الديموقراطيون يعززون قبضتهم على الكونغرس

06-11-2008

الديموقراطيون يعززون قبضتهم على الكونغرس

لا يستطيع العالم الوقوف على الحياد حين ينظر الى صعود باراك أوباما الى الرئاسة الأميركية. دموع مناصريه من فيرجينيا الى كاليفورنيا، شهدت على »ساحر الكلام« يطوي صفحة اعتداءات ١١ أيلول في العقل الأميركي، هأوباما يحيي مناصريه برفقة زوجته وابنتيه في شيكاغو أمسذا الخوف من الآخر، ليحمل معه مثالية براغماتية وليبرالية وسطية، تخرج من نقاشات اليسار واليمين.
في عيونه كرامة المنتصر، وفي رصانته قلق التحديات التي استقرت على كاهله حين خاطب أنصاره في »غرانت بارك« في شيكاغو، حيث توجه الرئيس المنتخب الـ٤٤ »الى كل الذين يشاهدون من وراء البحار، من البرلمانات والقصور، الى من يتجمعون حول أجهزة الراديو في زوايا العالم المنسية، قصصنا متميزة لكن مصيرنا مشترك، وفجر جديد من القيادة الأميركية في متناول اليد«.
وقال أمام أكثر من ربع مليون من مناصريه »الى من يريدون تهديم هذا العالم، سنهزمكم. الى من يسعون الى السلام والأمن، سندعمكم. والى كل الذين تساءلوا عمّا اذا كانت منارة أميركا لا تزال تشعل بإشراقتها، الليلة برهنّا مرة اخرى أن قوة أمتنا الحقيقية تأتي ليس من جبروت سلاحنا، أو حجم ثروتنا، بل من القوة المستمرة لمثلنا: الديموقراطية والحرية والفرص والأمل الذي لا يتزعزع«.
لكن قبل كل شيء، لهذا الانتصار تأملاته في الداخل الأميركي: حين تابع رجال سود كوتهم ضربات الشرطة رئيساً يعانق السلطة ويغيّر لونها؛ حين أدركت نساء سوداوات المسافة الزمنية بين العصيان المدني وحق نيل التصويت؛ وحين استيقظ أطفال سود على رمز يشبههم يتطلعون إليه. بعدما اعتقلت روزا باركس في عام ١٩٥٥ لأنها رفضت إخلاء مكانها لراكب أبيض على حافلة عامة، وكسر مارتن لوثر كينغ طوق الفصل العنصري في شوارع الاباما، وتوقع روبرت كينيدي في الستينيات رئيسا أسود بعد أربعين عاما، انتهت اليوم شرعية حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. لا كلام بعد اليوم عن تمييز أو حقوق مكتسبة أو تعويض، هدمت هذه الحركة الجدار وبنت مكانه جسور المساواة، وحصل الفتى الأسود على مجد البيت الأبيض، ممهداً الطريق لأحلام أخرى في أفق أمة تحررت من ماضيها.
قال أوباما، الذي سارع العالم الى الترحيب بفوزه بعبارات تحمل »التغيير« و»الأمل«، في خطابه الى الأميركيين »اذا كان لا يزال من أشخاص يشكّون في أن كل شيء ممكن في أميركا، ويتساءلون ما اذا كان حلم آبائنا المؤسسين لا يزال حياً، أو يشكّون في قوة ديموقراطيتنا، فهذا المساء جاء ردكم«. وتابع »الطريق أمامنا ستكون طويلة.. قد لا نصل الى هناك في عام واحد، أو حتى في ولاية واحدة، لكن، أميركا، لم أكن يوما أكثر تفاؤلا مما أنا عليه الليلة بأننا سنصل هناك. أعدكم بأننا كشعب سنصل الى هناك«.
لا شيء يحصل صدفة بالنسبة لباراك أوباما. أطلق حملته في شباط ٢٠٠٧ من سبرينغفيلد، في المكان ذاته الذي أعلن فيه سيناتور ايلينوي الجمهوري ابراهام لينكولن ترشيحه قبل أن يقود الولايات المتحدة في حربها الأهلية ويرفض العبودية. أوباما يرى نفسه انه ابراهام
لينكولن لا بيل كلينتون، يريد أن يصنع حقبة فكرية لا ولاية رئاسية فقط، يريد رسم اصطفاف سياسي يتماشى مع تموضع مجتمع أميركي محافظ تتحول ديموغرافيته الى الوسط. خطابه من شيكاغو كان في »غرانت بارك«، هذه المساحة الخضراء التي شهدت مواجهة بين الشرطة والديموقراطيين بعد اغتيال روبرت كينيدي في العام .١٩٦٨ خلفية السباق الرئاسي هذا العام كانت الستينيات. خذل الشعب الأميركي بطلين من حرب فيتنام، هما جون كيري وجون ماكين، فيما ولد من رحم حركة الحقوق المدنية رئيسان، جون كينيدي وباراك أوباما.
وقال الرئيس المنتخب »سيكون هناك إخفاقات وبدايات زائفة.. كثيرون لن يوافقوا على كل قرار أو سياسة أصنعها كرئيس، ونعرف أن الحكومة لا يمكنها أن تعالج كل مشاكلنا. لكنني سأكون صريحا دائما معكم حول التحديات التي نواجهها. سأستمع إليكم، خصوصا حين لا نتفق«. وتابع »هذا الانتصار وحده ليس التغيير الذي نسعى إليه، هو الفرصة لنا لصنع هذا التغيير. وهذا لا يمكن أن يحصل إذا ما عدنا الى ما كانت الأمور عليها. هذا لا يمكن أن يحدث من دونكم. دعونا نقاوم إغراء العودة الى الحزبية ذاتها والتفاهة وعدم النضوج التي سممت سياساتنا وقتاً طويلاً«. وتوجه لمن لم يصوّت له بالقول »قد لا أكون فزت بصوتكم، لكني أسمع أصواتكم، أحتاج الى مساعدتكم، وسأكون رئيسكم أيضا«.
كسر أوباما الطوق الذي فرضه المحافظون الجدد بعد رونالد ريغان على الحياة العامة، وأبلغ الأميركيين أن انتقاد السلطة واجب وليس خروجاً عن الوطنية. الشعب الأميركي قال كلمته. سقط المحافظون الجدد سياسياً بعد انتخابات الكونغرس في العام ٢٠٠٦ بسبب حرب العراق، وسقط الحزب الجمهوري اقتصادياً بعد تولي أوباما الرئاسة.
ربما من حظ أوباما أن الحزب الديموقراطي لم يحصل على الغالبية المطلقة في مجلس الشيوخ، أي فوق ٦٠ مقعداً، علماً بأن الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ تعززت وتستند الى ٥٦ مقعدا، فيما وسع الديموقراطيون في مجلس النواب غالبيتهم الحالية وحصلوا على ٢٦١ من أصل ٤٣٥ من المقاعد في مقابل ١٧٤ للجمهوريين، أي إنهم كسبوا ٢٦ مقعداً قياساً الى مجلس العام .٢٠٠٦ التحدي أمامه هو أن يحكم من الوسط، بين يسار يتوق الى تنفيذ جدول أعماله، ويمين سيتصاعد غضبه بعد الهزيمة.
قد يجد أوباما نفسه قريبا في تحالف موضوعي مع المعتدلين في الحزب الجمهوري، أي فريق عمل جورج بوش الأب، لا سيما روبرت غيتس وكولن باول وحتى جون ماكين، الذي قال في خطاب اعترافه بالهزيمة عن أوباما »إنها أوقات صعبة لبلدنا، وأتعهد له الليلة بأن أفعل كل ما بقوتي لمساعدته على قيادتنا خلال التحديات الكثيرة التي نواجهها.. الى الرجل الذي كان منافسي وأصبح رئيسي«. وتابع من فندق »بيلتمور« في اريزونا »الشعب الاميركي تكلم بوضوح.. السيناتور أوباما حقق شيئا عظيما لنفسه ولبلده« مضيفا »الشعور بالأسف طبيعي، الفشل فشلي وليس فشلكم«.
وقال ماكين في خطابه »لا أعرف ما الذي كان بوسعنا أن نفعله أكثر لنفوز بهذه الانتخابات.. سأترك للآخرين تحديد هذا الأمر، لن أنفق لحظة في المستقبل متأسفا على ما يمكن أن يكون«. وختم »هذه انتخابات تاريخية وأدرك أهميتها الخاصة بالنسبة الى الاميركيين الأفارقة«، فيما رفضت مرشحته لمنصب نائب الرئيس سارة بالين تحمل مسؤولية الهزيمة، قائلة »لا أعتقد أن وجودي على البطاقة (الجمهورية) كان أكثر أهمية من الازمة الاقتصادية«. وقد قرر القادة الجمهوريون الاجتماع منذ اليوم الخميس في فرجينيا بغية الإسراع في تحديد القواعد الجديدة لمواجهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ماكين لم يطرح تبريرا فلسفيا وسياسيا لرئاسته، اكتفى بالقول إن أوباما مغامرة وأنا الثبات في مرحلة يحكمها القلق. هو لم يكن أسير حرب فقط، بل أسير إدارة جمهورية أفلست شعبيا وتيار محافظ انقلب على نفسه. أدرك أوباما بعبقريته السياسية أن سبيل الفوز على السيناتور هيلاري كلينتون هو الوقوف على يسارها قبل أن يعود الى الوسط بعد الانتخابات التمهيدية مختصراً رئاسته بتعابير مبسطة، أنا التغيير وهم الأمر الواقع، أنا المستقبل وهم الماضي.
هذا الرئيس المنتخب الذي عاش في أكثر الأحياء فقراً في شيكاغو، فهم نبض الشارع، عرف صياغة شراكة بين الحركات العمالية ومراكز العبادة والمجتمع المدني، بين الأقليات الدينية والسياسية والعرقية. احترف التنظيم السياسي في حملة انتخابية ستدخل التاريخ بحجم تبرعاتها وبتوليدها مشاركة شعبية غير مسبوقة.
لقد فاز أوباما بـ٥٢ في المئة من الأصوات الشعبية في مقابل ٤٦ في المئة لماكين، بفارق حوالى سبعة ملايين صوت. وفاز في ولايات محافظة في الشمال الشرقي هي فيرجينيا وويسكونسن وانديانا وايوا ونيوهامشير، والولايات الغربية في نيفادا ونيومكسيكو وكولورادو كما فاز في ميتشغان وفلوريدا.
حساب الولايات الانتخابية هو ٣٤٩ في مقابل ١٦٣ لمصلحة أوباما، والنتيجة لم تحسم بعد في كارولينا الشمالية. الإدارة المقبلة
في هذه الأثناء، بدأ أوباما امس استعدادات الفترة الانتقالية قبل أن يؤدي اليمين في ٢٠ كانون الثاني المقبل، ويبدو أنها ستكون سريعة، وقد يعلن عن أسماء أركان إدارته ابتداء من الأسبوع المقبل، لا سيما أن الولايات المتحدة تعيش أزمة مالية وتخوض مرحلة حرب في العراق وأفغانستان. كما بدأ الحصول على تقارير استخباراتية يومية.
وسيعقد اليوم الخميس أول مؤتمر صحافي له ليعلن عن خططه لهذه المرحلة التمهيدية. ويبدو أنه يريد تعيين عضو الكونغرس عن ايلينوي راحم عمانوئيل لمنصب كبير الموظفين في البيت الأبيض، وهو عمل سابقا مع بيل كلينتون. وعمانوئيل، الذي سبق أن خدم في الجيش الاسرائيلي، كان مهندس انتصار الحزب الديموقراطي في انتخابات الكونغرس العام ٢٠٠٦ حين طرح أسماء معتدلة على اللوائح الانتخابية، وهو من أكثر المقربين لأوباما، لكن تحفظ البعض على تسميته نظراً لميوله الحزبية، ما يعني أن أوباما يريد شخصا قاسيا يساعده على دفع جدول أعماله مع الكونغرس.
وسيقود فريق أوباما الانتقالي جون بودستا الذي عمل مع كلينتون، ومساعده في مجلس الشيوخ بيت راوز، ومستشارته فاليري جاريت. وتحدث أوباما عن رغبته بضم أسماء جمهورية بارزة الى إدارته بحيث يتردد انه قد يترك روبرت غيتس في وزارة الدفاع ويعين المعتدل جون كيري في الخارجية، أو الأكثر تشدداً ريتشارد هولبروك، المقرب من نائب الرئيس جوزيف بايدن.

جو معكرون

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...