تعرف على المعتقدات الدينية للحضارات القديمة

تعرف على المعتقدات الدينية للحضارات القديمة

دائمًا كان - وما زال - الدين يشغل عقول الناس ووجدانهم من جوانب كثيرة، وغاية الملايين من الناس على مر العصور التي شهدت مراحل وتطورات ونقاط مفصلية غيرت معالم العالم كله، فكان موضوع الدين ملتصقًا بالإنسان منذ عصوره الأولى، حتى مرحلة ظهور الديانات السماوية، وبطبيعة الحال كان لهذه الأديان الوضعية أو الأرضية، بمعتقداتها وأفكارها وغرابتها، تأثيرها على حضارات كبيرة، وعلى الثقافة والتراث الشعبي، حتى وصلت إلينا.


إن عدد الديانات في العالم عبر التاريخ بلغ نحو 10000 دين، منها 150 ديانة بلغ عدد المؤمنين بكل منها مليون فرد أو أكثر، أما بقية الأديان فعدد التابعين لها لم يتجاوز المليون عبر التاريخ، ولقد كان لكل حضارة من الحضارات التاريخية المشهورة التي نعرفها، دينها ومعتقداتها وعجائبها والميتافيزيقيا والأيديولوجيات الغريبة والمثيرة الخاصة بها، سنتحدث عن أشهر هذه الديانات.

الدين في العصر الحجري

يفترض بعض علماء الآثار أن مجتمعات العصر الحجري الأوسط، كمجتمعات نياندرتال "الإنسان البدائي" وهو أحد أنواع جنس هومو الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى، وتعود آثاره البيئية التي وجدت في أوروبا لنحو 350.000 سنة مضت، وانقرض في أوروبا قبل نحو 24.000 سنة مضت، مارست أول أشكال العبادة الطوطمية أو عبادة الحيوان.

رجح الباحث السويسري إميل باتشلر Emil Bächler في أبحاثه بداية القرن الماضي انتشار عبادة الدب بين أجناس نياندرتال في العصر الحجري القديم الوسيط، ولكن نفى بعض الباحثين في صحراء كلهاري الإفريقية مزاعم بعض العلماء عن وجود أدلة على انتشار عبادة الحيوان في العصر الحجري القديم الوسيط من نحو 70000 سنة ق. م، في تسوديلو.



كما يعتقد باتشلر وبعض الباحثين، أن عبادة الحيوانات التي كانت موجودة في العصر الحجري القديم الوسيط مثل عبادة الدب، امتدت إلى العصر الحجري القديم العلوي، لكن مع اختلاطها بطقوس الصيد، وهناك بعض الأدلة التي تؤكد هذا الافتراض الموجودة في الفنون وبقايا الدببة التي تم العثور عليها، فعبادة الدب كانت تصاحبها بعض الطقوس الدينية، حيث يتم اصطياد الدب بالـسهم، ثم يقتل بسهم في الرئة، ويُدفن بشكل شعائري بجانب تمثال من الطين على شكل دب مغطى بفراء دب، وتُدفن عظام الدب وجسد الدب منفصلين عن بعضهما البعض.


إن الأبحاث والأدلة المتبقية عن ديانات شعوب العصر الحجري تزودنا بدليل عن بعض الديانات المنظمة التي كانت موجودة في ذلك الوقت، كمستوطنة حضارة "كاتالهويوك" التي كانت في الأناضول (تركيا حاليًّا)، التي كانت بين 8-9 آلاف سنة، وتُعتبر من أقدم المدن في العالم، وأكبر مستوطنة عُرفت من العصر الحجري، فقد عاش فيها ما يُقارب الـ10 آلاف شخص.


اعتقد المؤلف والمنقب جيمس مالارت - الذي نقب عن الموقع - أن كاتالهويوك كانت المركز الروحي للأناتوليا "الأناضول" المركزية، وقد كانت أهم ميزة في كاتالهويوك هي تماثيلها الأنثوية، وناقش مالارت هذه التماثيل التي صُنعت بإتقان وعناية تامة ونحتت من الرخام والكلس الأزرق والبني والصخر والكالسيت والبازلت والمرمر والكلاي ومثلت الإله الأنثى العظيم، والعديد من الآلهة الإناث.


فيما وُجد في أثناء عملية التنقيب تمثالًا لأحد الآلهة الذكورية المهيبة جالسًا على عرشه ومحاط باثنين من إناث الأسود في صندوق للحبوب، وهنا استنتج مالارت أن هذا التمثال ربما كان وسيلة لضمان الحصاد أو لحماية إمداد الغذاء.


الهندوسية.. أقدم ديانة في العالم


تعد الديانة الهندوسية أقدم ديانة في العالم ما زالت طقوسها تُمارس حتى وقتنا هذا، وتُسمى أيضًا بالديانة البراهمية، وتنتشر في الهند ونيبال، وأثرت بشكل كبير جدًا على حضارة وثقافة شرق آسيا، ويعود تاريخ ظهورها إلى القرن الخامس عشر ق. م.



لا يمكن تحديد منشأ الديانة الهندوسية الأصلي بدقة، إلا أنه في العصر الحديث ومنذ بداية اهتمام كثير من الباحثين في الديانات والمعتقدات والثقافات وتاريخها، فقد وُجدت بعض الاعتقادات التي أشارت إلى بداية الديانة الهندوسية وأصلها التي خرجت منه قبل آلاف السنين، فيما يُعتقد أن النازحين الآريين الذين هاجروا من أوروبا وجاؤوا إلى الهند في تلك العصور حملوا معهم خليطًا من الأساطير اليونانية والنرويجية وطرحوها في الهند، لذلك قامت الديانة على معتقدات وأفكار النازحين الآريين أنفسهم.


الهندوسية عبارة عن مجموعة من العقائد والطقوس الروحانية والتقاليد الوثنية التي تشكلت وتطورت خلال قرون طويلة بدءًا من لحظة تشكلها، وفيها أيضًا خليط عظيم من فلسفات وثقافات وعقائد متنوعة انصهرت مع مرور الزمن، لتُشكل واحدة من أكبر الديانات تدور ركائزها حول القداسة والحياة الآخرة والحياة الدنيا، فهي تدعو الناس إلى التقارب والتعاون والتفاهم من أجل تحقيق الخير لجميع البشر.


وتتألف الهندوسية من مجموعة من المعتقدات والأفكار التي يؤمن بها الهندوس، وهذه المعتقدات هي الفيدا والبورانا والرامايانا والمهابهاراتا التي تتحدث عن القصائد والملاحم الشعرية والأساطير التي جلبها الآريين معهم.


أما عن أسماء الآلهة فهي تختلف عند الهندوس، فبعد أن عبد الهندوس القدامى قوى الطبيعة كالمطر والشمس، ومع مرور الزمن الطويل على وجود هذه الديانة، ظهرت آلهة جديدة عند الهندوس مثل الإله "براهما  "وهو خالق العالم، والإله "شيفا" وهو المهلك في النهاية أو الذي يهلك الكائنات في نهاية العالم.



يؤمن الهندوس - قديمًا وحديثًا - بوجود الأرواح عند الحيوانات كالإنسان تمامًا، ولديهم كثير من الحيوانات المقدسة، على رأس هذه الحيوانات البقر والقرود والأفاعي، كما أنهم يؤمنون بفكرة خلود الأرواح، فإذا مات الجسد لديهم تبقى الروح حية وتنتقل إلى جسد آخر، وإنَّما حياة أي إنسان أو حيوان هي عبارة عن فترة زمنية تقضيها الروح في جسد هذا الكائن.


أما عن النظرية الهندوسية لبدء الخلق فتضم أساطير عدة، فيحكي أول نصوص "الريغ فيدا" عن وجود كائن ضخم يسمى "بوروشا"، له ألف رأس وعين وقدم، كان بوروشا يكتنف الأرض، ويمتد خارجها بما يعادل مسافة عشرة أصابع، وعندما ضحت الآلهة ببوروشا، أنتج جسده زبدة نقية انبثقت منها الطيور والحيوانات.


تحولت بعض أجزاء جسد بوروشا إلى عناصر العالم، وبعضها الآخر إلى الآلهة "أغني" و"فايو" و"إندرا" وخُلقت الطبقات الأربعة للمجتمع الهندوسي من جسده: الكهنة والمحاربون والجمهور العام والخدم، لاحقًا، اكتسب الثالوث المكون من براهما (الخالق)، وفيشنو (الحافظ)، وشيفا (المدمرة) مكانة بارزة.


يولد براهما من زهرة لوتس نبتت من سُرَّة فيشنو في أثناء نومه، ويخلق الكون كي يستمر 4.32 مليار سنة، المدة التي تعادل يومًا واحدًا من أيام براهما، ثم يدمر شيفا الكون وتُعاد الدورة من جديد.


من الجدير ذكره أن هناك بعض الباحثين يعتقدون أن الديانة الهندوسية هي إحدى الأديان السماوية التي أنزلها الله تعالى على نبي في الهند ولكنَّها تعرضت للتحريف مع مرور الزمن ولكن هذا القول ليس له أي دليلٍ يَستند عليه.



كان لهذه الديانة التي ظهرت قبل التاريخ في حضارة الهند القديمة تأثيرها المدوي على مر الأزمنة الطويلة، فاليوم يبلغ أتباع الديانة الهندوسية ما يفوق مليار شخص فهي من أكبر الديانات على وجه الأرض بعد المسيحية والإسلام والبوذية.

الفلسفة الدينية في مصر الفرعونية

تعتبر مصر واحدة من أقدم الحضارات على الأرض، حيث اشتُق اسمُها من الكلمة اليونانيَّة "إيجيبتوس"، وفي عام 5500 ق. م كانت هناك مملكتان رئيسيتان تمتدّان على نهر النيل، أطلق عليهما المؤرِّخون المصريون مصر العُليا ومصر السُّفلى، وفي عام 3200 ق. م. جُمِعت المملكتان تحت حُكم واحد وحاكم واحد يتولى شؤونهما هو الملك نارمر الّذي يُطلق عليه مينيس، وكان هذا إيذانًا لبداية حضارة مصر القديمة التي كان لموقعها أثره في تشكيل فلسفة عقيدة الفراعنة.

لقد كان الدين مهمًا جدًا لدى الفراعنة، ولعب دورًا مهمًا في حياة المصريين القدماء، فهم تعاملوا مع آلهتهم كالبشر، يعبدونها ويقدمون لها القرابين لترضى عنهم، ولم يكن لهم كتاب مقدس، لكن كانت لهم كتابة هيروغليفية مقدسة.

كان لتعدد أقاليم مصر القديمة دورًا في التكوين الديني لمفهوم الآلهة، فكان لديهم مئات الآلهة يعبدونها، وكل إله له العديد من الخصائص والألقاب، وتتجلى هذه الآلهة في معتقداتهم في العديد من الصور والأشكال، فهي خليط جسدي عادة يكون بين الحيوانات والبشر التي ظهرت ابتداءً منذ عهد ما قبل الأسرات.


ارتبط وجود عبادة الحيوانات في البيئة المصرية بنظرة الهيبة والاحترام، نظرًا لضراوتها وقوتها، فعلى صلاية الملك نعرمر - أو مينا وهو أول ملوك الأسرة الأولى الذي حقق الوحدة بين شمال مصر وجنوبها - نجد صورًا للأسود والثيران المتوحشة.

بينما نجد الرمز الحيواني للمعبود "ست" الذي فشلت جهود علماء المصريات في الوصول للأصل الحيواني لهذا الكائن الذي ظهر على مقابر الأسرة الأولى في هيئة حيوان يشبه الحمار له أرجل طويلة وآذان طويلة أيضًا، وذيل قائم، وكان ست إله العواصف والصحراء، هو من الآلهة الرئيسية في بعض نظريات الخلق، وهو أيضًا أحد أبطال أسطورة أوزيريس.

وأوزيريس هو إله الموتى والعالم السفلي والفيضان، صاحب القوة بين الآلهة، الذي ارتبط بالعديد من القصص والأساطير التي تتمحور حولها العقيدة الفرعونية، وزوجته الإلهة إيزيس وابنه الإله حورس الذي يصور برأس صقر على جسم إنسان وعينه اليمنى هي الشمس واليسرى هي القمر.

أما عن مفهوم خلق الإنسان، فكان الفراعنة يعتقدون أن الإله رع، إله الشمس والسماء هو خالق كل شيء حي، أوجد جميع المخلوقات عن طريق استدعائها بأسمائها السرية، لكنه خلق الإنسان من دموعه وعرقه، لذلك أطلق الفراعنة على نفسهم تسمية "قطيع أو أنعام رع"، وقد حضر في مراحل الفراعنة كافة.

وقد اتحد رع فيما بعد بحسب العقيدة الفرعونية، مع أشهر آلهة المصريين القدماء "آمون"، وأقدمهم وأكثرهم تأثيرًا ونفوذًا، الذي يُشار إليه بالخفي وغير المرئي، وأنه خلق نفسه بنفسه، كما أنه راعي الفقراء والمحتاجين، ويظهر في النقوش الفرعونية في هيئة إنسان يرتدي قبعة من ريش النعام.


واعقتد الفراعنة في فلسفتهم ونظريتهم للخلق أن الكون كان بالبداية كتلة ماء وفوضي كونية وخواء، ثم جاء النظام الكوني، وكانت هذه الفلسفة من أوائل الفلسفات الدينية، فطبقًا لرؤيتهم كانت الفوضى هي الأصل، حيث يجب أن تعم الفوضى ليأتي النظام مع الآلهة، لذلك وجب احترام ممثلي الآلهة على الأرض، وولي الأمر وكهنته من رجال الدين.


فيما اعتقد المصريون القدماء بوجود حياة الآخرة، والإله أنوبيس الذي يصور دائمًا على هيئة إنسان برأس ابن آوى أو كلب، مسؤول عنها، حيث تقول أساطيرهم إنه كان حاميًا لقبورهم وإلاهًا للتحنيط، وكان يرافق ويقود أرواح الموتى خلال رحلتهم إلى العالم الآخر.


وبذلك، فإن أشد ما اعتقد به المصريين القدماء هو البعث والخلود ووجود حياة بعد الموت، وهذا ما دفعهم إلى حفظ جثث موتاهم بالتحنيط ودفنها في قبور محصنة جيدًا في الصحاري الجرداء، وكانت هذه وظيفة الكهنة الذين يتركون الطعام والشراب لاعتقادهم أن الميت سيستيقظ من موته ويتناولهم، وهذا التحنيط هو الذي ساعد الباحثين على اكتشاف العديد من الأمور عن الحضارة المصرية القديمة.

المعتقدات والفلسلفة الدينية عند الإغريق

إن الديانة اليونانية القديمة واحدة من أكثر الديانات الوضعية القديمة تعقيدًا، التي أنتجت حضارة من أهم الحضارات في التاريخ التي شهدت حركة فكرية وفلسفية وفنية، وكان لها عقائد دينية وآلهة متعددة ألهمت عقول المفكرين والأدباء على مر العصور.


تأثرت العقيدة الإغريقية بالعقيدة المصرية الفرعونية بشكل ملحوظ، وذلك بعد فتوحات الإسكندر المقدوني العسكرية التي أتاحت الفرصة لتغلغل الثقافات الشرقية في الفكر اليوناني والتطبع بطباعها، فعبد اليونانيون آلهة المصريين بجانب آلهتهم، بعد تسميتهم بأسماء إغريقية.


وأشهر هذه الآلهة "آمون" الذي أصبح "زيوس"، و"بتاح-هيفايستوس" و"حورس - أبولو" و"خونسو - خرقل"، وأُقيمت المعابد المشتركة على يد الكاهن مانيتو والكاهن تيموموثياسو، وأطلق على الإله اسم سيراييس، وكان يجمع بين صورتي أوزيريس معبود المصريين وزيوس كبير آلهة الأوليمب.


تعددت الآلهة بشكل كبير في العقيدة اليونانية القديمة - كما المصرية - نظرًا للطبيعة الجغرافية والاجتماعية والسياسية لبلاد اليونان التي كانت تقتضي بضرورة وجود معبود قوي يحفظ المدينة وسلام أهلها، وكان كبيرهم زيوس، وكانت معظم آلهتهم تحمل أشياء تدل على مكانتها، واشتهرت بعلاقاتها المعقدة فيما بينها.


كما ظهر عندهم عبادة الأبطال الذين يقدسونهم ويرفعونهم إلى مرتبة الأولوهية أو أنصافها، وكتبوا عنهم ملاحم شعرية وأساطير مهولة، كما كتبوا عن آلهتهم وقصص أسلافهم، ويقول المؤرخون إن الإغريق كان لهم ثلاثة كتب مقدسة وضعية بطريقة القصائد والأناشيد، وهي "الإلياذة والأودسية"، و"الأعمال والأيام"، و"أنساب الآلهة".



أما عن نظرية بدء الخلق، فشغلت عقول المفكرين والكهنة اليوناينين، وكتبوا في "أنساب الآلهة" أولى القصائد التي تكشف تصورهم لفكرة نشأة الكون وتطوره من الفوضى والنظام، ووجود الموجودات عن طريق التزاوج والانبثاق.


أشهر قصائد بدء الخلق قصيدة "ثيوغوني" لـ"هيسيود" الذي يقول إن أول الآلهة خُلق من الفوضى، بما في ذلك غايا (الأم الأرض)، وخلقت غايا أورانوس، أي السماء، لتغطي نفسها، ثم خلقا معًا مجموعة غريبة من الآلهة والوحوش، منها "الهيكتانوركايرز" (وحوش ذات 50 رأسًا ومئة يد)، ومخلوقات "السايكلوب" (ذات الأعين المستديرة) الذين صنعوا لزيوس صواعقه لاحقًا، ثم جاءت الآلهة المعروفة باسم الجبابرة، وهم ستة أبناء وست بنات.


كان أورانوس يحتقر أطفاله الوحشيين فسجنهم في "تارتاروس" ببطن الأرض، فغضبت غايا وخلقت منجلًا هائلًا وأعطته لابنها الأصغر كرونوس ولقنته بعض التعليمات، وعندما حاول أورانوس مضاجعة غايا بعدها، أسرع كرونوس بمهاجمة والده وقطع خصيتيه، ووُلد مزيد من الوحوش من الدماء التي سالت من أورانوس، كان بينهم العمالقة والحاقدات، ومن زَبَد البحر الذي انبثق من الخصيتين المقدستين لأورانوس، كانت الإلهة أفروديت، وبعد ذلك أصبح كرونوس أبًا للجيل القادم من الآلهة: زيوس وآلهة الأوليمب.


أما من ناحية فلسفية، فخرج أرسطو وأفلاطون بنظرية "الميتافيزيقا" أي علم ما وراء الطبيعة الذي يتعامل مع الموجودات غير الحسية، وعند أرسطو ليس هناك شيء مجرد، فالشيء الموجود لا بد أن يكون مخلوقًا من مادة ذات شكل وكم ونوع، والمادة تسبق اللامادة لأن الكم والنوع لا يمكن تحديدهما إلا بالمادة.



أما الإله فهو مادة ولكن غير محددة النوع والكم، ولهذا فإن الاعتراف بوجود الشيء هو اعتراف بوجود المادة، والمادة هي كل الأشياء الحسية بشكل عام، ولكن عند فحص هذه الأشياء عن قرب يدرك العقل أن كل شيء منها له خاصية مختلفة تحددها هيئة الشيء أو شكله، ولكي نفهم ما هي المادة، فإن علينا أن نفكر في الشيء اللامادي، أي الإله، وعندها يستطيع الإنسان أن يفهم كيف تكون المادة، وكيف يكون وجود الإنسان.

بقيت هذه الفلسلفة اليونانية القديمة محلًا للأبحاث وتطور النظريات لدى الكثير من العلماء والفلاسفة على مر العصور، كعالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي رينيه ديكارت، وذلك بسبب تأثير الحضارة والعقيدة اليونانية على الحضارات البشرية.

وبنظرة عامة على المعتقدات الدينية اليونانية، فتجدها قريبة من بعض المعتقدات الموجودة اليوم، كاعتقادهم في وجود الجن والعفاريت ككائنات يمكن الاستعانة بها لكف الشر، والعرافة والتنبؤ، بطقوس خاصة أغلبها تعتمد على الأساطير، كذلك التطير والخرافة والتطهر والتعميد.


أما عن الموت والحياة الآخرة، فكان يُعد من أكثر المواضيع غموضًا في الديانة الإغريقية، حيث يخافونه لاعتقادهم بأن الموتى سيتحولون إلى أشباح لا دماء في عروقها، وذلك يبرر تقديسهم للأفعال البطولية التي تكتب للإنسان الخلود وترفعه لدرجة الآلهة.


بعد التعرف على بعض الديانات القديمة، فإن هذه الديانات كانت وضعية من صنع أفراد أو جماعات، لم يتدخل بها نبي مرسل من عند الله عز وجل، لكن هناك بعض الباحثين يرون أنه بالإمكان العثور في نهاية الأمر على عناصر في هذه الديانات تدل على ما يساعد بإرجاعها إلى مصادر سماوية قديمة، فالوضعية في هذه الأديان ليست نقطة الانطلاق، ويستدل على ذلك بما كان يعتقده الفراعنة وأحاديثهم عن الصراط والميزان والحساب والجزاء وكل أمور الآخرة.


فيرى الباحثون أن هذه ليست من اختراعاتهم وإنما من بقايا ما خلفته تعاليم الأنبياء عبر العصور، لكن أضيفت لها الكم المهول من الآراء والأساطير والأفكار السحرية، الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان تحديد مصادرها الأولى.

 


نون بوست