مائة عام من الزمن العربي الضائع

16-07-2006

مائة عام من الزمن العربي الضائع

دشَّن القرن الحادي والعشرون مئويات عديدة، مر معظمها مرور الكرام.

فمئوية عبد الرحمن الكواكبي (1902-2002) كادت أن تمحى لولا مبادرة المؤرخ العربي ماهر الشريف، وضيافة المركز الثقافي الفرنسي في حلب، وحمية أحفاد المفكر الحلبي/ الكردي، صاحب «طبائع الاستبداد» و»أم القرى» ، أحد الآباء الشرعيين للنزعة القومية العربية والمدرسة العقلانية. وبينما كان قبر الكواكبي منسياً في القاهرة، كانت ثلة من الكتاب العرب تحتفي بتراثه في كتاب يتيم.

مرت أيضاً مئوية المصلح الكبير محمد عبده (1905-2005)، دون كبير اهتمام هي الأخرى ودون مراجعة لما كتبه أو ما كتب عنه، لكأن هذا العالم العربي الإسلامي يخشى حتى مجرد فتح صفحات صاحب «رسالة التوحيد»، وأفكاره الفلسفية-السياسية.

واليوم تمر مئوية ثورة المشروطة، أو الثورة الدستورية (1906-2006) التي هزت العالم الإسلامي من سبات الفكر قروناً، مثلما ستمر بعد عامين، ثورة الاتحاد والترقي (1908-2008) التي كانت أيضاً أول انقلاب دستوري في قمة الدولة العلية، وريثة الخلافة.

إن البكاء العربي على أطلال «النهضة» يطغى على الدراسة المجددة، المتجردة لتاريخنا القريب، أو البعيد، مقارنة بأوروبا التي تعيد النظر في تراثها الفلسفي بكتابات تتجدد تقريباً كل عقدين أو ثلاثة عقود تماشياً مع تطور وصراع المدارس الفكرية.

وفي حدود علمي ثمة مؤتمر (كونفرنس) أكاديمي واحد حول ثورة المشروطة سيعقد قريباً في لندن. ولو عنَّ لباحث طرح الفكرة في طهران حيث ولدت الثورة، لتعرض إلى تهمة «الغربنة». فالشعار الأهم ما يزال الموت للسافرات والموت لليبرالية.

ولو بحث المؤرخ عن مؤسس فكرة المشروطة، وهو محمد النائيني لما وجد اسمه في الذاكرة الرسمية.

ولوجد عوضاً عن ذلك طوابع بريدية تحمل صورة أكبر خصوم ثورة المشروطة، الذي انتهى إلى المشنقة لشدة دفاعه عن الشاه المستبد، وهو الشيخ فضل الله النوري.

هذا الالتباس التاريخي ليس حصراً على إيران، بل يكاد يعم العالم العربي والإسلامي، الكاره لتاريخه بالذات، الا إذا كان تاريخاً متخيّلاً ملمعاً بالرياء.

مع أن حركة المشروطة (1906) سبقت كتاب النائيني «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» بثلاث سنوات (صدر الكتاب بالفارسية عام 1909)، الا أن هدا الكتاب بات رمزها الفكري الأبرز، وهو شهادة على استجابة الفقه لمتطلبات العصر.

والواقع أن سجال النائيني يرمز إلى انقسام المؤسسة الدينية بين مؤيد للحكم المطلق (المستبدة) ومناصر للحكم الدستوري (المشروطة). والمشروطة هي الترجمة المحلية لكلمة الدستورية، وما تزال بعض أصقاع حضارتنا العربية الإسلامية ترفض كلمة الدستور باعتبارها بدعة وضلالة.

كما أن سجال النائيني ضد الشيخ فضل الله نوري يكتسي حتى هذه اللحظة أهمية راهنة، علماً أن النائيني إنما ينطلق من فقه العبادات وفقه المعاملات، أي ينطلق بالكامل من داخل علم الكلام والفقه الإسلامي، لا من خارجه.

فمثلاً إن فكرة شرعية الحاكم الدنيوي منزوعة تماماً في علم الكلام الشيعي، وهنا يستخدم النائيني هذه القاعدة لنفي الشرعية عن الحكم الملكي المطلق، باعتباره جزءاً من الحكم الدنيوي الفاقد للشرعية. ثم يلجاء النائيني إلى قاعدة المصلحة ليفاضل بين الحكم المستبد والحكم الدستوري، ليقول بما أن الإثنين يفتقران إلى الشرعية، وبما أن الإثنين قائمان كأمر واقع، فاختيار احدهما دون الآخر إنما تقرره المصلحة. والمصلحة (مصلحة الجماعة)

تتحقق في ظل الحكم الدستوري خيراً مما في الحكم المطلق.

ويمضي النائيني إلى فقه المعاملات ليخلص إلى أن انتخاب النواب كممثلين عن الجماعة، شيء يماثل عقد التوكيل لإبرام البيوع، والنكاح، وما شاكل.

ثم يعمل بعد ذلك على فتح الباب لحق مجلس النواب (مجلسي ملي) في التشريع، بالتماس قاعدة وجود مناطق فراغ في الحياة تتطلب تشريعات تكميلية.

ولنلاحظ أن كل الحجج التي سيقت ضد النائيني إنما تستخدم حتى يومنا هذا من رفض الانتخابات والتمثيل البرلماني، ورفض السماح لغير المسلمين بالترشيح والانتخاب (إعادة قاعدة أهل الذمة)، بل منع مجلس النواب من التشريع، لأن التشريع لرجال الدين وحدهم كممثلين عن الباري عز وجل.

لقد استطاعت ثورة المشروطة أن تجد حلاً وسطاً بين التراث والحداثة، بإيجاد برلمان منتخب مباشرة من الأمة، وتخصيص خمسة مقاعد للفقهاء، علماً أن المرجعيات الدينية كانت ترشح عدداً معيناً يختار منه البرلمان خمسة فقط، لا للقيام بالتشريع بل لإسداء النصح للبرلمان حول تساوق تشريعاتهم مع مقاصد الشريعة بعامة.

لقد أدى صعود الحرية الدستورية إلى إطلاق موجة عارمة ضد ذلك القسم من المؤسسة الدينية الداعم للإستبداد، فأعدم الشيخ فضل الله نوري. لكن التراجع عن الإنجاز دفع النائيني، مؤلف أول أطروحة دستورية في الفقه الشيعي، إلى سحب كتابه من الأسواق وحرقه، خوفاً من سورة غضب العامة التي جرى تأليبها عليه. وبذا أعدم النائيني فكرياً.

ولحسن الحظ فإن أول ترجمة عربية لكتابه صدرت من مجلة «العرفان» (صيدا-لبنان) عام 1933. وبعد قرابة 70 عاماً صدرت ترجمتان عربيتان أخريان، واحدة تحديثية (توفيق السيف) وأخرى محافظة.

لو استخدمنا مقولات النائيني، فإن كل الحكومات القائمة غير شرعية، والحكومة الدستورية (إقرأ: الديموقراطية) هي أفضل الخيارات من وجهة نظر المصلحة، والمصلحة تتحقق بانتخاب الممثلين مباشرة، دون وساطة، فيما لممثلي الجماعة الحق في اختيار عدد من المراجع الدينية للمشورة، لا للقيادة.

وبهذا المعنى فالتكملة الضرورية للنائيني يمكن أن تتمثل في اطروحات المجتهد محمد باقر الصدر، صاحب أطروحة دور المجتهدين كشهود، أي أن دورهم هو الإرشاد، لا الزعامة. ولعل اكبر استمرار للنائيني يجد التعبير عنه في مدرسة الإمام الخوئي، ومكملها العملي آية الله السيستاني.

ها قد مرت مائة عام منذ المشروطة، مائة عام من عزلة مقبضة خنقت فيها الدساتير الواحد تلو الآخر باسم ثورية مزعومة أو قداسة زائفة. ولم يكن من باب المصادفة أن يقدم أحد المؤرخين الدستوريين كتابه عن العالم العربي والإسلامي بهذا العنوان المؤلم: الدساتير في عالم لا دستوري.

فاتح عبد الجبار

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...