ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يخدم دول المنطقة

06-02-2007

ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يخدم دول المنطقة

تراجعت الأسعار العالمية للنفط نحو 27 في المئة من الذروة التي وصلتها الصيف الماضي والتي بلغت 78 دولاراً للبرميل. وعلى رغم العوامل الموضوعية المرتبطة بآليات السوق المسببة لهذا التراجع، أبى بعض الأوساط والجهات في المنطقة وخارجها، منطلقاً من فرضية المؤامرة أو محاولة الاصطياد في المياه العكــرة لخــدمة غايات ضيقة، تفسير هذا التراجع في الأسعار إلا بوصفه محاولة من بعض الدول العربية المصدرة للنفط لإضعاف موقف إيران في النزاع القائم حول برنامجها النووي.

إن نظرية المؤامرة هذه خاطئة ومضللة وتفتقر إلى الموضوعية والواقعية لسببين أساسيين، الأول، أنها تفترض توافر القدرة لدى الدول المنتجة للنفط على خفض الأسعار أو رفعها متى تشاء، خصوصاً في ظل معطيات الأسواق العالمية للنفط في السنوات القليلة الماضية، والثاني، ان هذه النظرية تفترض ان ارتفاع سعر النفط يكون بالضرورة لمصلحة الدول المنتجة، وهذا افتراض يستحق النقاش.

بالنسبة للمسألة الأولى وما شهدته أسعار النفط من ارتفاع ملحوظ بدءاً من عام 2003 وحتى منتصف عام 2006، فقد جاء ذلك نتيجة عوامل عدة أهمها: 1- ارتفاع معدلات الاستهلاك في معظم الأسواق العالمية، خصوصاً في الدول التي تشهد نمواً اقتصادياً مرتفعاً مثل الصين والهند. 2- خفض معدلات النمو في إنتاج النفط في الدول غير الأعضاء في منظمة «أوبك». 3- تراجع طاقة الإنتاج لأسباب أمنية في كل من العراق ونيجيريا وفنزويلا. 4- خسارة بعض إنتاج خليج المكسيك في الولايات المتحدة بسبب العواصف التي ضربت المنطقة خلال الفترة المشار إليها.

وأدت هذه العوامل إلى خفض هامش احتياط الإنتاج لدى دول منظمة «أوبك»، ما ساهم في تضخيم التأثير في الأسعار الناتج من التوترات الأمنية والسياسية التي شهدتها مناطق عدة حول العالم مثل العراق وإيران ونيجيريا وكوريا الشمالية وغيرها، كما أنها عززت المضاربة في الأسواق الفورية والآجلة للنفط التي ساهمت بدورها في رفع الأسعار إلى مستويات قياسية. وساهمت محدودية طاقة التكرير، خصوصاً في الولايات المتحدة، في الحد من مفعول أي فائض متبقٍ من طاقة إنتاج النفط الخام، بدليل ان الارتفاع السريع في أسعار النفط الخام تزامن مع ارتفاع في مستوى المخزون منه. أي ان الارتفاع في الأسعار جاء على رغم تجاوز إنتاج النفط مستوى الطلب، ما يفترض به، في غياب العوامل المشار إليها أعلاه، خفض الأسعار وليس رفعها.

أما خفض الأسعار الذي شهدناه في الأشهر الماضية فجاء نتيجة التراجع النسبي لبعض هذه العوامل وانعكاس اتجاه بعضها الآخر. فارتفاع الأسعار أدى إلى تراجع معدلات النمو في الاستهـــلاك وإلى زيادة إنتاج الدول غير الأعضاء في منظـــمة «أوبك»، بالإضــافة إلى عودة جـــزئية للإنتاج الذي فقدته نيجيريا وخليج المكسيك. كما ان الاختناقات في قدرات التكرير تراجعت نسبياً بفضل الزيادات التي أُضيفت والتغير الفصلي في أنماط استهلاك المنتجات النفطية. يضاف إلى ذلك المستوى المرتفع لمخزون النفط، وارتفاع الفائض في طاقة الإنتاج بفضل هذه التطورات ونتيجة خفض منظمة «أوبك» إنتاجها في محاولة لكبح تراجع الأسعار. ولأن معظم الخفض في الإنتاج جاء من دول الخليج العربية، وفي مقدمها السعودية، فان هذا يدحض نظرية المؤامرة في شكل واضح. يضاف إلى كل ذلك ونتيجة له التراجع النسبي للأسعار في السوق الآجلة وفي وتيرة المضاربة.

أما الإجابة البديهية على المسألة الثانية، فهي ان ارتفاع السعر ليس دائماً مفيداً للمنتجين، إذ ان موازنة الفوائد والأضرار بأبعادها الاقتصـــادية والاجتماعية والسياسية، تحددها عوامل عدة أهمها المستوى النسبي للسعر، وحـــجم احتياط النفط لدى الدولة المنتجة، وكفاءة استغلال الإيرادات النفطية في تلك الدولة.

وفي الإيجابيات، يمكن لازدياد الإيرادات العامة الناجمة عن ارتفاع الأسعار ان يساعد الدولة في دعم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الاستقرار من خلال تعزيز الإنفاق على التجهيزات الأساسية والخدمات العامة والخدمات الاجتماعية، وتوفير الدعم للقطاع الخاص، والمساهمة في نشاطات البحث العلمي والتطوير، وغيرها. وعلى الصعيد السياسي قد يتيح النمو في الإيرادات زيادة الاستثمارات الخارجية وتقديم المساعدات للدول الفقيرة والمساهمة في مؤسسات التنمية الإقليمية والدولية، ما يعزز مكانة الدول المنتجة ويزيد من نفوذها.

أما في السلبيات، فان ازدياد الإيرادات النفطية، وفي غياب أو ضعف السياسة الملائمة لتوظيف تلك الإيرادات، قد يسهم في خفض القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية، وفي حشر الاستثمارات الخاصة نتيجة ارتفاع استثمارات القطاع العام والقطاع النفطي. كما قد يؤدي إلى تراجع حافز الإصلاحات الاقتصادية والإدارية في مجال ترشيد أسعار الخدمات العامة أو تطوير النظام الضريبي أو غيرها من الإصلاحات التي تُعتبر حيوية لتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، كما أنه يساهم في تعزيز السلوك الريعي في الاقتصاد والمجتمع وغيره من السلبيات.

إلا ان الضرر الأعظم على الدول المنتجة للنفط، خصوصاً تلك التي لديها احتياطات كبيرة منه مثل معظم دول الخليج ومن بينها إيران، هو ذلك الناتج من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تهدد النمو الاقتصادي العالمي، خصوصاً اقتصادات الدول النامية والفقيرة، ما يؤلب الرأي العام العالمي ضد دول المنطقة ويعزز موقع القوى والجهات المناهضة لمصالحها الاقتصادية والسياسية. هذا بالإضافة إلى خفض الطلب على النفط وحفز السعي إلى بدائل عنه، خصوصاً عندما تتجاوز الأسعار حدود أكلاف تلك البدائل ما يؤدي إلى تغييرات هيكلية في أسواق الطاقة تهدد مستقبل النفط في تلك الأسواق. وليس من الصدف ان تشهد السنوات القليلة الماضية خلال ارتفاع أسعار النفط تركيزاً على توفير وتطوير البدائل في إستراتيجيات الطاقة للدول الرئيسة المستهلكة للنفط.

وهكذا تتلاقى مصالح الدول النفطية في المنطقة على أولوية المحافظة على موقع النفط في أسواق الطاقة واستدامته على المدى الطويل. وهذا لا يتحقق إلا من خلال تأمين النفط بأسعار منافسة، ليس للمصادر البديلة للطاقة فحسب بل أيضاً للمصادر التقليدية المنافسة. كذلك سيتيح استمرار الطلب على نفط دول المنطقة، التي تنعم بنحو 60 في المئة من احتياط النفط العالمي، لهذه الدول زيادة حصتها في الإنتاج من مستوى حالي يقل عن 40 في المئة إلى مستوى معادل لحصتها من الاحتياط. وهذا سيعزز موقعها في منظومة الاقتصاد العالمي، ويقوي شبكة مصالحها العالمية، ويكفل دعم قضاياها، ويؤمن لها القدرة على مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يجب اعتبارها القضية الأولى لدول المنطقة سواء الدول العربية أو إيران، كونها المعركة الأولى والأهم التي يجب الفوز فيها.

إلا ان تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتأمين استقرار أسواق النفط واستدامته كمصدر رئيس من مصادر الطاقة، يعتمد على تحقيق الأمن والاستقرار والذي لا يؤمنه إلا الوعي بالمصالح العليا سواء الوطنية أو الإقليمية واعتماد التعاون والتنسيق في مواجهة كل التحديات، وتجفيف مستنقعات التوتر في المنطقة.

 

خليل زهر

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...