«أسامة» الصومالي

09-06-2006

«أسامة» الصومالي

 قبل ثلاث عشرة سنة خرج جنود «المارينز» من مقديشو بما يشبه الإذلال, وأخلوا الساحة لـ«أمراء الحرب» الذين قادوا مرحلة فوضى تواصلت من دون انقطاع برعاية اميركية غير مباشرة.
اليوم جاء دور «المحاكم الشرعية», التي تستعد للقبض على السلطة على الطريقة الطالبانية.
هل انه الخروج الاميركي الثاني؟
من المبالغة قراءة ما يجري في الصومال وكأنه هزيمة استراتيجية اميركية, في حجم هزيمة فيتنام او مأزق العراق, إلا ان وصول قوات «المحاكم الشرعية» الى الحكم انتكاسة حقيقية في الخطة الرامية الى محاربة الارهاب في القرن الافريقي, والجيش الاميركي الذي ينشر حوالى 800 عنصر في جيبوتي سيكون على الأرجح مضطراً لمضاعفة هذا العدد في فترة قريبة.
وفي انتظار سيطرة «قوات المحاكم» على جوهر, في شمال الصومال, بعدما تمركزت في العاصمة, يحاول خبراء «البنتاغون» مد الجسور مع الطالبانيين الجدد تحت شعار «ضمان استقرار الصومال ومكافحة الارهاب». ومدّ الجسور يعني تحويل المساعدات الاميركية السرية التي كانت تخصص لـ«امراء الحرب» الى الحكام الجدد, وهي في حدود 150 الف دولار شهرياً. والمبلغ قابل للزيادة إذا اقتنع «أسامة بن لادن» االصومالي «شيخ أحمد» رئيس اتحاد المحاكم بأن التمويل الاميركي يخدم مشروع إقامة الدولة الاسلامية, وفي حال امتناعه عن التعاون فان الصومال مرشح للدخول في دوّامة عنف جديدة لثلاث عشرة سنة اضافية على الأقل.
وعودة القرن الافريقي الى واجهة الاهتمام الدولي, يعيد الى الذاكرة الخطة الاميركية التي اقرت في مدينة شتوتغارت €23 و24 آذار€مارس 2004€, في اجتماع سري عقد في مركز قيادة الجيش الاميركي في اوروبا, بمشاركة رؤساء اركان الجيوش في ثماني دول عربية وافريقية, من اجل التفاهم على إعادة نشر القوات الاميركية بين المغرب وافريقيا السوداء وبين المناطق النفطية في الشمال الافريقي وخليج غينيا.
إعادة الانتشار اقتصرت على ثماني دول هي تشاد, مالي, موريتانيا, المغرب, النيجر, الجزائر, جيبوتي وتونس, وقد توجت بعملية عسكرية تولتها اربع من دول الساحل €مالي, تشاد, النيجر والجزائر€ ضد «الجماعة السلفية للدعوى والجهاد» بمساندة عسكرية اميركية مباشرة.
العملية التي كرست التنسيق الاميركي ­ الجزائري,على المستوى الامني, كانت الاولى من نوعها في افريقيا. بعدها بدأ الجيش الاميركي ينشر إمكانات عسكرية ضخمة, لدعم السلطات المحلية, في إطار برنامج المساعدة العسكرية لدول الساحل استناداً الى نظرية استراتيجية تقول انه اذا اشتدت الضغوط على الاسلاميين في افغانستان وباكستان والعراق فانهم سوف يبحثون عن مناطق لجوء بديلة في المغرب والساحل الافريقي.
و«مبادرة الساحل» التي اقرت في اجتماع شتوتغارت اعتبرت في حينه محاولة اميركية في الزمن البوشي لتعويض الفشل الذي تعرضت له خطة بيل كلينتون في مطلع التسعينيات, وهو فشل ظهرت تداعياته في عمليتي نيروبي ودار السلام €1998€ اللتين استهدفتا مبنيي السفارة الاميركية.
اليوم ترصد الولايات المتحدة باهتمام بالغ طبيعة ما يجري في الصومال, في الوقت الذي تتهيأ ­ من خلال الأمم المتحدة ­ لارسال قوات دولية الى دارفور, من اجل إحكام الطوق على منطقة القرن الافريقي, وسدّ كل المنافذ الممكنة لتسرّب «القاعدة» الى دول الجوار. وسياسة التدخل الاميركي المباشر في القارة السوداء تدوس بالطبع على مناطق النفوذ الفرنسي وتهيئ لحضور سياسي واقتصادي اميركي على حساب المستعمرين السابقين.
والغرض الأول من القبض على المثلث السوداني ­ الجيبوتي ­ الصومالي, هو الحيلولة دون وصول أسامة بن لادن ورفاقه الى منطقة يمر عبرها ربع انتاج العالم من النفط.
والمعركة لم تنته فصولاً بعد.


فؤاد حبيقة
المصدر : الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...