف نقول إن بعض أساتذة الجامعة لا يتمتعون بقدرات ومعارف إدارية تؤهلهم لقيادة المؤسسة بحنكة وذكاء وبنتائج ايجابية ، وهو ما يتكشف من خلال معالجتهم للأخطاء والمشاكل التي غالبا ما تولد المزيد من الأخطاء والمشاكل وعلى مبدأ " جاء ليكحلها فعماها "... ‏

ـ السبب الثالث ويعود إلى القوانين والأنظمة الإدارية المعمول فيها بالمؤسسة ، التي تحول المدير في حال عدم تعديلها وتطويرها إلى مجرد موقع بريد وموجه للمعاملات . ‏

ـ السبب الرابع و تتحمل مسؤوليته المرجعية الإدارية التي تعارض إجراء بعض التعديلات أو التغيرات انطلاقا من رغبتها في عدم إظهار الإدارة الجديدة بمظهر المبدع أو النشيطة ، لذلك نرى أن الكثير من الأفكار التطويرية تبقى حبيسة الأدراج و ملفات الحفظ لدى الإدارات الأعلى . ‏

و لهذا نجحت ‏

أما النجاح فهو يعتمد أساسا على عاملين : ‏

ـ القدرة والمؤهلات الشخصية للأستاذ الجامعي من حيث الخبرة والعمق المعرفي والإداري و الرغبة بالعمل ، ومن حيث أيضا قوة شخصيته وقدرته على الإقناع والتأثير . ‏

ـ السبب الثاني ويتمثل في الرغبة الحكومية الواضحة المباشرة في إحداث تحول نوعي في عمل مؤسسات معنية بحكم ترهلها وحاجتها للتطوير ، و مثل هذا التوجه يعطي المدير " الجامعي " دفعة قوية إذا ما أحسن استغلالها . ‏

باللجوء إلى الأرقام والإحصائيات يتضح وجود اتساع كبير للظاهرة ، فكلية الاقتصاد في جامعة دمشق تكاد على حد قول أحدهم تفرغ من أساتذتها ، فهناك من عين مديرا عاما وهناك من عين معاون وزير و الفئة الأخرى تسلمت مناصب وزارية ، ويمكن القول تقديريا إن أكثر من 21 أستاذاً يتولون اليوم مناصب حكومية عدا عن الفئة التي تسلمت سابقا وعادت اليوم إلى التدريس وهي الأمنية التي يراها الدكتور عدنان سليمان مدير المناطق الحرة الأفضل وما يحن له كثيرا ، مضيفا في لقاء سابق أن الدراسة الأكاديمية ، والتي هي خلاصة تجارب و أبحاث عديدة ، مهمة في إحداث نقلة نوعية في عمل مؤسساتنا ، معتبرا أن الحديث عن وجود فارق بين العمل الحكومي و التدريس الجامعي غير دقيق دوما ... ‏

وما ينطبق على كلية الاقتصاد في جامعة دمشق ينطبق على باقي الكليات في مختلف الجامعات السورية ، والتي رفدت المؤسسات العامة الاقتصادية والثقافية والخدمية بالكثير من الكوادر والكفاءات .... لتبقى الجامعات السورية أمام مشكلتين النزيف الخارجي الذي يستقطب خيرة الأساتذة الجامعيين السوريين وقدر سابقا العدد بنحو 800 أستاذ جامعي والمشكلة هي استقطاب المناصب الحكومية للقسم الأخر. ‏

عوامل الجذب ‏

لكن ... ما الذي يجذب أساتذة الجامعة نحو المناصب الحكومية ؟ ‏

ليس هناك عوامل غريبة أو جديدة في جاذبية المناصب الحكومية ، فهذه العوامل لا تخرج عن تأمين سيارة وتعويضات مالية و مهمات خارجية ... الخ ، فضلا عن الرغبة لدى الجميع باستحواذ صلاحية إصدار القرار بغية تطبيق الأفكار والمبادىء التي يراها بعيدة عن التطبيق حتى الآن . ‏

ناصر :القدرة القيادية والرؤية المستقبلية هي الأهم ‏

الدكتور أكرم ناصرمدير بحوث في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا قال تعقيبا على هذ الموضوع : ‏

إن سؤالكم هو سؤال نوعي يمكن طرحه في دول العالم الثالث ، حيث تغيب الرؤية المتكاملة للأمور . ‏

إن التسمية لمنصب قيادي أو إداري كبير يتطلب عادةً أن يتوفر في المرشح وحسب التسلسل : القدرة القيادية، والرؤية المستقبلية الموضوعية ، والخبرة الإدارية ، والاختصاص المناسب . يمكن التساهل في موضوع الاختصاص إذا توفرت العناصر الثلاثة الأخرى حيث يتم تعويض الاختصاص بالمستشارين ، ويمكن غض النظر عن الاختصاص ، والخبرة الإدارية الطويلة إذا برزتا بشكلٍ واضح القدرة القيادية ، ووضوح الرؤية المستقبلية حيث يمكن الاستعانة بالمستشارين وفريق العمل المتماسك . إلاّ أنه لا يمكن أبداً تعويض القدرة القيادية ، وغياب الرؤية المستقبلية الواضحة للمؤسسة . ‏

إن سؤالكم حول ندب أساتذة الجامعة للمناصب الإدارية القيادية ، يعني ضمناً قلب المعادلة أو خلط عناصرها : الاختصاص ، الخبرة الإدارية ، الرؤية المستقبلية ، القدرة القيادية . فغياب القدرة القيادية أو ضعفها يؤدي إلى كارثة في المؤسسة ، وغياب الرؤية المستقبلية يؤدي إلى ضياع المؤسسة ، ولا يمكن تعويضهما بالمستشارين وفريق العمل . ‏

إن حكومات التكنوقراط ، هي حكومات الحد الأدنى وتسيير الأعمال في دول العالم الثالث، ولم أسمع عن حكومة تكنوقراط أنقذت أو طوّرت بلدها . ‏

إن تجربة سورية في ندب أو تعيين أساتذة الجامعة في مناصب قيادية أو إدارية عالية لم تكن موفقة تماماً ، إلاّ في حالات قليلة حيث برزت القدرة القيادية ، والرؤية المستقبلية الواضحة بالإضافة إلى التفوق بالاختصاص لدى المسؤول الناجح أما في الحالة العامة فقد عانت تلك المؤسسات من الركود بشكلٍ عام والضياع أحياناً ، وفي حالات محددة كانت كارثية وأثرت بشكلٍ واضح على الاقتصاد الوطني . ‏

فالندب أو التسمية في وظيفة عليا ، وبغض النظر عن كون المرشح أستاذاً جامعياً أم لا يجب أن تتوفر في المسمى وبالدرجة الأولى القدرة القيادية والرؤية المستقبلية الواضحة ومدعمّة بالخبرة الإدارية والاختصاص المناسب . ‏

زياد غصن

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...