طبخة القرار 1701 تنهي حرباً لتفتح أخرى

13-08-2006

طبخة القرار 1701 تنهي حرباً لتفتح أخرى

الجمل: وافق مجلس الأمن بإجماع أعضائه الـ(15) على مشروع القرار الفرنسي- الأمريكي من أجل وقف العمليات العسكرية في لبنان. وقد صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1701)، بعد مرور فترة شهر، على القتال الذي خلف الكثير من الخراب والدمار والقتلى والنازحين.
القراءة الأولية لبنود القرار (1701) تشير إلى الآتي:
• خلفيات القرار: برغم وضوح اختصاصات مجلس الأمن الدولي، وبنود ولايته المحددة ضمن ميثاق الأم المتحدة، ونظامه الأساسي، وبالذات ما ورد في الفصل السابع من الميثاق، استغرقت عملية صدور القرار فترة تجاوزت الشهر، وذلك بسبب الـ(تحيز) الواضح لصالح إسرائيل:
- أمريكا: ترتبط بتحالف استراتيجي واضح مع إسرائيل، إضافة إلى أن عملية العدوان الإسرائيلي ضد لبنان، قد تمت وفقاً لـ(شراكة إسرائيلية- أمريكية) تم التخطيط لها قبل عدة سنوات، لذلك، لا يمكن القول: إن أمريكا كانت عضواً نزيهاً يتعامل مع الأمور بمسؤولية ومصداقية، فقد عملت أمريكا منذ البداية على عرقلة الوصول لاتفاق حول إطلاق النار، سواء بإفشال مؤتمر روما، أو التباطؤ في التحركات الدولية، أو دعم إسرائيل على النحو الذي جعل إسرائيل تتشدد في مواصلة القتال مادامت أمريكا تقوم بدعمها وتغطية خسائرها.
- فرنسا: خلال فترة الثلاثة سنوات الماضية، حدث تحول محوري في توجهات السياسة الخارجية الفرنسية، فبعد أن كانت فرنسا ذات موقف متميز يتعامل بنوع من المسؤولية إزاء قضايا النظام الدولي، أصبحت فرنسا بعد عملية غزو أمريكا للعراق، ليست متحيزة لأمريكا وحسب، بل وتمثل الـ(يد الأمريكية الخفية الماهرة).. وقد برز ذلك بوضوح في إدارة الأزمة اللبنانية بعد قيام الموساد بسلسلة الاغتيالات التي بدأت بالحريري، وهلم جرا.. حيث تغيرت صورة فرنسا في المشهد الدولي، فآخر المواقف المشرفة لفرنسا كان مطلع 2003، عندما كان مندوب أمريكا يقترح في مجلس الأمن وفرنسا تعارض.. أما اليوم فقر تغير المشهد، بحيث أصبحت فرنسا تقترح، وأمريكا تماطل قليلاً ثم تؤيد، وذلك ضمن سيناريو أصبح كل العالم يعرفه: إسرائيل تقوم بتحديد ما هو مطلوب، تقدمه لأمريكا، والتي بدورها تحوله لفرنسا التي تقوم بصياغته، ثم تقدمه لمجلس الأمن تحت اسم (مشروع القرار الفرنسي).
بدأ هذا السيناريو بقرارات مجلس الأمن الدولي حول دارفور، وحول لبنان (1559)، وتأكد هذا السيناريو بقوة في القرار 1701 الحالي، وهكذا فقدت فرنسا الـ(قوة الكبرى) سيادتها، حتى على القلم الذي تكتب به سياستها الخارجية، لصالح إسرائيل وأمريكا.
- روسيا: تبنت بوضوح النقاط السبعة التي حددتها حكومة السنيورة اللبنانية، وطالبت بالهدنة، ولكن ذلك لن يعفيها من مسؤوليتها كـ(قوة كبرى عالمية)، خاصة وأن كل الحسابات تقول: إن الخاسر الأول في الحرب الحالية هو لبنان، والخاسر الأخير هو روسيا، وذلك على أساس أن هذه الحرب قد تم التخطيط لها ضمن سلسلة حروب قذرة تبدأ بالحرب ضد حماس، ثم لبنان.. ثم.. إيران، وهكذا تكون إسرائيل وأمريكا قد وضعتا أيديهما على كامل المخزون النفطي العالمي والممرات الاستراتيجية الدولية، بعد ذلك سوف يكون على الرئيس الروسي بوتين، أداء فروض الطاعة والولاء أمام أولمرت في (أورشليم)..
الموقف الروسي برغم عدم دعمه لإسرائيل، إلا أنه موقف يتميز بقدر من التراجع في مواجهة العدوان الإسرائيلي المباشر ضد لبنان و(غير المباشر حالياً) ضد روسيا.. كيف تفكر القيادة الروسية؟ ما هي الاستراتيجية الروسية إزاء إدارة الصراع الدولي؟ بعد العدوان الإسرائيلي الحالي، أصبح كل شيء واضحاً.
- الصين: برغم وضوح صراع الشرق الأوسط أمام القيادة الصينية وبرغم عدم تأييد هذه القيادة لإسرائيل في أي مرحة من مراحل الصراع، إلا أن الاهتمام الصيني يركز على استخدام دبلوماسية التصريحات، وأحياناً الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، من أجل تحقيق هدفين، الأول يتعلق بإدارة التوازنات في منطقة الباسفيك وشرق آسيا، والثاني يتعلق بملف المبادلات التجارية الصينية- الأمريكية.
وبرغم ذلك ماتزال الاستراتيجية الصينية تهدف إلى تجنب المواجهة الدبلوماسية مع إسرائيل، وذلك حفاظاً على استمرار توازنات الامر الواقع في الملفات الصينية- الأمريكية.
الصينيون يعرفون أن تأمين موارد الطاقة النفطية يمثل نقطة الضعف الرئيسة في الاستراتيجية الصينية، ويعرفون أن سيطرة أمريكا على منابع النفط معناها بوضوح القضاء على المشروع النهضوي الصيني، ولكن برغم ذلك، على ما يبدو أن الصينيين يركزون على جعل أمريكا تتورط أكثر فأكثر في النزاعات الإقليمية، بما يؤدي لاستنزاف قدراتها، وبرغم صحة ذلك إلا أنها صحة تعتبر سارية من جانب واحد لأن أمريكا بالفعل تخسر من جراء السيطرة على منطقة معينة، ولكنها تجعل الصين خاسرة أيضاً، لأنها تحرمها من الانتفاع بمزايا هذه المنطقة، فقد خسرت أمريكا الكثير من السيطرة على العراق.. ولكن الثابت أن أمريكا برغم ذلك حققت فائدتين الأولى: وضعت يدها على موارد العراق النفطية ومنطقة الخليج. والثانية: حرمت الصين من مزايا تمديد استثماراتها النفطية في هذه المنطقة.
ولكل ذلك، نقول إن الأوان قد حان لكن تدرك القيادة الصينة أن الصمت وإصدار التصريحات الرافضة تعتبر أمراً غير كاف في مواجهة المشروع الإسرائيلي- الأمريكي المتخفي حالياً تحت واجهة الشرق الأوسط الجديد.
- بريطانيا: لفترة طويلة ظلت بريطانيا لا تفعل شيئاً في مجلس الأمن الدولي سوى القيام بدور الـ(كومبارس) والتابع المطلق للتحالف الإسرائيلي- الأمريكي... في علم العلاقات الدولية، هناك مقولة توازن الدور والمكانة.. بحيث كل دولة لها مكانة كبيرة، يكون لها بالضرورة دوراً كبيراً، وقد فقدت بريطانيا مكانتها، ولم تعد بريطانيا العظمى منذ فترة طويلة، وبالتالي لم يعد لها دور كبير تقوم به، سوى السير في ركب التبعية لإسرائيل وأمريكا، وقد أدت هذه التبعية إلى أزمة داخل الرأي العام البريطاني وداخل حزب العمال الحاكم.. وعلى ما يبدو بعد انكشاف (فبركة) العملية الإرهابية الأخيرة، فإن مصير توني بلير وحكومته سوف يتحدد داخل بريطانيا، وهو أمر لو تحقق، فمن المؤكد أن تكون السياسة الخارجية البريطانية أكثر استقلالاً عن الأجندة الإسرائيلية- الأمريكية، بشكل يمكن أن يعيد إلى بريطانيا الـ(مكانة) الدولية، وبالتالي تستعيد دورها الدولي.
- الدول الأخرى: وهي الدول العشرة غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتمثل مجموعة برغم عدم تمتعها بحق استخدام الفيتو، إلا أن دورها يمكن أن يكون مؤثراً في قرارات مجلس الأمن، وذلك لأنها إن تكتلت خلف موقف محدد فمن الصعب تمرير أي قرار في مجلس الأمن، وبكلمات أخرى: يتوقف قبول نقاش أي مسودة قرار على وجوب مساندة بعض هذه الدول له، وفي حالة القرار (1701)، كان من الممكن لهذه الدول أن تحقق اختراقاً دولياً وتقدمت بمشروع قرار موحد، ولكن على ما يبدو فإن هيمنة أمريكا على عملية اختيار هذه الدول لعضوية المجلس تمثل حجر الزاوية في السيطرة على مجلس الأمن.
• القرار 1701 ومستقبل الصراع الدولي:
زجت إسرائيل بحوالي 30 ألف جندي إلى جنوب لبنان، في تصعيد هائل جديد لعملية الغزو، وذلك بهدف واضح هو: احتلال كامل المنطقة من الحدود وحتى نهر الليطاني، وهذه العملية في حد ذاتها تشكل انقلاباً (استباقياً) على القرار 1701، وذلك على أساس جملة من الاعتبارات.
- وجود القوات الإسرائيلية بهذا الحجم سوف يترتب عليه مطالبة بالانسحاب، وسوف تقوم إسرائيل برفع سقف شروطها، بما يجعلها تستمر بالوجود في جنوب لبنان، بنفس طريقه وجودها في الضفة الغربية وقطاع غزة، والخطاب الإسرائيلي السياسي العسكري أصبح يطرح صيغة السلام مقابل السلام، بدلاً من صيغة الأرض مقابل السلام، ومن ثم علينا ألا نتوقع بأن إسرائيل سوف تنسحبن وتعطي الأرض مقابل السلام، بل سوف تطلب الـ(سلام) القائم على نزع أسلحة حزب الله، ووجود الحكومة اللبنانية المسالمة التي توقع معها اتفاقية السلام, وتعادي سورية، وتعترف لإسرائيل بحق الدخول إلى كل شبر في لبنان من أجل التأكد من أنه لا يشكل تهديداً لـ(سلام) وأمن إسرائيل، وغير ذلك من الشروط والآليات التي سوف تواصل إسرائيل عملية وضعها وتجديدها، كل مرة. وربما تلجأ إسرائيل إلى صنع الخلاف مع حلفائها في الساحة اللبنانية، لكن تتذرع بعدم وجود طرف لبناني جاد يعمل من أجل السلام، ومن ثم يعلن القادة الإسرائيليون بأنهم سوف يعملون من أجل السلام من جانب واحد، وذلك ضمن سيناريو يتطابق تماماً مع سيناريو الفلسطينيين والذي أعلن فيه الإسرائيليون عدم وجود طرف فلسطيني جاد يعمل من أجل السلام، وقرروا أن يعملوا من طرف واحد لأجل السلام.
- القرار الدولي 1701 الذي وافقت عليه حكومة السنيورة، في حقيقة الأمر ليس سوى محطة ضمن المحطات الكثيرة القادمة في خارطة طريق الشرق الأوسط الجديد، التي تم وضعها ضمن بنود الشراكة الإسرائيلية- الأمريكية. ومن أبرز التلميحات الدالة على ذلك، التصريحات الأمريكية التي تقول: إن أمريكا سوف تكون (ضامنة) لتنفيذ هذا القرار، إضافة إلى تصريح القادة الإسرائيليين بأن القوات الإسرائيلية سوف تبقى في جنوب لبنان حتى يتم تنفيذ القرار، علماً أن صيغة القرار تتضمن قرارات دولية أخرى هي القرار 1559، والقرار 1680. أي إن تنفيذ القرار 1701 يتم ويكتمل بتنفيذ هذين القرارين، وهنا يمكن أن نتساءل: ما علاقة إسرائيل بترسيم الحدود السورية- اللبنانية، وما علاقتها أيضاً بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين سورية ولبنان.
وعموماً نقول: القرار 1701 يمثل آلية من آليات الاختراق، وهو تماماً مثله مثل قوات الغزو الإسرائيلي، يمثل (مقدمة) القوات الدولية التي سوف تأتي لمساندة مشروع الشرق الأوسط الجديد.

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...