تفسير القرأن

د. سامح عسكر:

يجب التفريق بينه وبين (علوم القرآن) فالتفسير يعني الفهم والفقه، بينما العلوم تعني العقيدة، وباختصار شديد فالتفسير يعني (فقه القرآن) بينما العلوم (عقيدة القرآن)

ولو شبّهنا ذلك في واقعنا المُعاش فالتفسير يعني الطعام والشراب متاح للجميع، فلكل إنسان مسلم وغير مسلم له حق التفسير والتأويل والتدبر، لكن العلوم هي (الحصن العسكري) الذي يحمي ويدافع عن المفسرين ويهاجم ويقتل مفسرين آخرين يشكلون خطرا على المذهب والسلطة، وتبعا لذلك مادة علوم القرآن هي محصورة فقط في الحكام ورؤساء المذاهب..ويجب أن توافق بلاط الحُكم بزعمائه ورجال دينه.. مما يعني أن علوم القرآن هي الباب والمدخل الرئيسي للتفسير، ولا يمكن إصلاح التفسير والفكر الإسلامي القرآني سوى بمراجعة مادة العلوم التي تهيمن بشكل تام على طُرق التفسير


القصة بدأت قديما منذ صراع أهل الرأي وأهل الحديث في العصر العباسي، ومحور ذلك الصراع كان بين المفسرين فانشق المسلمون لفرق متناحرة ومذاهب متعددة ناحية النص القرآني، لكن السلطة العباسية حسمت هذا الصراع في عصر المتوكل ومن بعده القادر بالله في القرن 5 هـ بتشجيع الفقهاء على التصنيف في علم جديد يسمى (علوم القرآن) يكون مهتما بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والظني والقطعي وأسباب النزول وغيرها..

لماذا؟

لأن صراع المفسرين اشتعل حول هذه الأمور أساسا، فعَنيَ الحكام بالتصنيف فيها لوقف الافتراق وبدعوات توحيد الأمة وحقن الدماء وسد الذرائع، يعني كانت دعوات أخلاقية وقتها لوقف الفتن وجمع الأمة لفكر واحد هي التي هيمنت على المسلمين منذ القرن 5 هـ وهو الزمن المفترض الذي ظهر فيه ما يسمى علوم القرآن وبالتالي لم يعد المسلمون بحاجة إلى:

أولا: مذاهب فقهية جديدة لأنها تقيدت بالعلم القرآني الجديد، فتوقف ظهور المذاهب الفقهية والاجتهادات المذهبية الكبرى منذ هذا العصر

ثانيا: كتب حديث جديدة ومصنفات روائية جديدة لأنها أيضا كانت مجرد اجتهادات من أهل الحديث ظنا منهم بتوحيد الأمة فكانت سببا في انشقاقها أكثر، وعندما ظهرت علوم القرآن توقفت كتب الحديث نهائيا وتم الاعتماد على الموجود لخدمة العلم الجديد..

ولأن علوم القرآن علم مخترع لا علاقة له بالنبي والصحابة والتابعين عجز الفقهاء المعاصرون عن إثبات نسب كتبه الأولى للسلف الأول، فنسبوا كتبا منحولة لرواة وفقهاء سابقين كقتادة بن دعامة وابن شهاب الزهري ونافع كأشهر راوة في العصر الأموي، لكن بالتحقيق تبين أن هذه الكتب صنفت بداية من القرن الرابع، أي بعد موت قتادة وابن شهاب ب 200 عام على الأقل.

فكتاب مسائل "نافع بن الأزرق" في غريب القرآن ذكر فيه أئمة الحديث الستة والشافعي، برغم أن نافعا متوفي سنة 65 هـ أي صنف الكتاب بعد وفاة نافع ب 300 سنة تقريبا ،ثم نسبوا كلام نافع لابن عباس لتكون هذه المحاولة هي الأقدم على الإطلاق في تأليف علوم القرآن ونسبها لصحابة، وأما كتاب الناسخ والمنسوخ لقتادة بن دعامة فمؤلفه الحقيقي هو " أبو القاسم بن سلامة المقري" المتوفي سنة 410 هـ، بعد وفاة قتادة ب 300 سنة،ولا يوجد أقدم من أبي القاسم في توثيق كتاب بن دعامة، ولمزيد من الخداع والتدليس قام المقري بنسب رواية الكتاب لتلميذ قتادة "سعيد بن عروبة"

أما كتاب الناسخ والمنسوخ لابن شهاب الزهري فهو كارثة في حد ذاته، لأن أقدم مخطوطة للكتاب كتبت بخط (النسخ) الذي اخترعه "ابن مقلة الشيرازي" أوائل القرن الرابع الهجري، والرواية الوحيدة للكتاب هي لابن الحسين السلمي المتوفي سنة 412 هـ أي بعد وفاة ابن شهاب ب 300 سنة تقريبا، ومن غرائب ما فعلته السلفية والأزهر في توثيق كتاب الزهري في الناسخ والمنسوخ..أنهم لم ينتبهوا أن ابن الحسين السلمي نسب الكتاب للزهري برواية "الوليد بن محمد الموقري" توفى 182 هـ وهو في حكم الحديث (متروك كذاب) فكيف قبلوا توثيق الكتاب وراويه الوحيد كذاب؟..هذا بافتراض صدق السلمي..!
من هنا تبين أن أقدم كتب منسوبة لصحابة وتابعين في ما يسمى "علوم القرآن" هي مكذوبة، وظهرت بداية من القرنين الرابع والخامس الهجريين في العصر العباسي الثاني، وهو التوقيت الذي بدأ فيه التصنيف في علوم القرآن ردا على المعتزلة والفلاسفة من جانب، ولتوفيق النص مع العلم من جانب آخر، ولخدمة البلاط العباسي من جانب مختلف ..علما بأن العصور القديمة كان فيها الحُكم دينيا..أي كان الخليفة يحكم بالاشتراك مع رجال دين هم مجموعة معاونيه وجوقته ولسانه بين الجماهير..

أما أشهر من تكلم في علوم القرآن والناسخ والمنسوخ كان ابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) الذي صنف 4 كتب مهمة عند الفقهاء.."مشكل القرآن - غريب القرآن - غريب الحديث - تأويل مختلف الحديث"..تقريبا كل الشيوخ يعتمدون على كتب الدينوري هذه في الرد على المعتزلة والعلمانيين والقرآنيين والشيعة، علما بأن هذه الكتب هي المحاولة الكبرى الأولى التي كتبت بأوامر مباشرة من المتوكل بالله وخلفائه، وما فعله ابن قتيبة الدينوري هو أكبر وأهم محطة في التراث تم تخليدها لتأسيس "علوم القرآن" رغم أن بعض أفكار الدينوري كانت غاية في السذاجة والسطحية، وأخطأ غلطات كبيرة شنع عليه فيها الإمام الفخر الرازي من قبل كتأويل ابن قتيبة حديث سحر النبي وجعله موافقا للقرآن..

الدينوري لم يكن فقط محدثا وفقيها بل كان ذكيا له علم بالفلسفة أخذها من الجاحظ..ثم شنّع على الجاحظ في كتابه "تأويل مختلف الحديث" بعد ذلك، ورجلا بهذا الحجم يليق به تأسيس علم مستقل وجديد أثر في كل فقهاء السنة حتى اليوم..لدرجة أن ابن تيمية شهد بتكفير المغاربة لناقدي الدينوري..وهي إشارة بأن قدسية الدينوري وصلت لأروقة الحكم في بلاد بعيدة عن المركز العباسي في بغداد مما يعني أن قوة العلم للقرآني كانت طاغية ولها انتشار واسع بفضل حماس السلطة لها وشغف الفقهاء في الكتابة في هذا العلم الجديد، ولأهميته في قبول ورفض كتب المفسرين والوصاية على أي اجتهاد مختلف في رؤية النص القرآني.

أخيرا: ابن تيمية وصف "ابن قتيبة الدينوري" بخطيب السنة وأكثر من مدحه في تفسيره لسورة الإخلاص، وهو الذي نقل تكفير المغاربة لكل خصوم الدينوري وناقديه من باب الموافقة والتقريظ، وهو دليل على أن ابن قتيبة في عصر ابن تيمية حصل على قدسية شبيهة بقدسية الشعراوي في زماننا عند بعض الفقهاء والعوام..لذلك قلت في محاضرات سابقة أن الدينوري محوري أكثر من ابن تيمية في الفكر السياسي والعقائدي السني، وكتبه المنسوبة إليه محور دفاعي مهم لعلوم القرآن وتمثل حصنا عسكريا ضد أي محاولات للتفسير مختلفة عن السائد الذي ترسخ منذ هذا العصر ويصعب تغييره إلا بقرار سلطوي سياسي يحمي المفكرين ويفتح باب الاجتهاد وينزع قدسية رجل الدين ليصبح مواطنا طبيعيا..

وإلى أن نشهد هذا القرار سيظل المصلحون يحلمون دون فائدة، ويصطدمون في كل مرة بعلوم القرآن التي وضعها القدماء دفاعا عن مذاهبهم العقائدية وحصلت على قدسية مصطنعة بفعل السياسة.