إسرائيل تشارك أمريكا في تصعيد أزمة دارفور

11-01-2007

إسرائيل تشارك أمريكا في تصعيد أزمة دارفور

الدكتور منصور الزنداني عضو في البرلمان اليمني، كما يعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة صنعاء، وقد اختير من البرلمان العربي الموحد لرئاسة لجنة خاصة إلى دارفور بالسودان، وكذلك إلى الصومال.

وقام مع وفد البرلمان العربي بزيارة دارفور واطلع على مخيمات النازحين، وقدم تقريرا متكاملا عن حقيقة أزمة دارفور مع توصيات خاصة لمعالجة الأزمة في الإطار العربي الأفريقي.

الجزيرة نت التقته في صنعاء وسألته عن حقيقة الأوضاع في دارفور وخلفياتها وأبعادها، وكذلك تطورات الصراع في الصومال، وإصرار أميركا على التدخل في شؤون الدول العربية بالقرن الأفريقي، وإستراتيجيتها في المنطقة، بالإضافة لغياب مفهوم الأمن القومي لدى النظام العربي الرسمي.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

* ما حقيقة المشكلة في دارفور، ولماذا تطورت حتى أصبحت أزمة دولية؟

قضية دارفور بدأت أحداثها عام 2000، لكنّ لها جذورا وهي عبارة عن خلافات كانت تحصل بين القبائل ذات الأصول العربية والقبائل من الأصول الأفريقية، غير أنه في عام 2004 أخذت الخلافات تخرج من الإطار المحلي إلى الوطني ثم الإقليمي والدولي، وهذا جاء مع النشاط الإقليمي والدولي المعادي للنظام للسوداني، وهو يهدف إلى إسقاط النظام في السودان.

فعندما استطاع السودان حل قضية الصراع مع الجنوبيين والتوقيع على اتفاق ينهي الحرب، ويسمح بمشاركة الجنوبيين في السلطة والثروة، مع إعطائهم حق تقرير المصير في مرحلة لاحقة جاء التصعيد في جبهة دارفور.

كما أن الحكومة السودانية قصرت في معالجة الأزمة عند نشأتها، وهو ما سمح للآخرين الإقليميين والدوليين بما فيهما أميركا والكيان الصهيوني أن يعبثوا وأن يطوروا هذه الأزمة لتصبح أزمة إقليمية ودولية.

* وما هي أبرز النتائج التي توصلتم إليها أثناء قيامكم بمهمة من البرلمان العربي للاطلاع على حقيقة الأوضاع في دارفور؟

من الاستنتاجات التي توصلنا إليها أن قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي الخاصة بدارفور لم تساعد على تحقيق السلم والأمن في دارفور، بقدر ما عقدت المشكلة.

هذا بينما الدول العربية مغيبة تماما عن أحداث دارفور، رغم أنها تشكل تهديدا للأمن القومي العربي. فالدول العربية لم تستوعب حدث دارفور، ولقد كان هناك عتاب شديد للوفد العربي من قبل حكومة وبرلمان دارفور اللذين التقينا بهم في الفاشر، وقال لي أحد أعضاء البرلمان في دارفور إنهم شعروا وكأنهم أيتام وإنه لا يوجد أحد بجوارهم، وتساءل بعضهم عن أسباب تركهم لوحدهم بينما هناك أياد خارجية تعبث وتعيث في دارفور. ورغم تقديم بعض منهم لمساعدات إنسانية فإن ثمة أهدافا سياسية وراء اهتمامهم بدارفور.

في مقابل ذلك أخبرنا أن خمسة رؤساء أجانب زاروا دارفور، وكذلك ثلاثين من وزراء الخارجية، إضافة للأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان، بينما لا يوجد أي مسؤول عربي زار دارفور طوال الأزمة باستثناء الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.

وهناك 500 وفد من دول العالم زاروا دارفور، ثم هناك 200 منظمة دولية عاملة داخل دارفور، بينما الأمر بالنسبة للعرب كان محدودا جدا ومحصورا في إطار جمعية خيرية من قطر، وأخرى من الكويت والسعودية والإمارات لفترة بسيطة ورحلت من المنطقة، ولا توجد الآن سوى بعثة مصرية طبية.

* هل يمكن القول إن الاختلافات الدينية والعرقية هي عوامل أساسية في اشتعال أزمة دارفور؟

دعني أوضح لك الصورة. دارفور مساحتها كبيرة وتصل حوالي 500 ألف كلم مربع، وهي مساحة تقترب من مساحة اليمن التي تتجاوز 555 ألف كلم مربع، وعدد سكان دارفور ستة ملايين نسمة 50% من أصول عربية، و50% من أصول أفريقية وجميعهم مسلمون، ولا يوجد بينهم مسيحيون أو أديان أخرى، ولا توجد مذاهب تفرقهم فجميعهم من المذهب المالكي. وسكان دارفور سجاياهم الدينية عالية جدا، وما يقرب من 70% منهم من حفظة القرآن الكريم، وهذه المؤشرات على طبيعة السكان سواء من الأصول العربية أو الأفريقية تدل على وحدتهم ، فتمسكهم بالدين ظاهر للعيان وربما ذلك من أسباب التدخلات الخارجية في شأن دارفور.

فدارفور قبل الحرب العالمية الأولى كانت سلطنة مستقلة، وبسبب خلفيتها الدينية وقفت إلى جانب الدولة العثمانية بينما أغلب الدول العربية وقفوا مع بريطانيا في مواجهة ألمانيا، باستثناء اليمن التي كانت محايدة، وعندما سقطت الدولة العثمانية احتلت بريطانيا دارفور وضمتها إلى السودان ثم لم تمارس الجانب التنموي بها كنوع من الانتقام من موقفها السابق.

* ما حقيقة الجرائم التي ارتكبت هناك كالقتل والاغتصاب الجماعي وحرق المدن؟

هناك جرائم خطيرة ارتكبت في دارفور، وهناك اعتراف من جانب الحكومة السودانية بوجود حالات من الاغتصاب، وهناك محاكمات قامت ضد المتهمين وتمت معالجتها وفقا للأحكام القضائية حتى أن بعض الحالات وصلت لحكم الإعدام، لكن يجب أن تعرف أن جميع المتضررين هم من السودانيين، وليسوا من فريق واحد.

هناك من يقول إن عدد القتلى بمئات الآلاف، وهذا ما يسمى في الإعلام الغربي بالتصفية العرقية، ومن هذا الباب أراد المجتمع الدولي أن يتدخل في دارفور، بينما الحكومة السودانية تقول إن عدد القتلى من الطرفين لا يتجاوز ثلاثة آلاف، وهناك من يتحدث عن حرق مدن بأكملها، لكن يجب أن يعرف القارئ أن هذه المدن عبارة عن بيوت من القش، فمدن دارفور كلها مغيبة عن التنمية فما بالك بقراها وريفها.

* لا شك أنكم توصلتم لجملة من التوصيات والمقترحات في لجنة الأمن والسياسة الخارجية بالبرلمان العربي الانتقالي لمعالجة أزمة دارفور، هل لكم أن تطلعونا عليها؟

نعم كانت هناك توصيات وقد وافق البرلمان العربي الانتقالي عليها، ثم رفعت هذه التوصيات إلى مكتب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، الذي اتخذ قرارا باعتمادها وأن يوزع التقرير عن دارفور الذي تقدمنا به بتوصياته على وزراء الخارجية العرب، ومن ثم يقدم إلى مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في مارس القادم، لإقراره وليصبح سياسة عربية تجاه أزمة دارفور.

وأهم هذه التوصيات هي:

- إنشاء صندوق إغاثة رسمي وشعبي بشكل عاجل وسريع، تحت إشراف جامعة الدول العربية والبرلمان العربي الانتقالي، تضخ فيه مجموعة من الأموال الخيرية سواء من قبل الحكومات العربية أو منظمات المجتمع المدني، وتحصر في إطار المساعدات الغذائية والطبية لأبناء دارفور، وبالنسبة للتعويضات المالية للمتضررين من الأحداث فإن الحكومة السودانية قد التزمت بها.

- إنشاء محكمة عربية إسلامية للفصل في قضايا الجرائم التي ارتكبت هناك، وطمأنة الطرف الآخر الذي لا يثق في الحكومة السودانية بأن إخوانهم العرب والمسلمين سيطبقون العدل في هذه القضايا ومحاكمة كل متورط فيها أيا كان.

- إنشاء قوة ردع عربية، تشارك مع قوات الاتحاد الأفريقي الموجودة في دارفور الذي يشعر بعجز في قواته التي لا تتجاوز خمسة آلاف جندي، لهذا السبب وجدت الأمم المتحدة فرصة للتدخل في دارفور لإرسال قوات أممية تقدر بنحو عشرين ألف جندي.

- تشكيل لجنة عربية، ولا مانع من مشاركة الاتحاد الأفريقي فيها، بحيث تعمل على سحب أسلحة المتقاتلين من الطرفين.

- مطالبة الدول الأجنبية وبالذات دول الجوار باحترام سيادة السودان، وأن تمنع تسرب السلاح لدارفور، لأن تدفق السلاح لدارفور هو الذي تسبب في تصعيد الأزمة في دارفور.

- دعوة الفرقاء في السودان للتفاوض في مقر جامعة الدول العربية للخروج بحلول ترضي كافة الأطراف تراعى فيها مصالح الدولة والشعب في السودان.

* لماذا في رأيك تصر الولايات المتحدة على التدخل في شؤون الدول العربية الموجودة في القرن الأفريقي خاصة السودان والصومال؟
منطقة القرن الأفريقي هي الضفة الأخرى للخليج العربي، وهي منطقة إستراتيجية لتأمين سلامة الملاحة البحرية سواء منها التجارية أو العسكرية، وبالنسبة لدولة السودان فهي لديها تجربة إسلامية في الحكم فريدة في المنطقة ظهرت في أعقاب انقلاب عام 1989، وتزعم جبهة الإنقاذ الإسلامي لها وتسلمها مقاليد الحكم في السودان، وهذا النموذج الإسلامي في السودان إن نجح سيكون مقدمة لنجاح تجارب أخرى ويشجع لوصول نماذج إسلامية في دول المنطقة، لكن إن فشلت فهذا دليل على أن الإسلاميين غير قادرين على ممارسة دور الحكم في الدولة المعاصرة، لذلك فإن إدخال السودان في دوامة من المشاكل وإجهاض تجربته الإسلامية في الحكم هدف للقوى الدولية وخاصة أميركا التي يرى مفكروها وساستها أن النظام العلماني هو أفضل نظام للحكم في الدولة المعاصرة.

لقد تناهى إلى أسماعنا أثناء زيارتنا للسودان أن ثمة عرضا طرح على الحكومة السودانية مفاده اعتراف الخرطوم بالكيان الصهيوني اليوم مقابل دفع ثمن لهذا الاعتراف، وقيل لهم إن هذا الاعتراف اليوم أفضل لكم من الاعتراف بإسرائيل في المستقبل بدون ثمن، طبعا الحكومة السودانية تعتقد أن إسرائيل لها يد طويلة مع أميركا في قضية دارفور.

ما يجري اليوم في القرن الأفريقي هو في سياق تمدد الإمبراطورية الأميركية للسيطرة على المنافذ البحرية العالمية ابتداء من مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس، ومضيق جبل طارق، سواء بالسيطرة المباشرة أو عبر سيطرة النفوذ من خلال وكلاء لهم في هذه المناطق.

* كيف تنظرون لتطورات الصراع في الصومال خاصة بعد دخول القوات الإثيوبية إلى مقديشو وبقية المدن والأراضي التي كانت تحت سيطرة المحاكم الإسلامية؟

ما حصل هو عبارة عن غزو لأراضي الصومال، وتحدّ لإرادة الشعب الصومالي، وإهانة للأمة العربية، وكل ذلك تم بتشجيع من أميركا والدول الأوروبية للأسف الشديد، وهو جزء من السياسة التي يعتمدها المجتمع الغربي تجاه منطقتنا العربية والإسلامية، والعيب ليس فيهم فقط بل في أنظمتنا العربية، فهاهي دولة عربية تغزى وتحتل من قبل الجيش الإثيوبي، وللأسف الشديد فإن المهانة والذل بلغ بنا أن نغزى حتى من إثيوبيا.
* لماذا في رأيك يغيب مفهوم الأمن القومي من أجندة واهتمامات الدول العربية؟
حكامنا العرب أصبحوا لا ينظرون إلا إلى حدود أنوفهم وكراسيهم فقط، بينما غيبوا مفهوم الأمن القومي العربي، علما بأن كل دولة عربية ستؤخذ على حدة، سواء بطريقة مباشرة عبر احتلال عسكري أميركي أو عبر وكلائهم في المنطقة. 

ومنذ بداية التسعينيات من القرن العشرين الماضي عندما كان يبشر بالنظام العالمي الجديد، كنت أقول إنه لا يوجد نظام دولي جديد وإنما استعمار دولي جديد، وهذا الاستعمار الجديد هو أن تحكم بإحدى طريقتين إما من خلال النفوذ أو الاحتلال العسكري المباشر.
* في اعتقادك أين ستكون الضربة القادمة للولايات المتحدة بعد ضرب الصومال ودخول القوات الإثيوبية إلى عاصمته ومدنه وقراه؟
للأسف إن كل الدول العربية مضروبة، ونقول لأميركا إننا نحن العرب لا نحتاج لأي ضربة، فنحن مضروبون في اقتصادنا وفكرنا وأرضنا وعقيدتنا، مسلوبون من إرادتنا السياسية، وتابعون للآخر ماليا وثقافيا وعسكريا وقانونيا وحتى اجتماعيا.

فالضربة موجودة ولكن متى تكون أكثر وضوحا وبشكل مباشر وعلني، هو حين تكون ضربة نارية إن صح التعبير، وذلك ما لا نستطيع التنبؤ به، وباختصار شديد هذه الأمة سلبت الإرادة، وخرجت من التاريخ، لا تأثير لها في عالم اليوم رغم امتلاكها من الإمكانات والقدرات ما يجعلها تقول للآخر لا، لا للهيمنة والسيطرة والاحتلال ونهب الثروات، ونعم للتعاون والسلام ونعم للمصالح المشتركة وحوار الحضارات.

عبده عايش

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...