ثقافة الموت في النفسية السورية بين الواقعية والبطولة والراهن

الجمل ـ محمد الحصني :

نظر أجدادنا السوريون للموت على انه شكل من أشكال استمرار الحياة كمعظم الشعوب القديمة، لكنهم تميزوا بنظرتهم إلى الموت كحقيقة يسبقها في الحياة سلوك حياتي يلحق الميت إلى عالم الموت. لم يتحدث أجدادنا عن الثواب والعقاب لسلوك قام به الإنسان في عالم الحياة، فكرة الجنة والنار أو الثواب والعقاب أفكار طارئة جدا على النفسية والثقافة السورية التاريخية. قسّم السوريون القدماء الحياة إلى العالم الأعلى (الارض والسماء) حيث يحيا البشر والآلهة، والعالم الاسفل (تحت الأرض) حيث يحيا الاموات والآلهة المسؤولة عن ذلك العالم، حيث تهبط الروح التي تغادر الجسد لتحيا أسفل الأرض مع الاموات. 

الشواهد الادبية التي تتحدث عن مواجهة النفسية للموت في التاريخ السوري كثيرة جدا، وتعطي دلالة لاتجاه واضح لعقلية ونفسية تفهم هذا الحدث الجلل في حياة الإنسان السوري ومشقاتها اليومية، انتقيت منها شاهدين في سياق الدلالة على واقعية الرؤية النفسية والبطولة المكرسة في مواجهة الموت.

الشاهد الاول: في أحد النصوص الاكادية، تقع من يد جلجامش لعبة في جرف عميق، يخرج انكيدو من العالم السفلي حاملا اللعبة لصاحبها، ويدور حوار يسأل فيه جلجامش صاحبه عم يجري في عالم الاموات، يبدو واضحا من السياق العام للأسئلة والأجوبة المقدمة الاتجاه والذهنية التي تفهم الحياة. بعد مجموعة من التوصيات العامة يقولها انكيدو للدخول بعالم الأموات من ارتداء ثوب نظيف وعدم التزين بالعطور والتطيب بالزيوت وتجنب السلوك العدواني مع سكان ذلك العالم خاصة (عصا بيدك لا تحمل)، يبدأ الحوار على صيغة السؤال والجواب المباشر، جلجامش: (هل رأيت من له ابن واحد؟) يرد انكيدو عن كل مرة : (رأيته، وتد معلق على جداره وهو يبكي عليه بحرقة) (هل رأيت من له ابنان؟) الرد (رأيته، يجلس على آجرتين وهو يأكل الخبز) (هل رأيت من له ثلاثة أبناء؟) الرد (رأيته، يشرب الماء من قربة معلقة على مسند) (هل رأيت من له أربعة أبناء؟) الرد (رأيته، مثل رجل عنده حماران وهو مبتهج القلب) (هل رأيت من له خمسة أبناء؟) الرد (رأيته، مثل كاتب ماهر خفيف اليد، وهو يدخل إلى القصر بيسر) (هل رأيت من له ستة أبناء؟) الرد (رأيته، مثل حارث مبتهج القلب) (هل رأيت من له سبعة أبناء؟) الرد (رأيته، يجلس في وسط الآلهة الصغرى على الكرسي ويستمع للوقائع)

يتضح من الحوار أنها دعوة للتكاثر وانتاج الحياة في المجتمع، ويتضح السياق بمتابعة الفكرة بشكل معكوس حيث يسال جلجامش (هل رأيت المرأة التي لم تلد؟) الرد (رأيتها، مثل قدر معاب ملقى جانبا، ولا أحد مستمتع بها)  (هل رأيت الشاب الذي لم يعرف حضن زوجته؟) الرد (رأيته، تجده قد أكمل عمل حبل في يده وهو يبكي عليه) (هل رأيت المرأة التي لم تعرف حضن زوجها؟) الرد (رأيتها، تجدها قد أكملت عمل حصير بيدها، وهي تبكي عليه) نأتي للنظافة العامة والوقاية والسلامة (هل رأيت المجذوم؟) الرد (رأيته، أكله منحى جانبا، شرابه منحى جانبا، إنه يأكل العشب وينبش بحثا عن الماء، إنه يعيش خارج المدينة) (هل رأيت المصاب بالجرب؟) الرد (رأيته، إنه يرتعش مثل ثور والديدان تأكله) (هل رأيت من أكله الأسد؟) الرد (رأيته، يصرخ بحرقة، يا ذراعي، يا رجلي) (هل رأيت من سقط من على السطح؟) الرد (رأيته، لا يستطيعون إصلاح عظامه، وهو يرتعش مثل ثور والديدان تأكله) نأتي إلى احترام الوالدين (هل رأيت من لم يحترم كلمة أمه وأبيه؟) الرد (رأيته، إنه يشرب الماء الموزون بمعيار، ولا يحصل على ما يكفيه) (هل رأيت من لعنه أمه وأبوه؟) الرد (رأيته، إنه محروم من الوريث وشبحه مهتاج) نأتي إلى الموت

المبكر (هل رأيت من مات موتا مبكرا؟) الرد (رأيته، مضجعا في سرير المساء يشرب ماء نقيا). نأتي هنا إلى السؤال الأخطر والذي يترتب عليه نتائج خطيرة في سلوك المجتمع، (هل رأيت من كان قتيلا في معركة؟) خطورة الجواب أن مسؤولية التهور في الشجاعة أو الجبن للحفاظ على الذات غير مطلوبين في الحروب، ماذا يمكن ان يسجل الإنسان السوري في منتصف الالف الثالث قبل الميلاد؟ وحدها البطولة المدعمة بالإيمان بالحق هي المطلوبة لنفسية الجندي الذي يثق أن جيشه سينتصر هي المطلوبة، فيكون جواب انكيدو (رأيته، أبوه وامه يسندان رأسه وزوجته تبكي عليه) الواقعية هي التي تسجل، فإذا كان من الممكن الكلام على السلوك المنتج والحيوي والمطلوب للحياة بمختلف معانيه وما يترتب عليه في العالم السفلي، فإن البطولة في المعارك والحروب وما قد تعنيه من الموت في المعركة والتضحية بالنفس فيها للنصر أمر بقي في وجدان أجدادنا مرتبطا بالحياة الواقعية وصورتها الوجدانية (أبوه وامه يسندان رأسه وزوجته تبكي عليه).   

الشاهد الثاني: عام 517 ق.م نجح القرطاجيون بإبعاد المهاجرين الإغريق من وادي كينوب، واجلائهم عن تللك الأرض الواقعة على مشارف لبده، لكن النفوذ القرطاجي بقي مهددا بعدم الاستقرار من ناحية الشرق خاصة بعد نمو مدينة (قورنية) القوية في برقة والتي بدأت بمحاولة لمد نفوذها باتجاه الغرب (أي مدينة قرطاجة والأراضي الفاصلة) وكان هذا كافيا ليستفز أجدادنا السوريين سكان قرطاجة، وأدى هذا إلى نزاع مرير بين المدينتين انتهى بحل سلمي لتسوية الحدود بين المدينتين بما يعرف في التاريخ بقصة (الأخوين فيلليني) حيث تقول القصة أن الجانبين بعد سلسلة من المعارك غير الحاسمة لفرض السيطرة على الأراضي الواسعة الممتدة بينهما، اتفقا على أن ينطلق كل من مدينته في وقت معين ممثلون لهما سيرا على الأقدام وفي اتجاه المدينة الأخرى على ان تكون نقطة التقاء الفريقين هي الحد الفاصل بين الطرفين، وأجاد الاخوين فيلليني السير، فقطعا ثلثا المسافة بين قرطاجة وقورنية حتى التقيا بفريق (قورنية) وحاول الإغريق التنصل من الاتفاق باتهام الاخوين فيلليني بأنهما بدءا مسيرتهما قبل الوقت المعين، وبأنهما كانا يجريان جريا وليس مشيا، ولكن الأخوين فيلليني أعلنا استعدادهما لإعادة التجربة من جديد، وهنا أعلن الفريق القوريني أنه لن يقر الحدود عند تلك النقطة إلا إذا قبل الأخوين أن يدفنا حيين حيث كانا يقفان، وإلا فان على قرطاجة أن تسمح لممثلي قورنية بالتقدم إلى المكان الذي ترضى به قورنية حدا بين المدينتين مقابل أن يدفنا حيين في ذلك المكان ليضمنا بذلك اقرار الحدود بين الطرفين. وأمام هذا التحدي أعلن الأخويين فيلليني موافقتهما على أن يدفنا حيين حيث كانا يقفان، وقد عرف المكان بعد ذلك باسم (آري فيلينورم) نسبة للنصب التذكاري الذي أقامه القرطاجيون فوق قبري البطلين. وقد أقام الايطاليون أثناء احتلالهم لليبيا القوس الرخامي عند ذلك الموقع.

لنا في تاريخنا الحديث موقف اجتمعت فيه النظرة الواقعية والبطولة النفسية، بجانب من قصة بطل ميسلون يوسف العظمة، تحدث عنه يوسف الحكيم في الجزء الثالث من مذكراته، عندما كانت سورية تتنفس هواء استقلالها من البراد العثماني الطويل وصل انذار غورو الشهير ببنوده التي كانت تعني ببساطة احتلال البلاد بلا قيد أو شرط (تحت مسمى الانتداب)، انقسمت الحكومة بين داعية لقبول الشروط وتنفيذها ورافض لها ومتحمل لعواقب الرفض لو أدى الامر إلى الحرب، ولا يخفى أن البطل يوسف العظمة كان من رافضي تنفيذ البنود، جاء الانذار بـ 14 تموز، بتاريخ 16 تموز الطرفين يتجاذبان الرأي بالقبول أو الرفض والبلاد في حالة هياج، قام رئيس ميرة الجيش السابق ياسين باشا الهاشمي بتسريب معلومة أن الذخيرة والاعتدة الموجودة لدى الجيش لا تساعد على الدخول في حرب ضد الفرنسيين مهما قصرت

مدتها. دهش الوزراء للبيان واجتمعوا مع الملك، رئيس الحكومة في ذلك الوقت (هاشم الاتاسي)، كان السؤال الموجه من الجميع عن مقدار الاسلحة والاعتدة والذخيرة المتوفرة لدى الجيش، فأجابهم وزير الحربية يوسف العظمة: (لدى الجيش من العتاد ما يكفي لمقاومة الفرنسيين مدة من الزمن، وربما لدحرهم على اعقابهم اذا اداروا ظهروهم في أول الملحمة) طالب الوزراء من زميلهم وزير الحربية بيان خطي بموجود العتاد في الجيش بتواقيع اركان الجيش، اجابهم غاضبا: (ألا تثقون بكلامي وانا زميلكم المسؤول عن امور الجيش؟) اجابوا: (ولكننا لا نرتبط بمصير الامة وقبول الحرب أو رفضها الا بعد الوقوف على امكانيات الجيش للدفاع ولو برهة من الزمن، يحول دون تقدم العدو إلى العاصمة قبل وصول الخبر الى الحلفاء) استمهلهم مدة ساعتين دعا خلالها اركان الجيش، فاختلوا لساعة من الزمن ثم حضروا الاجتماع مع الوزراء والملك وتلا وزير الحربية موجود العتاد الحربي لدى الجيش وتبين انه لا يزيد عن مئتين وسبعين (فشكة) لكل بندقية حرب وثمانين قنبلة لكل مدفع من المدافع السبعين. ولما سئلوا: (هل يحتمل نفاذ هذا العتاد في اول معركة دون ان تنتهي الحرب؟ وكيف العمل حينئذ؟) أجابوا عن الشق الاول: (نعم يحتمل) وعلى الشق الثاني: (ان مهمتنا هي تنفيذ الامر العسكري ولو أدى بنا الى تضحية نفوسنا في سبيل الدفاع عن الوطن). انفض الاجتماع، ليعود للانعقاد بـ 18 تموز وهو اليوم الأخير لقبول الانذار، وبما أن وزير الحربية لم يستطع تقديم أي دليل على امكان الدفاع في وجه الجيش الفرنسي مدة من الزمن (يمكن فيها وصول خبر الحرب الى مسامع الحلفاء ليتوسطوا في حل الحلاف سلميا، اجتمعت كلمة الوزراء، باستثناء وزير الحربية، على رفض الدخول في الحرب منعا لسفك الدماء وعلى قبول احد الشروط (المتعلق بتراجع القوات السورية المتمركزة في مجدل عنجر وغيرها) على أن تجري بين الطرفين مفاوضات يحفظ معها كرامة السوريين وحقهم في الاستقلال. تم ارسال برقية إلى الجنرال غورو الذي رد أن شروط الانذار لا تقتصر على القبول بل يشمل التنفيذ وأنه مدد مهلة الانذار اربع وعشرين ساعة تنتهي منتصف ليل 20\21 تموز لا تتحرك جيوش فرنسا قبلها. في عشرين تموز اجتمعت الوزارة في القصر الملكي ووافقت على قبول الانتداب بكامله وفقا لطلب الجنرال غورو وأرسلت برقية بالقبول قبل ست ساعات من الموعد المحدد لها، لكن بحجة تأخر البرقية نصف ساعة عن الميعاد بدأ الجيش الفرنسي يتقدم باتجاه دمشق، مما حال دون ابلاغ امر التوقف عن المسير الى القوات الفرنسية التي غادرت مراكزها على الحدود في الميعاد المعين لها متجهة شرقا، وأن الجنرال غورو وافق بعد هذا الأمر الواقع على تمديد مهلة الانذار مرة ثالثة تنتهي في 22 تموز، واقترح المعتمد الفرنسي في دمشق على الملك فيصل ايفاد من يعتمد عليه من رجاله للمفاوضة مع الجنرال غورو توصلا إلى اتفاق يرضى عنه الفريقان، وارسال وزير المعارف ساطع الحصري لهذه المهمة. طبعا رأت الحكومة نزولا عند رأي وزير الحربية توقف القوات السورية حيث هي عن الانسحاب واتخاذها الاستحكامات المقتضية. اجتمع وزير المعارف ساطع الحصري مع غورو الذي قدم شروط جديدة تنتهي في منتصف الليل، كلها تصب في منحى تقديم البلاد للفرنسيين على طبق من ذهب. حمل وزير المعارف الشروط الجديدة إلى الملك ليجتمع به مع الوزراء في 23 تموز، رأى الوزراء حراجة الموقف تستدعي تأليف وزارة عسكرية أو مدنية برئاسة عسكري، اتجهت الأنظار إلى الفريق رضا الركابي، الذي كان وصل تلك اللحظة إلى الاجتماع، لما كلفه الملك بتأليف الوزارة أجاب معتذرا بان الحالة الحاضرة اصبحت وخيمة العاقبة، نتيجة للتهور الذي سلكه الشبان المهوسون، فعليهم ان يتولوا هم الحكم ويتحملوا تبعة ما بدأوه. ساد الوجوم على الحاضرين، أمر الملك باستدعاء ياسين الهاشمي فحضر على الفور، ولما كلفه الملك بتأليف الوزارة أجاب معتذرا. حينئذ استشاط وزير الحربية يوسف العظمة غيظا ووجه الى ياسين الهاشمي كلاما قاسيا ومما قاله: (أنت يا باشا بلبلت الافكار وفضحت اسرار

الجيش بما نقلته الى بعض الوزراء عن عتاده، مع انك أنت المسؤول عن تموينه، قلا يليق بك التهرب من الحكم بعد ان اوصلتنا بيانتك الى الأزمة الحاضرة) فرد ياسين باشا: (اني أوقفت الوزارة على حقيقة حالة ميرة الجيش، لكي لا تنخدع باقولك وتسوق البلاد الى حرب لا أمل لها في كسبها. اما مسؤولية التقصير، فتقع على عاتق الذين خلفوني في رئاسة الميرة وتولوا شؤون الدفاع) أجاب الملك: (ولكنك يا ياسين كنت رئيسا للميرة مدة عشرة اشهر، فلماذا لم تعمل على تدارك الاسلحة اللازمة؟) حينئذ تقدم يوسف العظمة بحماسه المعروف، رافعا التحية العسكرية للملك وقال: (إني مستعد يا صاحب الجلالة للدفاع عن الوطن بكل قواي حتى النفس الاخير، اذا اوليتموني ثقتكم) شكره الملك وعينه نائبا للقائد العام للقوات السورية، باعتبار منصب القيادة العامة يتقلده عادة الملك نفسه. ليتجه يوسف العظمة بعد هذا الاجتماع إلى ميسلون لتنال سورية شرف استشهاد وزير حربها الاول في معركة كرامتها والدفاع عن استقلالها منذ عقود طويلة من الجمود العثماني والمملوكي والسلجوقي، استقلالنا الاول والقصير بفترته الزمنية سقته دماء البطولة المؤمنة بواجبها ولا تتهرب من مسؤوليتها، في نفسها وعقلها تجسد الموت كتحدي لا بد من قبوله مهما كانت النتائج عندما يتعلق الموت بمصير الوطن. كان البطل يوسف العظمة أمينا على ذاكرة أجدادنا واجيال قادمة. 

منذ بداية الاحداث في سورية تعرف السوريون على معانٍ جديدة للموت، من الذبح بأقبح أسلوب بحجج الانتماء إلى طائفة او موظف في الدولة أو متعامل مع النظام بطريقة ما، إلى الخطف ومن ثم القتل إلى الاغتصاب وتجنيد الاطفال لأنواع الموت والقتل المتعددة. تعرف السوريون على أشكال ومفاهيم وطرق من إفناء الحياة غريبة عن البيئة والنفسية والتاريخ السوري. هذه الأشكال والمفاهيم انتهكت كامل الثقافة الاجتماعية السورية من دائرة الاسرة حتى الدائرة الأكبر المجتمع، ثقافة غريبة وافدة من بيئات إما ذات نفسية صحراوية مشوهة (شبه الجزيرة العربية الوهابية) أو بيئات عانت من اشكاليات تاريخية في سياق ذات المفاهيم (افغانستان، الشيشان) تسللت طبعا إلى بعض السوريين الذين أصبحوا مادتها ومنبرها. عانى جارنا الأقرب (العراق) على مدى سنوات منذ عام 2003 حتى الآن من نشاط هذه الثقافة التدميري ورؤيتها لمعنى الحياة. بالمقابل لهذه الثقافة الوافدة والغريبة، وبشكل طبيعي يأتي الجواب على هذه الثقافة من مختلف جهات المجتمع وأخص بالتحديد الجيش السوري الذي يؤدي دوره بالدفاع عن الوطن ضمن ثقافته ومفاهيمه النفسية التاريخية ضمن إشكالية كون المعركة داخلية بتمويل خارجي. 

نعم الموت والقتل هو سلوك حاضر بوضوح في مشهد الازمة السورية، ولكنه ليس عبثي رغم طغيانه كحقائق مباشرة وظاهرة في الصورة ومقاطع الفيديو أو خبر غير دقيق المصدر، الموت كمفهوم في طرفي النزاع (إن جاز استخدام هذه الكلمة) لا يبدأ من نفس الأسباب ولا يتشابه بالأشكال والسلوك وبالتأكيد لا يصب في نفس النتائج، الموت بين الطرفين على النقيض في المفاهيم والمعاني والمنطلقات، فحقيقة فهم الصورة والاحداث وابعادها بدقة (وللأسف) لا تنطلق من حجم الدمار أو اعداد القتلى أو طول وقت الأزمة فقط، إنما تنطلق من معنى انتصار أحد المفهومين في ثقافة الموت ومعطياته، لأن كلا المفهومين يتضمن مفاهيم للحياة يعبر عنها بتاريخه وسلوكه وتضحياته وبطولته، ومن هنا الخطورة الشديدة التي تنطلي على بعض السوريين بدون وعي، وعلى البعض بوعي مقصود وتوجيه واضح لرسم حدود ثقافية لفكر ملتبس يصنع قضايا لا قيمة لها، لجعل عملية المقارنة بين طرفين يتساويان بمفهوم الموت فنسمع أفكار تطالب بهدنات أو أوقفوا القتل في سورية، أو تتحدث عن جرائم الطرفين أو أخطاء الطرفين.

 ثقافة الموت والتضحية التي يحملها الجيش السوري والتي تجسدت عبر تاريخه العريق من يوسف العظمة حتى الآن والممتدة في خطط نفسية ومادية واضحة ومنسجمة مع تاريخ وثقافة المجتمع الذي يخرج منه أفراد هذا الجيش أو المؤسسة، بأخطائها وعثراتها وصوابيتها وهزائمها وانتصاراتها التي تنسجم مع صفات مجتمعها ولا تشذ عنه لأنها منه، كأي مؤسسة أخرى لها دور حيوي في المجتمع. لذلك انتصار الجيش السوري حاجة حيوية لإمكانية استمرار ثقافة المجتمع بحد ذاتها وعودتها إلى المسار الطبيعي.

وبالمقابل المتابع لسلوك كل ما يمكن تسميته قوات تابعة للمعارضة بمختلف ألوانها خاصة متبني الحالة التكفيرية على الأرض (لا عبرة للفصل السخيف بين قوات المعارضة التي تحمل سلاح لأن معاني الفصل بين أنواع القوى المعارضة المسلحة أنتهى ككذبة كان لها وقتها الذي يجب أن تحيا فيه بعقول من أراد ان تحيا فيها هذه الكذبة وامتدادها الذي رَسَمَ عليه من رسم ومازال يرسم معان لا قيمة لها) يلاحظ أن ثقافتهم في الموت قائمة على مبدأ ان لا حياة ستكون قائمة بشكل الطبيعي بعد نهاية القتال، ماذا يعني استخدام السلاح الكيميائي؟ ماذا يعني تدمير المحاكم والمستشفيات والمؤسسات الحكومية بمختلف مهامها الخدمية؟ ماذا يعني الخطاب والسلوك القائم على التهديد بالإبادة والمجازر بحق طوائف وقرى والقيام بها؟ ماذا يعني رمي قذائف الهاون على مناطق سكنية ولمدة شهور لمجرد ان المنطقة لها وضع طائفي أو ثقافي معين؟ ماذا يعني إطلاق لقب مستوطنات على قسم من المناطق في سوريا يحيا فيها جزء من بنية المجتمع السوري؟ ماذا يعني أن تفجر سيارة مفخخة بجانب مسجد أو مدرسة او مؤسسة أو طريق عام؟ ماذا يعني أن تختطف مواطنا وقبل ذبحه تصوره وهو يتصل مع والده ليطلب الغفران؟ ماذا يعني أن تحرق مواطنين وهم أحياء؟ كأن لا حياة ستكون قائمة في حال انتصارهم ليحكموها! كأن لا شعب سيحكمون إنما جماهير بحجم طوائف أو قطعان ملوثة العقول والوجدان! هل أكون شجاعا لاستنتج أن هذا السلوك مرتبط بنتيجة ابادة الحياة فقط بلا غاية واضحة، بل اكون شجاعا لأستنتج التالي: الصراع في سورية بين ثقافتين تحمل كل منهما معناها الخاص عن الموت والحياة، الاولى منسجمة مع بيئتها ومجتمعها بكل ايجابياته وسلبياته والثانية شاذة وملتبسة جدا عن ذات البيئة والمجتمع، والصراع بالتأكيد محسوم لصالح المنسجم الاصيل وليس للغريب الموكل بمهام لا علاقة لها بثورة أو حرية أو تغيير، الفرز بين الثقافتين ونتائجهما وأخلاقهما قاس وواضح ومستمر وطبيعي، صبرا أيها الشعب السوري الطيب والعظيم على الخراب جيشك السوري سيحقق النصر في هذا الصراع ليرسم وجها جديدا لسوريتنا أقرب إلى تاريخها ونفسيتها الاصيلة.                       

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.