تركيا في الموصل وجرابلس: مفهوم جديد ومغامر للأمن القومي!

15-10-2016

تركيا في الموصل وجرابلس: مفهوم جديد ومغامر للأمن القومي!

قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الثلاثاء الماضي آخر نسخةٍ من صورته العثمانية. الكلام المتدني المستوى الذي خاطب به رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يَعكسُ حجمَ المغامرة الجديدة التي يخوضها هذه المرة في العراق، لتحصيل ما يُمكن من مكاسب بعد معركة الموصل التي ستكون محطةً هامّة، وربما حاسمة، لرسم المشهد العراقي المقبل، وما يُمكن أن تكون عليه الخريطة العراقية الجديدة جغرافياً وسياسياً وديموغرافياً.
يذهب أردوغان إلى معركة الموصل محاطاً هذه المرة بشبه إجماع داخلي، فالمعركة أصبحت وطنية وقومية. والمعارضةُ العاجزة من «حزب الشعب الجمهوري» إلى حزب «الحركة القومية» اجتمعت على نزعة قومية تركية تستبيح السيادة العراقية، وتتعامل مع العراق وخصوصاً في شماله، على أنه أرض تركية اغتصبت في عام 1926 وحان الوقت لاستعادتها.
يذهب أردوغان إلى معركة الموصل وسط تأييد مفاجئ من كمال كيليتشدار أوغلو، الذي قال إن من حق تركيا أن تحمي أمنها القومي، وإن الحلّ لمعسكر بعشيقة هو أن تمنح الحكومة العراقية إذناً له بالبقاء والمشاركة في معركة الموصل. أما دولت باهتشلي، زعيم حزب «الحركة القومية»، الحزب الأصغر في البرلمان بـ 40 نائباً، فها هو يستهزئ بدوره بالحكومة العراقية، وباعتبارها قوات معسكر بعشيقة قوات احتلال. بل ها هو يقدم للرئيس التركي فرصةَ العمر لكي ينتقل بالبلاد إلى نظام رئاسي، مع تصريحه بأنه سيحضر جلسة لتعديل الدستور لحسم أمر تغيير النظام، مع تلميح إلى إمكانية تأييد نوابه أو بعضهم للتعديل، بطريقةٍ تتيح تحويله إلى استفتاء شعبي، وسط حيرة المراقبين في الأسباب التي تدفع بالحزب الأصغر في البرلمان لفعل ذلك.
للمرة الأولى، تُجمع الطبقة السياسية التركية موالاةً ومعارضة على الوقوف صفاً واحداً لاستعادة الموصل إلى حدود الميثاق المللي الذي وضع عام 1926، وهو ما قد يجرُّ إلى اندفاعات غير محسوبة في الداخل السوري أيضاً.
مع كل يوم يمرُّ، تتكشف جوانب من النوايا التركية، سواء في العراق أو في سوريا. الغضب التركي من العراق ناتجٌ عن تخوف من أن تنتهي معركة الموصل إلى غير ما تشتهيه الحكومة التركية. فالإدارة الأميركية كررت أكثر من مرة أن القوات التركية في العراق ليست شرعية لأنها لم تأخذ إذناً من الحكومة العراقية.
وسائل الإعلام التركية تذهب إلى أن واشنطن لا تريد لتركيا أن تشارك في معركة الموصل لأنها تريد أن تعطي دوراً مهماً للمقاتلين الكرد من «حزب العمال الكردستاني» في المعركة، وهم الذين شاركوا في معركة الدفاع عن إربيل وتحرير جزء من جبل سنجار من يد «داعش». علماً أن مسؤولاً رفيعاً في وزارة الخارجية الأميركية قال في تصريح لصحيفة «حرييت» التركية إن مقاتلي «الكردستاني» لن يشاركوا في معركة الموصل، وإن قوات البيشمركة كما «الحشد الشعبي» سيشاركون في الحصار، ولن يدخلوا المدينة، بل سيدخل المدينة الجيش الوطني العراقي وقوات أمن محلية، بحيث ستتشكل وحدات من 15 ألف مسلح من عرب المدينة السُنّة يتولون أمن المدينة بعد التحرير.
وتذهب هذه الوسائل إلى أن تركيا تُصرُّ على المشاركة في المعركة، لأنها مصممة على ألا يكون للكُرد حضورٌ في المنطقة ولا في جبال سنجار، ولمنعهم من تشكيل ممر بين العراق وسوريا يتيح قناة دعم لوجستي لكرد سوريا، منتقدةً بشدة دعوة هيلاري كلينتون، خلال المناظرة التلفزيونية مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب، إلى تسليح الكرد.
كذلك يتخوف أردوغان من أن تقع الموصل على المدى الطويل بيد الكرد الذين يُلمحون إلى أنها تاريخياً كانت لهم.
وهنا السبب لتكرار أردوغان لازمة أنّ الموصل هي للعرب السُنّة، وهو لا يريد تغيير ديموغرافيتها، لا للكرد ولا للشيعة، فيضرب عصفورين بحجر واحد. وهو كلامٌ مماثل لحديثه عن مدينة منبج السورية عن أنه يجب أن تعود لسكانها العرب بهدف منع الوجود الكردي في سوريا من التمدد في أمكنة تتيح له وصل «الكوريدور» الكردي بين عين العرب (كوباني) وعفرين من طريق منبج.
في جميع الأحوال، فإن تركيا تبذل كل جهدها من أجل ألا تخرج من «مولد الموصل بلا حمّص». وما يزيد من ضغط المشاركة في معركة الموصل هو أن مدينة حلب على ما يبدو أفلتت من أي تأثير تركي عليها بعد تضييق الخناق على مسلحي الأحياء الشرقية وخسارة تركيا لـ «عينها» السورية.
مع ذلك، تبقى المشاركة التركية في معركة الموصل، رغم الصراخ التركي، مسألةً غير محسومة في ظل دعوة واشنطن إلى التفاهم بين بغداد وأنقرة، وفي ظل تكرار واشنطن أن تركيا ليست جزءاً من التحالف الدولي في العراق بل تحذيرها من تحرك منفرد ـ كما تهدد أنقرة ـ لقواتها في بعشيقة ومسلحي أثيل النجيفي المقدرين بثلاثة آلاف عنصر باتجاه الموصل، علماً أن أردوغان نفسه كان حدد يوم 19 تشرين الأول الحالي، أي الأربعاء المقبل، موعداً لبدء معركة الموصل!
ما يعكس خطورة الغطرسة التركية بل توجسها أيضاً من تعقيدات المعركة ومعادلاتها الميدانية والسياسية، أنّ بعض وسائل إعلام حزب «العدالة والتنمية»، ولا سيما صحيفة «يني شفق»، تتحدث عن تغيير جذري في مفهوم الأمن القومي التركي في اتجاه أن تركيا بعد الآن لن تكتفي بمواجهة الإرهاب والتهديدات داخل أراضيها، بل ستضربه في مصادره ومنابعه في الخارج أينما كان. وتعطي هذه الوسائل عملية جرابلس مثالاً على هذا التغيير واحتمال التقدم لاحتلال تل أبيض، وكذلك المشاركة المحتملة في عملية الموصل والعمل على «تنظيف» شمال العراق ومنطقة سنجار من «حزب العمال الكردستاني». وفي هذا الإطار، يقع إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر وافتتاح قاعدة عسكرية تركية في مقديشو في الصومال قبل فترة قصيرة.
وهذا في حقيقة الأمر يطرح مسألة في غاية الخطورة تتعلق بسوريا. فالقوات التركية دخلت الأراضي السورية وطبقت هذا المفهوم الجديد. لكن في ظل استمرار التهديدات، أو التذرع بتهديدات، فما الذي يمنع من أن تبقى هذه القوات لفترة طويلة وربما دائمة؟ وما الذي يمنع توسيع نطاق سيطرتها (الأصح احتلالها) على المزيد من الأراضي السورية؟
 ما يدفع لمثل هذا الكلام هو كلام رئيس الوزراء بن علي يلديريم الذي عكس مثل هذه النوايا عندما قال الثلاثاء الماضي في اجتماع كتلة نواب «العدالة والتنمية» إننا «نتحدث دائماً عن منطقة غربي الفرات، لكن إذا استمرت النشاطات الإرهابية (للكرد) في شرق الفرات أيضاً، فإننا سنقوم بما يلزم».
يقف اليوم الجميع أمام خيارات حاسمة في الموصل، لأن المعركة سترسم مشهداً جديداً للعراق، للقوى المحلية كما للقوى الإقليمية والدولية. والمسألة لا تتعلق بـ «داعش» نفسه الذي سيجد رعاته، ومنهم تركيا، وسيلةً لإخراجه من مأزقه المقبل في العراق، لتوظيفه في مكان آخر يرجح أن يكون سوريا. ذلك أن الكلام على «مخارج» تهريب عناصر وقادة داعش من الموصل وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي، ليس مستبعداً، خصوصاً بعد «سابقة» تهريب جزء من عناصر «داعش» من جرابلس واستبدال آخرين ثيابهم وانضمامهم إلى المسلحين التابعين للقوات التركية هناك. فالمسألة لدى تركيا وغير تركيا ليست إضعاف «داعش» أو إنهاءه، بل كيفية رسم التوازنات الجديدة في العراق والمنطقة في ظل صراع القوى الإقليمية، ومن ذلك الموقف السعودي ـ التركي المشترك المعارض لمشاركة «الحشد الشعبي» في معركة الموصل.
إن احتمال نقل ثقل «داعش» إلى الداخل السوري قد يشير إلى احتمال دخول الحرب في سوريا مرحلة جديدة قد تكون أكثر دموية ولا سيما في مناطقها الشرقية، وهذا سيضع تركيا أمام خيارات جديدة تنتظرها لتحسين موقعها المستجد بعد دخولها إلى جرابلس والشمال السوري، الذي سيشهد اختباراً حساساً للغاية في مدينتي الباب ومنبج.

محمد نور الدين

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...