ماذا فعلت نساء سورية بالمتفرج التلفزيوني؟

17-11-2006

ماذا فعلت نساء سورية بالمتفرج التلفزيوني؟

 تحقيق ـ سعاد جروس :هل بدأت المرأة العربية تؤثر في صناعة الرأي العام؟ وهل الفورة النسائية في كتابة سيناريو المسلسلات السورية الأكثر شيوعا وشعبية في السنوات الأخيرة هي مما يمكن أن يدلل على أن المرأة صارت عنصرا مؤثرا في ملايين المتفرجين الذين يتابعون الشاشة الصغيرة بنهم؟ العدد الكبير لكاتبات السيناريو السوريات، في السنتين الأخيرتين، يمكن أن يكون مؤشرا على عهد جديد، لكنه أنثوي هذه المرة، في الكتابة التلفزيونية، قد يختلف جذريا عما قبله. فالنساء لسن عاشقات للسياسة ولا التاريخ والمواضيع الكبيرة الفضفاضة، لكنهن جريئات، متحفزات، وراغبات في خوض ما لم يكن للرجل طاقة به. ماذا فعلت نساء سورية بالمتفرج التلفزيوني في السنتين الأخيرتين، وأي تحول سجلنه في غفلة من مشاهديهم؟
للعام الثاني على التوالي تأخذ المرأة السورية مكانا لها في صدارة أعمال الدراما الاجتماعية، ليس فقط من حيث القضايا المطروحة وحساسيتها، وإنما في تزايد عدد النساء اللواتي اخترن كتابة السيناريو، ورحن يتنامين بشكل ملحوظ، بعدما استأثرت بساحة الكتابة الدرامية لأكثر من عقدين كاتبات لا يتجاوز عددهن أصابع اليد الواحدة. وأبرز هؤلاء الكاتبة والمخرجة رويدة الجراح التي اعتبرها الناقد ورئيس تحرير مجلة «فنون» سعد القاسم: «رائدة كاتبات السيناريو في سورية»، منوها بأن مسلسلها «الإخوة»، مثَّل العباءة التي خرج من تحتها الكثير من أعمال الدراما الاجتماعية السورية التي تناولت قضايا العائلة. كما نذكر أنيسة عساف وهند ميداني، اللتين تركتا بصمتين واضحتين على الدراما السورية بمعالجة قضايا المرأة والأسرة، ومكثت أعمالهما طويلا في الذاكرة، كتابة وإخراجا، لما تميزت به من خصوصية فنية متمايزة.
نساء بدون سياسة
لم يكن دخول المرأة الى مساحة الكتابة التلفزيونية «دخولا سياحيا أو ديكوراتيا» بحسب تعبير الناقد سعد القاسم، فقد كانت لها مشاركات مهمة. ومع أننا نتفق مع رأي قاسم، إلا أن الملاحظة الأبرز على سيناريوهات النساء، أنها لم تتصد للأعمال الضخمة كالتاريخية القديمة، أو التاريخ السياسي المعاصر. وهو ما نفاه هيثم حقي مذكرا بمسلسل «ذكريات الزمن القادم» لريم حنا، وأعمال أخرى تناولت القضية الفلسطينية، إلا أنه لم يملك إجابة حول عدم دخولهن حيز الكتابة التاريخية المتطلبة جهدا بحثيا، ربما يعزى إلى الوقت الطويل الذي تحتاجه هذه الأعمال، وأيضا لاتجاهات السوق التي تنحو إلى تكرار الأعمال الناجحة. وهو ما وصفه المخرج حقي بـ«طرق الطرق المطروقة» كمأخذ على كثير من الأعمال لهذا الموسم، وعزا إقبال المرأة على كتابة السيناريو الاجتماعي إلى عدم الرغبة في إيجاد اختصاصات جديدة في معهد الفنون المسرحية والنقد. فخريجو النقد أمامهم إما العمل بالصحافة مثل أي صحافي آخر غير متخصص، أو كتابة السيناريو، فيلبون حاجة سوق الإنتاج. وبالتالي فإن كتاب السيناريو غالبا يتعلمون من التجربة العملية، من دون أساس أكاديمي، وقلة منهم محترفون.
ردت كاتبة السيناريو كوليت بهنا، مسألة عدم تصدي المرأة للكتابة التاريخية وندرة خوضها المواضيع السياسة إلى التشكيك بقدراتها في هذا المضمار. فقد لمست بهنا، أثناء كتابتها مسلسل «حكايا الليل والنهار» عن أفكار محمد الماغوط، ان المخرج كان يوكل الحلقات ذات الموضوع السياسي لشريكها في كتابة العمل عماد ياسين. وتقول: «لكنني تمكنت من فرض نصي عليهم، وكتبت الكثير من المشاهد ذات الموضوع السياسي». في هذا الصدد، يتذكر سعد القاسم جملة كان يرددها أستاذ الموسيقى المعروف صلحي الوادي: «وراء كل رجل عظيم امرأة مندهشة»، ويتابع القاسم «وأنا أقول: وراء كل امرأة عظيمة عدد كبير من الرجال المندهشين». ومن المؤسف أن هناك عددا كبيرا من الرجال في ميدان العمل الفني، لا يثقون بقدرات المرأة الإبداعية، وإذا نجحت فلا شك في أنهم سيصابون بالدهشة.
هذه الدهشة رافقت عمل «فسحة سماوية» الذي كتبته ميا الرحبي، الناشطة في ميدان حقوق المرأة والمجتمع المدني، وعلى الرغم من طغيان قضايا المرأة على العمل، إلا أنه تعرض لقضايا أخرى كالاعتقال السياسي ومصادرة الحريات الشخصية، وحرية الصحافة، ضمن جملة من المشاكل ذات البعد السياسي. وقد كان العمل مدهشا حقا في تناوله لتلك القضايا الحيوية. فنسمع الصحافية الموظفة في صحيفة حكومية، ترفض الانصياع لأوامر رئيس التحرير القمعية، وتعيره بارتباطاته مع المخابرات، وتهدده بأنه إن لم ينشر ما تكتبه ستنشره على الانترنت. بالإضافة إلى طرح أسئلة من قبيل، ما الخطر الذي يمثله شاب صغير على السياسة حتى يعتقل 18 عاما؟! كما يرصد اعتقال فرقة موسيقية، لأنها تقيم حفلا في حديقة عامة بدون ترخيص، إلى غير ذلك من أحداث وقصص مطروحة على بساط النقاش في الشارع السوري ما بين المعارضة والسلطة ووسائل الإعلام، وأدت إلى اعتقال العشرات من المعارضين السوريين. يكمن سر الدهشة التي أثارها عمل «فسحة سماوية» في بحثه هذه القضايا الجادة والخطيرة بشفافية أنثوية مرهفة، أضافت إلى رصيد كاتبة السيناريو السورية بعدا أكثر وضوحا، ورؤية وأكثر تبلورا حيال جملة من القضايا التي تؤرق راهن السوريين وربما العرب.
السنة الأخيرة ضربت أرقاما قياسية
منذ بداية التسعينيات، بدأت بالظهور أعمال الكاتبات أمل حنا وريم حنا، ومن ثم دلع الرحبي وميا الرحبي وكوليت بهنا، وقد أخذت تلوح في الأفق تباشير سوق درامي سوري سيشهد اتساعا مع انطلاق البث الفضائي العربي. ويمكن القول إن ما أنتجته سورية منذ افتتاح التلفزيون السوري 1960 ولغاية عام 1990 (50 مسلسلا تقريبا حسب قوائم موقع فنانون)، لا يتجاوز ربع ما تم إنتاجه من 1990 ولغاية عام 2006، (200 مسلسل تقريبا) منها 45 عملا أنتجت هذا العام، من الصعب تجاهل الحضور النسائي فيها كتابة وإخراجا.
من الطبيعي إذا التحدث عن فورة أنثوية، تتبدى في عدد النساء الكاتبات مرفقة بنكهة ناعمة وحارة وجدية مع تنوع ملحوظ في موضوعاتهن. فجاءت نصوص كوليت بهنا الساخرة لتتناول الهم السياسي والاجتماعي، في العديد من المشاهد الكوميدية من خلال مسلسل «بقعة ضوء». كما جاء مسلسل «ذكريات الزمن القادم»، لريم حنا وعرض إثر غزو العراق عام 2003، ليبلور رؤية وموقفا سياسيين من التحولات الجارية في المنطقة، وإشارة صريحة إلى الجهاديين وحركة التدين المتنامية في المجتمع، بالتوازي مع تنامي ظواهر أخرى غريبة كعبدة الشيطان. شكل هذا العمل مفاجأة للمشاهدين، إذ تناول في حلقاته الأخيرة سقوط بغداد، قبل انقضاء عام على الحدث. ويكاد يكون العمل الطويل الوحيد الذي كتبته امرأة منذ عام 2000 ولغاية الآن، واستطاع رصد تداعيات الأحداث السياسية والتحولات الناجمة عنها في المجتمع.
تميزت الكاتبات السوريات باهتمامهن بالموضوعات الاجتماعية العامة والشبابية، فكتبن عما يعرفنه وعشنه وعايشنه، وحققت أعمالهن نجاحا لافتا على المستوى العربي كمسلسل «عصي الدمع» للكاتبة دلع الرحبي (عرض العام الماضي) بتصديه للعديد من القضايا الحساسة، مما شكل مفاجأة للجمهور، بمقاربته موضوع التدين من خلال ظاهرة «القبيسيات»، ومسألة القوانين والشرائع المتعلقة بالأحوال الشخصية للمرأة، وسواها من القضايا الإشكالية، من دون أن يسقط في فخ المباشرة. وعلى الرغم من جرأته العالية حافظ المسلسل على رشاقته في الطرح ومتعة المشاهدة، وكان هذا سر نجاحه وتقبل ما حمله من إدانات قاسية للمجتمع. كما برز أيضا مسلسل «أشواك ناعمة» لرانية بيطار، وكان لبساطة هذا العمل سواء من جانب تركيزه على حياة المراهقات، أو الإخراج الذي قامت به رشا شربتجي، دورا في استساغته من قبل جمهور عريض، وجد نفسه وجها لوجه مع مشاكل خاصة جدا تعيشها المراهقات، مؤكدا الخصوصية النسوية في النص والإخراج، بدخوله في دقائق حياتية يصعب على من لم يعشها أن يلتقطها بمثل هذه الرهافة.
ومع أن معظم كاتبات السيناريو لا يفضلن الحديث عن خصوصية نسوية للنص، إلا أن كوليت بهنا ترى أن كتابة المرأة في الدراما «أكثر تأثيرا لأن المرأة هي الأكثر تأثرا، وعلى عاتقها يقع العبء الأكبر من المشاكل الاجتماعية، وهي الأكثر تمثيلا لنبض الشارع، ومثلما هناك أشياء يعيشها الرجل ولا تعيشها المرأة، فالعكس صحيح أيضا؛ كالعطر الرجالي والعطر النسائي، قد ينتميان للزهور ذاتها، لكن لكل منهما خصوصيته، ومن الطبيعي أن يظهر هذا الاختلاف في نصوص المرأة».
المخرج هيثم حقي كانت له تجربة هامة مع الكاتبات، رفض تصنيف النص وفقا للجنس، التصنيف الوحيد هو الجودة، فالنص إما جيد أو متوسط أو سيئ، من دون أن ينكر خصوصية ما تكتبه النساء من حيث "«الحساسية العالية في التقاط دقائق الحياة اليومية»، مشيرا إلى سمة عامة تكاد تميز نصوص المرأة وهي «مسحة الحزن واليأس»، ولها انعكاس إيجابي في خلق حالة تعاطف مع الحالة الدرامية.
شكلت معظم القضايا الاجتماعية المطروحة أهمية للشباب خصوصا، وليس المرأة تحديدا. يظهر هذا في «شاء الهوى"، العمل الأول للكاتبة يم مشهدي التي لا تعترف بخصوصية نسوية لما تكتبه في الدراما، فالنص هو النص، وقد ينجح الرجل في التعبير عن المرأة أكثر من المرأة ذاتها، ولا يجب أن يحاكم "العمل الفني استنادا إلى صفين خلايا". لافتة إلى أن ما شهدته الدراما هذا العام هو تدفق روح شبابيه أعطاها جرعة حيوية. وذهبت مشهدي في عملها بعيدا ما اضطر الرقيب للتدخل بالحذف والتعديل. والرقيب هنا ليس جهة بعينها، فقد يكون المنتج أو العارض أو حتى المخرج ذاته، فالمحاذير الاجتماعية أشد وطأة من أية محاذير أخرى. ومن ضمن الموضوعات التي تناولتها وجرى حذفها موضوع العذرية، وكيف تضطر طالبة جامعية لإجراء عملية رتق قبيل زواجها من شاب آخر غير زميلها في الجامعة الذي تحبه. المفارقة أنه ورغم انتشار هذا النوع من العمليات، لا يزال مجتمعنا الشرقي يرفض الإقرار بها، وبالتالي من الصعب تمريرها في أي عمل درامي بسلاسة دون تغطيتها بركام من الإحساس بالذنب والفجيعة. ولعل هذا ما ميز أعمال الشباب هذا العام الذين استفادوا من الفورة الإنتاجية وزيادة الطلب في السوق على الدراما الاجتماعية، ليتحدثوا عن همومهم من وجهة نظرهم، لا من وجهة نظر المجتمع، فما يراه المجتمع خطايا مميتة قد يعتبرونه أبسط حقوقهم التي يتناولونها سرا أو علنا، ولا يناقشون أحقيتها بقدر ما يناقشون نتائج عدم إقرار المجتمع بها.
الكاتبات أكثر جرأة
في هذا الخصوص، بدت الكاتبات أكثر جرأة في مكاشفة المجتمع من خلال الدراما، لا سيما يم مشهدي، ربما بحكم تجربتها فهي خريجة معهد النقد، وعملها في الصحافة أكثر من عشر سنوات. تقول إنها وجدت «الدراما الوسيلة الأفضل لإيصال أفكارها إلى أوسع جمهور ممكن»، وما كتبته للتلفزيون لم يكن من الممكن مقاربته في الصحافة، لأنها كانت تكتب بالثقافة والسياسة، بينما عملها تعرض لقضايا الشباب في المرحلة الجامعية والحالة السديمية التي يتعرض لها، وما يواجهه من مشاكل كثيرة يرفض المجتمع الاعتراف بها. والانتقادات التي وجهت للعمل هي دليل على معارضة التصدي لهكذا مشكلات، بحيث جرى اتهامها بالتعميم فقيل: «في مجتمعنا لا يحدث هذا» في ما يخص انتشار الحشيش والعلاقات الجنسية... وخلافه.
أما عمل «ندى الأيام» الذي عرض قبيل الموسم الرمضاني، فلم يكن أقل جرأة في ملامسته للتابوهات الاجتماعية، مضافا إليها السياسية، مع ما يلاحظ محاولة من نأي المرأة عنها نوعا ما. اشترك في كتابة هذا المسلسل، عدد من الكاتبات مثل كوليت بهنا ونور أتاسي ولبنى مشلح وهدى كبة. وقد نوه المخرج هيثم حقي بالنصوص الثلاثة لكوليت بهنا، والتي تعرضت في إحداها لقضية سياسية بحساسية عالية. إلا أن كوليت تعتقد أن المشكلة تبقى في تسمية الأشياء بأسمائها، فالدراما لم تصل بعد الى درجة من الحرية والجرأة تجعلها تتحدث بصراحة. وما زالت الكتابة في ما يخص السياسة تتسم بالتعميم، ومع ذلك تعتبر جريئة. بينما هيثم حقي من زاويته، لم يعتبر أن الدراما السورية لهذا الموسم عموما طرحت جديدا على صعيد الجرأة، فقد كسرت الدراما السورية منذ عام 1989 كثيرا من المحظورات التلفزيونية والاجتماعية، أما «الجديد فتمثل في المعالجة والأفكار الطازجة، ولوحظ ذلك في نصوص الشباب والصبايا».
في حين كان الأهم في الدراما برأي كوليت، هو الرسائل التنويرية الممكن أن تحملها، فهي الوسيلة الأسرع والأكثر انتشارا، ورغم ما حققته من رواج لم تصبح وسيلة تغيير، فهناك من لا تعجبه الأفكار التحررية، فيحرمون أولاده من رؤيتها وبالأخص الفتاة كونها الأكثر استعدادا للتفاعل. وتشير بهنا إلى أن قلة قليلة من الأعمال تُحدث تأثيرا وتحرك الشارع. وبشكل عام تمر المسلسلات مرور الكرام كفرجة مسلية لبعض الوقت. وكوليت التي جاءت من الأدب والصحافة الى الكتابة التلفزيونية، تقول بصراحة أنها رغبت أولا بخوض هذه التجربة ووجدت أنها قادرة على ذلك، وهي تبذل في عملها جهدا كبيرا جدا. وثانيا، هي مصدر دخل ممتاز، مع أن الكاتب ما زال الحلقة الأضعف في عملية الإنتاج، والحصة الأقل من نصيبه. أما مسألة الحرية فلا حرية للكاتب برأي كوليت إلا بالكتابة الأدبية، فـ 90% مما يمكن كتابته بالأدب، لا يمكن كتابته في السيناريو المحكوم بشروط كثيرة ومعقدة للدراما التلفزيونية العربية عموما. وأيا كانت الآراء، سلبية أو إيجابية أو متحفظة، في ما تقدمه المرأة في مجال الكتابة التلفزيونية، فإن تجربة «المرأة السيناريست» السورية، تدعو للتفاؤل بقدر ما تدعو للفخر، بالقدرة على خلق شيء متميز من أشياء غائمة ومعتمة وشائكة، بل ومحظر الاقتراب منها، وتبرهن على أن المرأة لا تنافس الرجل، وإنما تحتل مكانا كان شاغرا من قبل، تحتله اليوم بصعوبة، لكن باقتدار وموهبة. وربما في مساهمتها النبش داخل مستنقعاتنا الشرقية، أمل في الكشف أيضا عن ذخائرنا الشرقية.


 

 

الجمل +الشرق الأوسط

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...