هل أنت مع الجماعة ؟

10-06-2013

هل أنت مع الجماعة ؟


الجمل ـ بشار بشير: يُنقل عن بسمارك الدبلوماسي البروسي الشهير تعريف متطرف للديموقراطية يقول فيه : الديموقراطية تعني أن عشرة حمير أفضل من تسعة بسمارك .

قضى الإنسان القسم الأكبر من تاريخه دون أن يكون له قرار أو خيار حين كان الزعيم الملك ( الإله ) هو المتحكم , وبتطور المجتمع ونشوء الطبقات : النبلاء , الكهنة , المحاربين والتجار , العوام والعبيد , لم يتحسن وضع القسم الأكبر من البشر ( المجتمع ) فقد كان الأغلبية ضمن الطبقتين الأخيرتين اللتان تضمان من لاقيمة ولاحقوق ولا قرار له . إرهاصات وضع قوانين تعطي الأفراد بعض حقوقهم وتعطيهم بعض القيمة تراوحت بين مبادرات ملكية كقانون حمورابي و رسالات سماوية ( استغِلت للأسف لتحقيق المزيد من التسلط والظلم ) و شطحات فلسفية كمدينة أفلاطون الفاضلة , وتجارب حكم محدودة كتجربة مدينة أثينا الإغريقية التي عُرفت بأسم : (حكم عامة الشعب ) وباليونانية " ديمو كراتيا " التي عربناها إلى "ديموقراطية" وهي التجربة التي أصبحت مطمح كل الشعوب على مر التاريخ كان هناك الكثير من محاولات التشاركية في الحكم أو جعل الشعب مصدراً للسلطة أي محاولات ديموقراطية , والتجربة الأفضل في هذا المجال هي التجربة الإنكليزية ( حسب ما يروج الإنكليز) التي بدأت عام /1215/ عندما أضطر الملك جون نتيجة لثورة شعبية لإصدار ما سمي "العهد الأعظم " وهو وثيقة جاء فيها أن الشعب هو أساس الدولة وأن الجميع بما فيهم الملك تحت القانون وأن مصدر السلطة هو الشعب وليس الملك كما أكدت الوثيقةعلى حقوق الأفراد والجماعات وحريتهم . يمكن إعتبار وثيقة العهد شبه دستور أسَس للوصول إلى حكم ديموقراطي رغم أن المسيرة كانت لاتزال طويلة .

على مر بضعة قرون وضعت مفاهيم ومبادئ و مؤسسات لتحقيق الحكم الديموقراطي جرى دوماً الإلتفاف عليها للإستئثار بالحكم, حتى الثورة الأهم ضد سلطة الملك والكنيسة أي ثورة كرومويل اتضح أنها ليست مخلصة للديموقراطية وإنما مخلصه للمؤامرة اليهودية التي كانت تسعى لتحجيم سلطات الملك والكنيسة اللذان كانا معاديان لليهود في إنكلترة واتضح أن الثورة ليست لإرساء الديموقراطية وإنما لتحقيق الأطماع اليهودية (وما أشبه اليوم بالبارحة )

كثير من التجارب بينت أن تطبيق الفكرة الفلسفية القائلة أن الشعب يجب أن يحكم هو أمر شبه خيالي وثبت أن الديموقراطية لا تُمنح بقرار ولا تتحقق بثورة بل تتطلب بنية إجتماعية قادرة على حماية المفاهيم والمبادئ والمؤسسات الديموقراطية ,ولكن هل يمكن الوصول لهذه البنية , فالدولة تقوم على مبدأ القوة أي الأقوى يحكم والأقوى في الدولة هو المتحكم بالجيش والمالك للثروة ( الملك عادة أو النخبة الحاكمة ) ولتحقيق حكم الشعب " الديموقرطية " لا بد أن يوازن الشعب قوة الجيش والثروة وهذا لم يحصل إلا مرة واحدة ولفترة محدودة بالتاريخ وفي أوروبا تحديداً فقد أدت الإكتشافات الجغرافية الأوربية والحركة الإستعمارية إلى عملية نهب راكمت خلالها العديد من دول أوروبا ثروات كبيرة دون أن تبذل جهداً أو رأسمالاً مقابلها مما أدى إلى غنى إجتماعي و تحسن مستوى المعيشة ترافق ذلك مع الثورة الصناعية ( إنكلترا مثالاً ) التي أخرجت الناس من تشرذمهم تحت حكم الإقطاع ليصبحوا عمالاً وهكذا وُجدت في المجتمع كتلة كبيرة من التجار و الصناعيين والعمال الذين لا ينقصهم الوعي بحقوقهم (بعكس الفلاحين في عهد الإقطاع ) ولا ينقصهم المال الذي تراكم في أيدي الكثير من الفئات الإجتماعية ( هذا ثراء نسبي طبعاً مقارنة بأحوال الفلاحين اللذين كانوا لا يفكرون بأكثر من تحصيل قوت يومهم ) هذه الكتلة أصبحت قادرة من جهة على إحداث التوازن المطلوب مع المؤسسة الحاكمة أي الجيش والثروة والملك ومن جهة أخرى ولفترة قصيرة ونتيجة لحركة النهوض الإجتماعية ولحالة غنى الدولة والمجتمع التي تحدثنا عنها تقاربت أهداف الكتلة الشعبية مع المؤسسة الحاكمة ولم تعد العلاقة بينهما تناحرية و أصبح بالإمكان الحديث عن مشاركة حقيقية للشعب بالحكم عبر إستخدام حقيقي للمؤسسات الديموقراطية دون تزييف هذا الإستخدام من قبل النخبة الحاكمة . لم تعمر هذه التجربة طويلاً فسرعان ماعاد التمايز والإختلاف بين النخب الحاكمة والطبقات الغنية من جهة وعامة الشعب من جهة أخرى وعادت محاولات السيطرة المخفية على المؤسسات الديموقراطية التي حُسمت لغير صالح أصحابها أي عامة الشعب . التجربة الديموقراطية الحقيقية حصلت في بعض الدول الأوروبية لفترة قصيرة ونتيجة ظروف تاريخية لن تتكرر لا في هذه البلدان ولا في غيرها , تحولت بعدها هذه التجربة إلى مسرحية تحاول النخب المسيطرة والمتحكمة إقناع الشعب من خلالها بأن رأي الأغلبية هو السائد والحاكم .

تقوم الديموقرطية على التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثرية وهذا نظام قد يصلح في أثينا المدينة الصغيرة المتجانسة , ولكن ماذا عن الدول الكبيرة التي تؤوي أقليات وأثنيات وطوائف هل ستُهضَم حقوق الأقلية ( أو الأقليات ) لصالح الأكثرية أم هل ستعطِل الأقلية ( الأقليات ) مصالح الأكثرية ؟ هذا السؤال الأول عن الديموقراطية والسؤال الثاني من حيث التجربة الإنسانية هل هناك ذكرى تاريخية كانت فيها الأكثرية على حق والأقلية مخطئة ؟ في الحقيقة على مر التاريخ العكس هو الصحيح فكل القفزات الإنسانية وكل الأفكار الفلسفية وكل الإختراعات و كل الإكتشافات قام بها أفراد لا جماعات والمفارقة أن الجماعة كانت دائماً على الجانب الخاطئ أي محاربه للفكرة الصحيحة التي يأتي بها الفرد . الذي قال بوحدانية الإله فرد وحاربته الجماعة , والذي قال أن الأرض كروية فرد وحاربته الجماعة , والذي قال أن سبب الأمراض كائنات صغيرة لاترى فرد وحاربته الجماعة ,والذي قال أن كل الناس أحرار وثار لتحقيق ذلك فرد حاربته وهزمته الجماعة , كل الثورات في التاريخ فجرها وقادها فرد لا مجموعة ولا جماعة . فلماذا علينا أن نتجاهل كل التاريخ ونعتبر أنه في الحكم الجماعة هي الأفضل لا الفرد . هذا النقاش حول الديموقراطية ليس جديداً وهو أنتج في مرحلة ما فكرة أخرى للحكم هي "الليبرالية " من اللفظة اللاتينية " ليبرالس أي حر " التي تركز على حماية حقوق وحريات الأفراد والأقليات , في بعض المراحل جرى الخلط بين النظامين (رغم عدم تجانسهم ) إما في محاولة لإنتاج نظام حكم أفضل أو نتيجة الجهل أو الحماس الذي رافق سعي الشعوب نحو تطويرأنظمة الحكم . وفي الخمسين سنة الماضية جرى الخلط بين المفهومين عمداً لإنتاج خلطة تستطيع الدول الغربية التعالي بها من جهة وإحراج االدول المختلفة عنها بنظام الحكم كالإتحاد السوفييتي من جهة أخرى وهكذا أصبحت الديموقراطية مجرد لافته والشعوب الغربية الديموقراطية جرى تدجينها (لكي تظن أنها صاحبة القرار وهي ليست كذلك ) من قبل المؤسسة الحاكمة عبر تخويفها من العدو الشيوعي ( والإسلامي من بعده ) ثم أصبح إستخدام هذه الخلطة ذريعة للتدخل في شؤون الكثير من الدول وتحريض الكثير من الشعوب إعتماداً على جاذبية مفهوم حكم الشعب من جهة والحرية وضمان الحقوق من جهة أخرى , مع تأكد الغرب أن التجربة التاريخية الحقيقية والقصيرة للديموقراطية لن تتكرر ظروفها مرة أخرى وهكذا فإن أحداً لن يستطيع تحقيق حكم ديموقراطي أو حكم ليبرالي حقيقيين , وهكذا يصبح بالإمكان الإستعلاء على شعوب العالم والتدخل في شؤونها إلى الأبد . آن لنا أن ندرك الوهم الذي يعيش فيه الغرب والذي يحاول تصديره لنا , شكل الحكم الذي يناسب أي شعب هو نتاج الشكل المجتمعي لهذا الشعب ونتاج ظروفه التاريخية ولا يمكن تصدير وصفات جاهزة لشكل الحكم كما يحاول الغرب كاذباً أن يفعل الآن.

لا أريد أن أُفهم خطأ فأنا لا أُسوِّق للديكتاتورية وللمَلكية المطلقة أو لآي نوع من الحكم فيه ظلم أو إستبعاد للشعب عن تقرير ما يريده أنا فقط أقول أن الديموقراطية أشبه بسراب لا يمكن الوصول له وإن وصلنا لها فإنها ليست أفضل طرق الحكم بالمطلق. يمكن الإستفادة من الديموقراطية كفلسفة أو كتجربة والبناء عليها لإيجاد الصيغة المناسبة للحكم ولكن دعونا لا نُؤخذ بالدعاية الغربية بأن الديموقراطية هي الوصفة السهلة التطبيق والمناسبة للجميع للوصول للجنة .
مثال عن الديموقراطية : جرت إنتخابات رئاسية " ديموقراطية " في دولة عربية تقدم لها 13 مرشح . في الجولة الأولى وهي الجولة الأكثر تعبيراً عن رأي الشعب حيث يختار كل فرد من الشعب من يريده فعلاً من المرشحين , حاز أفضل المرشحين على نسبة 24,7% من الأصوات وفي الجولة الثانية ظل هذا المرشح محافظاً على تقدمه وفاز وأصبح رئيساً . سأتكلم رقمياً عدد سكان البلد المذكور 80 مليون يحق ل 52 مليون منهم التصويت , صوت منهم بالإنتخابات 23 مليون . بحسبة بسيطة نعرف أن عدد اللذين صوتوا للرئيس المنتخب " ديموقرطياً " أقل من 6 ملايين وهذا يعني أن 46 مليوناً من الذين يحق لهم الإنتخاب لم ينتخبوه وأن 17 مليوناً من اللذين صوتوا لم يصوتوا له كما نعرف أن هناك طائفة في ذلك البلد تعدادها حوالي سبعة ملايين لا تريده رئيساً لها بالمطلق, ورغم كل هذا فهو الرئيس حسب النظام الديموقراطي ! هل يمكن القول هذا مايريده الشعب ؟

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...