تنظيف وكوي على الناشف: عن فقاعة الدراما والإعلام النفطي

الجمل ـ بشار بشير: جون فيلبي الذي أصبح "عبدالله" فيليبي وبيرسي كوكس هما عميلان بريطلنيان لا يختلفان عن غيرهما من العملاء الذين سيطروا على منطقة شبه الجزيرة العربية إلا بأن المذكورين حازا شهرة جعلتهم نجوماً تاريخيين بعكس الكثيرين من الذين أتو بعدهم وأقتضى زمانهم أن يعملوا سراً وبعيداً عن الأضواء . مجموع هؤلاء العملاء كانوا دائماً وحتى اليوم هم المحرك والموجه والمسير لممالك وإمارات النفط في شبه الجزيرة العربية. هذه المقدمة  للتذكير بأن كل سياسات وتصرفات البلدان المذكورة (سنأخذ السعودية كمثال عنها)  هي نتاج الخطط والتوجيهات الأنكلو ساكسونية ( الأنكليزية والأميركية ) وأن أي إنجازات تمت على يدها لا يمكن ان تُعزى لتدبير وتخطيط العقل السعودي والخليجي لذا وجب التنبيه حتى لا يغمط أحد حقه .

من ضمن الأهداف الأنكلوساكسونية في المنطقة تظهر السيطرة على العقل الإسلامي والعربي كهدف مهم ورئيسي وبالتأكيد فإن السيطرة على العقل تتم عبر السيطرة على الثقافة والسيطرة على الثقافة  ممكنة عبر السيطرة على رموز المجتمع الثقافية وهذا أصبح متاحاً عبر السيطرة على وسائل الإعلام وهنا يأتي دور السعودية ( ضمن أدوار أخرى لها ) فالسعودية مناسبة تحديداً لتنفيذ مثل هذا المخطط  لعدة أسباب منها  : الظروف الإسلامية التي أعطت السعودية الحق بأن تكون مرجعية بشكل أو بآخر يترافق ذلك مع وجود مذهب إسلامي سعودي ( الوهابية ) لا تمانع السعودية إطلاقاً في نشره وفي دعمه ليصبح المذهب المهيمن إسلامياً.

الكتلة النقدية الكبيرة التي يمكن أن توظفها السعودية في شراء الأشخاص والمؤسسات والأفكار والأذواق. السوق السعودي الكبير المناسب لتنفيذ جزء المخطط الخاص بتطويع وسائل الإعلام .

ولنأتي إلى التفاصيل : تبدأ القصة في أوائل السبعينات في منطقتنا العربية وسنتحدث هنا ثقافياً لا سياسياً, كانت المنطقة ممتلئة بالرموز الثقافية ( مفكرين كتَّاب صحفيين فنانين )الذين كانوا صادقين بقناعاتهم (إلى حد ما ) وكانوا قد نالوا قسم لابأس به من الشهرة والتواجد على الساحة مما جعل من الصعب إستقطابهم أو اللعب بقناعاتهم أوإزاحتهم من المشهد , لذلك تم إعتماد السياسة الناعمة في البداية مع هؤلاء, قيل لهم إن السعودية والخليج أشقائكم يحتاجون لعونكم لتقودوهم على درب الثقافة بإعتباره درب جديد عليهم وهم بحاجة لخبرات تساعدهم للسير عليه وهكذا بدا تشغيل المثقفين العرب في السعودية كمستشارين وكقيمين على مشاريع ثقافية وإعلامية وتم في تلك الفترة تقاسم للأدوار فمن لا تسمح ظروف السعودية بتشغيله ( مثل المسرحيين والفنانين الذين لا مجال لهم في السعودية حيث لا مسرح ولا سينما ولا تمثيل ولا معارض فنية ) كان يوعز للكويت في ذلك الوقت لإستقطابه , وهكذا بدأت الخطة بضرب عصفورين بحجر أستقطاب بعض المثقفين والبدء بمحاولة تدجينهم, وشد الجمهور نحو الحركة "الثقافية " الخليجية  والإعلام الخليجي بإعتبار أن هذا الجمهور سيتبع نجومه الذين أنتقلوا الآن من بلدانهم وأصبحوا في السعودية والكويت.

الخطوة الثانية كانت أكثر وضوحاً وتمثلت بصفقات تمويل مباشر للوسائل الإعلامية والتي كانت في ذلك الوقت مقتصرة تقريباً على الصحافة ولم تكن هذه المهمة صعبة فأكثر الصحف والصحفيين كانوا يتوقون للمال السعودي ومن كان منهم خارج الإهتمام السعودي وجد طريقة سهلة ليجذب الأنظار ( السعودية ) إليه ومعها المال عبر نشر فضائح الخليجيين (خاصة في أوروبا) التي كانت (ولازالت) كثيرة بكثرة الملوك والأمراء و حتى الأفراد الخليجيين وكانت (ياللغرابة) تسبب إحراجاً لأصحابها مما يجعلهم مستعدين لبذل الكثير من المال للتعتيم عليها, وفي النهاية كان لهذا بعض الفوائد إذ أنه زاد من عدد الصحف والمجلات التي تأتمر بالأوامر السعودية .

الخطوة الثالثة كان فيها شيئ من الإحتراف , لماذا نلاحق الوسائل الإعلامية لندفع لها ونُلحقها بنا لقد تغير نظام السوق وأصبح هناك الآن شيء أسمه الدعاية والإعلان وأصبحت وسائل الإعلام تعتمد بشكل رئيسي على عائدات الإعلان , حسناً السوق السعودي كبير وغني وإستهلاكي وهو هدف رئيسي لشركات الإعلان وبمساعدة بسيطة من المخططين الكبار ( الأنكلو ساكسون ) الذين يملكون شركات الإعلان الكبرى ستصبح السعودية مهيمنة على هذه الشركات في الشرق الأوسط وهكذا ستصبح المعادلة على الشكل االتالي الوسيلة الإعلامية (وهنا دخلت في وقت متأخر بعض المحطات التلفزيونية بالإضافة للصحف إلى اللعبة ) التي تدور في فلكنا ستحصل على إعلانات أي على تمويل وستكبر وتنتشر, والناشذة ستموت جوعاً أو ستختنق ضمن مجال ضيق يماثل ضيق ميزانياتها.

 لا بد هنا من ذكر بعض العوارض الجانبية التي ظهرت أثناء تطبيق الخطة , هناك دول أخرى غنية وقادرة على الدفع وإتجاهاتها معاكسة تماماً للسعودية دخلت على الخط , ليبيا مثلاً أخذت تمول صحف ومجلات وصحافيين يسببون الكثير من الشوشرة في الفضاء الإعلامي الذي كاد ان يصبح سعودياً كيف يمكن التعامل مع هؤلاء هنا الشراء لن يفلح إذا فلتستعمل السعودية العصا وهذه المرة العصا القضائية فقد تم ترصُّد كل هؤلاء الصحفيين والصحف لإلتقاط أي هفوة تقع تحت طائلة القانون ( كالقدح والذم والمس بالذات الملكية أو بالسيادة الوطنية وغيرها ) وقد كان هناك الكثير منها في تلك الصحف وتم رفع دعاوى نتج عنها توقيع غرامات كبيرة على تلك الصحف كان من الصعب عليها دفعها فأصبحت باباً لإدخال الصحف والصحفيين المتمردين إلى بيت الطاعة السعودي.

 الخطوة الرابعة وهي الخطوة الكبرى, فبعد السيطرة على الإعلام الأرضي ظهر الإعلام الفضائي وهنا كانت الفرصة السعودية الكبيرة فالإعلام الفضائي بحاجة لإستثمارات كبيرة لا يقدر عليها الكثيرون لكن المال السعودي جاهز لها والمخطط الخبيث مستعد وهكذا تمت سعودة الفضاء العربي ليس لتحقيق السيطرة السعودية على الإعلام  تمهيداً لنشر أفكارها الوهابية وثقافتها المسطحة فقط وإنما الآن لتحقيق الهدف الأكبر للمشروع وهو الهيمنة على العقل العربي ونشر الجهل والتخلف والغيبيات والأفكار الخاطئة والتعتيم على كل ماهو جيد ومفيد وحضاري وتقدمي, لذلك كان على الفضاء السعودي أن يؤوي كل أشكال الفضائيات من الدينية والدعوية ونجومها أصحاب فتاوي الدم والتطرف والطائفية إلى شبه الإباحية التي تُدعى تجاوزاً قنوات فنية وموسيقية    و نجومها الذين أكتسبوا على سخفهم حصانة إجتماعية ورتب ثقافية ( مما يؤكد النجاح الباهر للمشروع الأنكلو ساكسوني التخطيط السعودي التنفيذ ) وهكذا أصبح الواقع أنك أينما توجهت (إعلامياً) من أقصى اليمين إلى أقصى اليسارفستجد الجهل والسخف والتطرف. لم يبق الآن أمام هذا المشروع إلا الإسترخاء وترك منطق أو قانون السوق يأخذ مجراه فإن كنت صاحب فكرة أو مقالة أوإبداع أوحتى لك رغبة في الغناء أو الرقص أو أنك محب للشهرة أو مجرد راكض وراء رزقك في مجال الإعلام والفن والثقافة فليس أمامك سوى الفضاء السعودي ولكي تدخل هذا الفضاء هناك قالب يجب أن تتقولب وفقه وهكذا لم يعد من داع لكي تبذل السعودية أي جهد فالجميع سيقولب نفسه سلفاً ضمن قالبها ثم يقدم نفسه لها لينعم بالظهورعلى فضائها.

يمكن هنا أخذ تجربة الدراما السورية كمثال ساطع على الترويض الذاتي المسبق لكي تصبح مناسبة للفضاء السعودي فهذه الدراما التي تمردت بشدة على الرقابة الرسمية والإجتماعية السورية لم تجد أي غضاضة بالخضوع  طوعاً (وسلفاً) للرقابة وللذوق وللأفكار ولللاثقافة السعودية.

وهنا أيضاً كان لابد من بعض العوارض الجانبية فالفضاء ( أي التلفزيونات الفضائية ) رغم أنه مكلف إلا أنه مفتوح للجميع وكما ظهرت سابقاً صحف ناشزة فقد ظهرت الآن محطات ناشزة ولكن الحل سهل فأكثر هذه المحطات ظنت أن الشكل السعودي هو الموضة الرائجة فمشت في ركابه وذلك نتيجة لقصر النظر ولسوء التخطيط ولإنعدام الأفق فلم تسبب هذه المحطات الكثير من القلق للسعودية وعندما أضطرت الظروف بعض هذه القنوات لإظهار مخالبها محاولة أن تخط طريقها الخاص تم ببساطة حجبها عن الفضاء فقد نسينا هنا أن نذكركم أن جزءاً كبيراً من الفضاء العربي قد اصبح مملوكاً وليس فقط مستعملاً من قبل السعودية.

 فلنلوم نفسنا قبل أن نلوم أي أحد آخر فنحن من أرتضينا الدخول في هذا المشروع  طمعاً بريالاته ومن لم يرتض الدخول به لم يستطيع أن يطور أي مشروع مضاد ولو حتى على الصعيد الشخصي . لقد استطاعت السعودية خلق جنة (كاذبة طبعاً ) للإعلام والثقافة, المقيمين بها لا يريدون الخروج منها و من هم خارجها إما يطمحون ويجهزون أنفسهم لدخولها أو أنهم وإن كانوا لايريدون دخولها إلا أنهم لا يريدون الكفر بها إذ لعلها مقدسة مثل جنة السماء بحيث أن الكفر بها لا يخرجك منها وحسب بل ويدخلك الجحيم.

هل ستغير الثورة الألكترونية هذا الواقع أي هل الأنترنت ووسائل التواصل الحديثة هي كما تبدوا عصية على تدجين السعودية لها ؟ أميل للجواب بالإيجاب ولكن بماذا ستنفعنا الحرية المتاحة على هذه الوسائل إن لم يكن لدينا الخطط للإستفادة منها. دون كيشوت لم يهزم طاحونة الهواء وإذا حشدنا الف دون كيشوت لن يهزموا طاحونة هواء. ليس لضعفه أولسوء أفكاره لم ينتصر دون كيشوت وإنما لإختياره الوجهة الخاطئة والمعركة الخاطئة آن الآوان لنركز على هدف حقيقي وعلى الإنتصار في معركة تحقيقه .

الجمل

خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

الموضوع مهم جدا لوضوح الرؤية

شكرا لكاتب الموضوع الذي لم يذكر اسمه ولكنه موضوع يوضح جزء من رؤيةمشكلة برمجمة العقول التي عملت عبر التاريخ من قبل الكهنة والسحرة لاستعباد واستغلال البشر ومدى تأثير الاعلام والدعاية في تكوين فكر جماعي ملائم لما يخطط له رأس المال والسلطة الدينية والسياسية

خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.