خلاصة كتاب نقيض المسيح "فريدريك نيتشه"

خلاصة كتاب نقيض المسيح "فريدريك نيتشه"

فلنخطو خطواتنا بحذرٍ نحو مسائلة الفكر النيتشويّ المُعقَّد الصَّعب على من يسكنون في الحفر والبرك، والأسهل ولو بالقليل على من يُفضًل السكن عاليًا في القممِ، من يرى بوضوحٍ ويشعر ويفكِّر بنقاوةٍ لامتناهيةٍ، أكثر من جميع أولئك الّذين يعيشون في الحضيض ويستنشقون هواء الزَّيف النَّتن وأنظارهم إلى التراب والوسخ، أنظارٌ لا ترجو في ذلك عُلُوًّا و أيُّ عُلُوٍّ؟ عُلُوُّ التأويلات والقِيَم الحقيقيّة التي يريدها فقط سكَّان الجبال.يريد نيتشه إيهامنا بأنَّه هو نقيض المسيح الحقيقيُّ وحده من دون أنْ ينازعه على هذا اللَّقب أحدٌ، ليس مجرد عدوٍّ للمسيح أو من أضدادٍ كُثُر بل بعبارة أخرى كونه ذاك الإله الثاني الحيّ ومحب الحياة ضد ذلك الميِّت والمصلوب حسبه ولا بديل غيره، هو لا يريد أن نعبده ونقدسَّه، هو يريد فقط قلب القيم واسترجاعها بعد أن قلبتها المسيحيّة رأسا على عقب أثناء طلوع شمسها كما يزعم.

 فكيف إذًا فَهِم نيتشه المسيحيّة؟ وهل كانت تمثِّل عنده مثالًا واحدًا منذ ميلادها أم طرأ عليها التغيُّر والمصالح والغايات المُلفَّقة؟ وهل كان المسيح نفسه هو مسيح الإنجيل أم أنه هو كذلك قد تشوَّه بمفاهيمَ كهنوتيّة ومراوغاتٍ كتابيّةٍ إنجيليّةٍ كانت جديدةً كليًّا عن ما دعت إليه تعاليمه.ما رأيُ نقيض المسيح في أخلاق المسيحيّة ومؤسسيها مع بيئتها التي نشأت فيها؟ وهل أوصافه وشتائمه القاسية تلك كانت مُجرَّد مبالغاتٍ أو حقدٍ نتج من فيلسوفٍ مُلحدٍ كما يعتقد البعض؟ أم إحالات وإيحاءات على حقائق أعمق؟ هل كان هذا الكتاب لا يعدو عن مجرَّد فراغٍ تسبح فيه الانفعالات كما رأى بعض المتخصِّصين أم أنَّه يُعّد من أهم الأعمال قيمةً كما قال النصف الآخر؟

ذلك ما سوف نراه حول هذا الكتاب الذي لا يتجاوز 160 صفحة من منشورات الجمل بترجمة علي مصباح في مراجعة وخلاصة تفسيريّة لأهم ما جاء فيه حسب ترتيب منظَّم؛ لإدراكها أكثر.


الحقيقة الدينيَّة

لقد تكررت كلمتا الحقيقة مع النّزاهة مرات عديدة في هذا الكتاب بشكل يلحظه كلُّ قارئ، غير أنَّ نيتشه لم يكن مضطرًا للتحدُّث عن الحقيقة أو محاولة إعطاء تعريفٍ محدَّد لها فهذا ليس بالشّأن المهم في كتابه، كما أنّه استحاليّ أيضًا، فالحقيقة واليقين والمطلق كلُّها مسميات لا طائل من تحديدها، عصيّة على الإدراك الكليّ.

لقد بَيَّن نيتشه في نقيض المسيح كيف يتم جعل الخيال والهلاوس تبدو على صوابٍ بينما هي على عكس ما عليه، تُقدَّم على طبقٍ مسيحيّ بصفتها حقائق وأجوبة، ويجعلها الطُّهاة أطباقًا يتناولها البسطاء بصفتها الحقيقة الوحيدة دون غيرها أو كما تهيّأت لهم، إضافةً إلى كيف يجبرونهم على النّظر فقط إلى مائدة الطّعام المسيحيّة مبتعدين عن أيِّ محاولةٍ لرفضها والالتفات لغيرها، أمَّا مصير الشخص الّذي يفكِّر في الذهاب إلى موائد غيره ويهجر الطاهي المسيحيّ فإنّه قدرٌ لن يسلمَ أبدًا من لعناته وعقباته الّتي تعترضه. إنّ الحقيقة التي تقدِّمها المسيحيّة لمؤمنيها تأتي على شاكلة خماسيّ من المفاهيم غير القابلة للإنكار، كالآتي:

– الإيمان: مُجرَّد اعتقادٍ حسب نقيض المسيح على أنّ هناك شيء يدعى حقيقة -أي أنّه ليس حقيقة في ذاته بل زعم فقط -وأنَّه مع الكذب سِياَّن لا فرق بينهما؛ فمن حجج المؤمن على أنّ الإيمان يؤدي إلى الحقيقة أو أنّه بذاته حقيقة، الحُجَّة الأولى ومفادها جعل الإيمان يؤدي إلى السعادة وتبعا لذلك هذا دليل على حقيقته، إنَّ نيتشه يرفض أن يكون الإيمان يؤدي للسعادة؛ لكنَّه يفترض صحة ذلك ليذهب إلى نتيجة نافية وداحضة لهذا الرأي، فما دامت السعادة مشروطة بالإيمان على افتراض صدق قولهم فهل السعادة دليل على الحقيقة؟ لا يمكن ذلك بل حتّى أنّ الحقيقة مشروطة بالتّعب والإرهاق والبؤس فالإنسان الّذي يريد أنْ يصل إليها عليه أن يضحي بالكثير بما في ذلك سعادته ويصارع لأجلها، وبهذا فإنَّ حجَّتهم عكسية فما دام الإيمان يجلب السعادة فهو مجرد كذب.

الحُجَّة الثانية عند البعض هي الدَّم أيّ الاستشهاد بموت الشهداء، الشهداء المسيحيون الّذين ماتوا فداء الإيمان المسيحيّ ليسوا أكثرَ من دليلٍ على صحَّته، وهنا يقول نيتشه أنَّ الأمرَ لا يعدو إلاَّ أن يكون كارثةً وسخف؛ لأنَّ الموت لأجل أمرٍ مُعيَّن لا يقيم الحُجَّة على الحقيقة ولا يثبتها، وإنَّما سَفْكُ الدَّمِ يجعلنا بعيدين عن روح التَّقصي والتدقيق والبحث، قريبين فقط من التشدُّد، إنَّ جميع الّذين اضطهدوا الشهداءَ كان الأجدر بهم لو تجاهلوهم فقط بدل أن يمنحوهم قيمة التعامل معهم وهم بذلك ساهموا في تثبيت حقائق أولئك الشهداء المزيّفة لا غير.

-القناعة: هي مع نفس مستوى الإيمان أيّ الاعتقاد بأنَّ هذا حقيقيّ وذاك لا. بكلِّ أريحية وبديهيات، القناعةُ سلسلةٌ طويلةٌ من تشكلات الإيمان والهلاوس تمرُّ عبر أنبوب الكذب لتصبح في الأخير على شكل موافقة لجميع الأكاذيب الماضية الّتي تشكلت عبر الزمن متحولةً لقناعةٍ، هنا يصبح صاحبها مجرَّد متعصبٍ ضيِّق الأفق ومنحازًا يرى الحقيقة فقط حسب ما اقتضاه عليه إيمانه القنوع. 
-الأمل: إنّه كذلك يزيِّف الحقيقة ويجرُّ الشّخص إلى عالم غير واقعيّ بعيدًا عنها وعن موضوعيَّة الحياة ومواجهتها كما أنَّه مجرَّد سند للبائسين ومقبلات رخيصة لكلِّ المؤمنين الّذين يصدقون الكهنة.

-المحبة: إنَّها تعمي العين عن الحقيقة فلا عجب في مقولة أنَّ الحبَّ أعمى، وتجعل الإنسان مكتفيًا بما يُقدَّم له من أطباق دينيَّة تُطبخ بتوابل ومكونات محددة ثابتة باقية غير متغيّرة للأبد، مخدِّرًا بهذه المحبة التي تجعله يقبله بأيّ حقيقةٍ موهمةٍ ويشيح بنظره لا إراديًّا عن ما يجدر أن يكون منطقي.

-الوحي: فالوحي قد جاء لأنَّ العقل قاصرٌ على إدراك الحقيقة الكليِّة حسب هؤلاء الطهاة وبهذا فإنّنا حتى مع استعماله لا يمكننا الوصول إليها، الحقيقة عند الله فقط وعندهم -أي المخولين باستلامها منه-. إنَّ حقيقتهم حسب نيتشه مجرد كذب على الإنسان والعقل والحياة.

إنّ نشر الأباطيل حول الحقيقة كشبكة عنكبوت لا يسلم منها أحد تجعل من الجميع مخدرًا ومشلولًا ليس عن الحركة بل عن استعمال الحسّ والعقل الصَّحيح ومن هذا الذي يمكنه معرفة هذه الأوهام غير نقيضِ طهاةِ الوهمِ، فيلسوفنا اللَّامسيحيّ وجميع من يفكر مثله.


الأخلاق المسيحيَّة

إنّ تقييد الأخلاق العامة في تفسير محدَّد ليس بالأمر المهم فشرحها هو كالحقيقة عصيٌّ على المدركات واليقينيات، هذا إذا كان هناك حقًّا شيء يدعى أخلاق؛ فالأخلاق بحسب هذا الكتاب كما يدَّعي طهاتها هي تشريع إلهيٌّ يجدر بالإنسان أنْ يطبقه، فالأخلاق المسيحيَّة قائمة على عدّة جواهر فارغة مشتَّتة وملفَّقة أولها الشَّفقة الّتي تقوم أعمدتها عليها.

-الشَّفقة: إنَّها من دون جدوى هي عدميَّة نافية لا تحقِّق للمرء أيّ شيء سوى كبح جماح المشاعر التي تفيض بالحياة مثل الشجاعة والغضب، إنَّها تجعل الإنسان مُتعب وميّت سريريًا مثل جُثَّة، إنَّها تمتصُّ طاقته مثل حشرة، وبدل أن يوجِّه الإنسان طاقاته ومشاعره وألمه نحو تحقيق صحته ولذَّته يوجهها إلى أشخاص ضعفاء وفشلة قضت الطّبيعة والتطوّر على التخلّص منهم؛ لكنَّ هذا المُشفِق لا يريد شيئًا سوى التعاطف معهم وإبقاءهم في مسار الحياة وبهذا فهو كذلك لا يغدو إلَّا مثلهم مريضًا بعدوى الشفقة.

-المحبَّة: لقد قلنا سابقًا أنّ المحبَّة تحجب العين عن الحقيقة لكنَّها كذلك ضعف، هي نفسها التي جعلت يسوع المسيح يكفُّ عن مقاومة المسيئين إليه، إنّ المحبَّة تُعَبِّر عن كبح جماح الغرائز والمشاعر الحياتيّة التي تَحَدَّثنا عنها قبلًا والّتي كبحتها كذلك الشفقة، إنَّها سبيل للتساوي بين الناس وإعطاء حقوق للجميع، وهذا خطأ فكل شخصٍ ومركزه، إنَّها تقتل التراتب الطبقيّ اجتماعيًّا وطبيعيًّا وتجعل المنحطّين في مصافِ العلماء والأسياد، إنَّها كذلك وسيلة لقتلك فهي تجعلك تسامح وتتسامح بل وتعطي خدّك لمن يسيء إليك، تجعلك شبه ميت لا يُقاوم الشر ويبتسم للّذين يؤذونه فقط، إنَّ المسيحيّة قائمة على أخلاق المحبّة والرحمة التي تُكَرَّس نحو الناس بما فيهم العبيد السفلة، محبّة القساوسة، محبة المسيح، محبّة الملكوت باستثناء محبّة نفسك وغرائزك والحياة والنبلاء، كلُّ شيءٍ إلّا هذا، إنَّها محبة نافيّة وعدمية.

-الحقد: أمر يميِّز الأخلاق المسيحيّة حسبه، فالحقد والانتقام قد نشأ منذ موت المسيح على الصليب بداية من تلاميذه إلى الرسول بولس*، إنَّه هو ما يعطي المسيحيّة شراهةً وقوةً في التهام الإنسان، إنَّه حقد على كل ما هو قويٌّ وصحيٌّ وممتعٌ وحقيقيٌّ مع غريزيّ، الحقد على السَّادة والحقد على المتع الجسديَّة والحقدُ على نظام الطبيعة والحقد على سلامة العقل والجسد؛ فالمسيحيَّة تُكرِّس مفهوم المرض لتجعل الإنسان محتاجًا لها بتعاليمها ورجالها، إنَّ الحقد هو ما حدَّد تاريخ المسيحية برمَّته حسب نقيض المسيح وهو ما يحدِّد أخلاقها كذلك.

-التشاؤم: كل المصطلحات التي خُلقت من الخطيئة وضرورة التّوبة وشيطانية المادة ودناسة الأرض مقابل حياة العفَّة والإيمان والسماء والزُّهد، كلُّها مفاهيم كُرِسَّت لجعل المسيحيّ مجرَّد بائسٍ كارهٍ لحياته ولجسده ولغرائزه المُعطاة له من الطبيعة التي وجب عليه أن يستمتع بها إلا أنّ الأخلاق المسيحيّة أبت عليه إلا رفضها والتّذمر من هذه النِعم، فصار المسكين السِكِّير بهذه الأخلاق ينبذ الواقع والأرض ويطمح للسماء وعالم الزيف غير الموجود ذاك، يشعر بالذنب كلَّ حياته وبوخز الضمير الذي خلقته له المسيحيّة من أيّ أمرٍ صحيح باعثٍ للنشاط والقوة جاعلة منه خطأ.

-الخير: إنَّ الخير حسب الأخلاق المسيحيّة مشروط بإيمان معتقداتها التي طهاها القساوسة وطبخوها على نارٍ هادئة، إنَّ الخير هو كل ما يناقض الصِّحة والمُتعة وإرادة الحياة وتقدير الذات واحترامها وهي كلّ ما يقابل المرض والجمود وانتظار الآخرة وتقدِّيس الشخصيّات وتحقير النَّفس، إنّ الإنسان يجب أن يَخلِقَ فضيلته وخيره بنفسه من دون كل هذا الوهم والواجب غير الواجب أصلًا؛ لكنَّ المسيحيّة بالمرصاد دائمًا لتطلعاتٍ مثل هذه.

-تعظيم الجهلة والمنحطِّين: لقد أورد نيتشه عن ذلك اقتباسًا من آية أحد رسائل الرسول بولس اختصارها أنَّ الله قد أظهر ذاته كآخر شيءٍ للجهل وليس الحكمة فكلُّ حكمة العالم السابقة لم تستطع معرفته على وجه الحقيقة وبذلك فإنَّ الخطَّة قد صارت في أيدي الجُهَّال.إنَّ مثل هذا الأمر يثير القرف عند نيتشه، إنَّه استبدادٌ واضحٌ وتعالٍ على الحكمة والعِلْم من قِبَل أُناسٍ جهلةٍ قرَّرت الطبيعة إلغاءهم فلم يفعلوا شيئًا غير ردَّةِ الفعل النافيّة الّتي جعلتهم يلغون الحكماء والعلماء ويَتسيَّدون عليهم. أخلاق العبيد والبسطاء تقلب كلَّ التراتب والأدوار الاجتماعيّة ليصير السيِّد عبدًا والعبد سيِّدا عليه؛ إنّها الفوضى بحقٍّ ولا شكَّ أنَّها فوضى عظيمة جعلت من نقيض المسيح ينهض متصديًّا لها لقلب أدوارها من جديد وهو يرجو أن يعيد لها عصورها الذهبيّة المفقودة.

سُلطة القساوسة

أمور صارت قناعات وحقائق مثل: الإرادة الإلهيّة، النِّظام الأخلاقيّ الإلهيّ، الخلاص، القيامة، الغفران والعناية الإلهيّة والخلود، كلُّها مجرَّد اختراعاتٍ ابتدعها الكهنة ابتداءً من تلاميذ المسيح إلى الرسول بولس ثم ما بعده، ليس عن جهل ولا عن مبعث براءة بل عن كذب مُتَعَمَّد ليتمَّ تكريس سلطتهم الكاملة التي تُحقِّق الإرادة العدميّة الّتي تؤكد على حياة ثانية موعودة لن تتحقق على الإطلاق وتسحب المعنى من حياتنا، بل إنَّهم حتى لا يكذبون؛ لأنَّ الكذب يشترط معرفة الحقيقة وهؤلاء بعيدون كلَّ البُعد عن الحقّ والصواب.

إنَّ كلّ ما يقوله القسّ بشأن موضوع ما عليك أن تعكسه لتعرف حقيقته فكلّ ما يصدر عنه هو قلب للحقائق، إنَّ القسّ يأمرك بطاعة الله واحترامه وتنفيذ أوامره ونواهيه؛ لأنّه هو الإله نفسه الذي يريد منك تقديسه، إنّه يجعل من التاريخ مقسم ومتعلِّق بكل إيمانهم الدينيّ وتاريخهم المسيحيّ، كما يجعل من حياتك كلّها لعبة قائمة على ثواب وعقاب إلهه، إنَّه يسحب من الإنسان صلاحيات تحقيق واقعه وذاته بنفسه.

 إنّه يجعل كل أمر في الحياة متعلقًا به من أمور الدولة والعلاقات الاجتماعيّة والقضاء وحتى مراسيم الزواج، لا يمكنك أن تتزوّج إلا بحضوره ومباركته ليجعل لزواجك قيمة وشرعية، أمّا من يرفض الامتثال لكلِّ هذه التقييدات فهو ملعون وضدّ مشيئة الله.

لقد كانت الخطيئة مجرّد شمّاعة يعلِّقها القسّ على ظهور الناس لجعلهم خاضعين له، بائسين ومحتاجين له، عكس الممتلئين صحةً وعافيةً، لا يشجع القسّ الإنسان على حيازة العلم بل يفضِّل أن يكون هو المتعلِّم فقط حتى يسيطر على عقول البسطاء، إنَّه يجعل من الشكِّ والرَّيبة والسؤال ذنوبًا يجب أن ينال صاحبها السخط من الله لأنَّه تَعَدٍ عليه و إنَّ القس يحب الحروب حتى تجعل الإنسان بائسًا أكثر لا يجد وقتًا لطلب المعرفة والتفكير باستثناء الهلع والفقر الذي يجرّه على التقرب منه وطلب مغفرته.

إنَّ القسَّ يسجن الأخلاق و يلعب بها كما أراد سواء يخترعها أو يعيد تشكيلها وطهيها على نار المقدس والإلهيّات، كذلك يطرد الطبيعة من الواقع والجديّة والوجود، إنّه يجعلها دنسة موحلة ويخترع الكذبة السماويّة والملكوتيّة مؤكدًا أنّها مقدّسة وإلهيّة والوجود الحقيقيّ لا غير خيالات لم تكن حتى موجودة في الإنجيل كأمر وحتى الكنيسة كمثالٍ تلك السلطة المُختَرَعة من قبلهم ليحكموا قبضتهم بالعالم حسب زعم نقيض المسيح. إنّهم يكرِّسون أخلاق الضّعف والارتكاس والشفقة أمَّا الإيمان فهو مجرَّد غطاءٍ يتلحف به هؤلاء الكهنة والقساوسة ليحقِّقوا مصالحهم فقط تمامًا مثلما فعل لوثر* -مؤسِّس البروتستانتية- ذاك القسّ الذي حارب عصر النهضة الذي كان يوليه نيتشه قدراً كبيرًا من الاحترام مقارنةً بعصورٍ عدَّة، كذلك القديس أوغسطين* لقد كان من أكثر القدّيسيين الذين مقتهم وربَّما كما أرى فإن أوغسطين قد نال حصَّته من سخط وشتائم نيتشه في هذا الكتاب كونه من أول رجال الدّين الذين كرسوا مفهوم تأسيس الكنيسة كفعل وتمثيل من السماء، وكذلك ترسيخ صورة مدينة الله الفاضلة التي تقوم على أساسها أي تمزيق العالم إلى جزئين جزءٌ أرضيّ و جزءُ سماويّ الشيء الذي يحتقره فيلسوفنا ويعاتب عليه أفلاطون وغيرهم من الطوباويين في مؤلفات أخرى، وها هو أوغسطين الآن فيلسوف مسيحيّ قد جاء ليزيد الطين بلّة. إنّ الكهنة أو القدّيسين الذين هم على شكل فلاسفة، أو الفلاسفة المُشَبَعِين بمبادئ العلم، اللّاهوتيون الذين يخلطون الفلسفة لهم من أشد الأشخاص خطورة على البشريّة كما يعتقد نقيض المسيح ومن المُؤكّد أنّه أعدَّ أوغسطين منهم وكلّ من هم على شاكلته.

يستطيع القسّ فعل كل شيء ليُسَيِّر بعصاه العالم بما في ذلك ممارسة طقوس وثنيّة قربانيّة رمزًا للمسيح لا غير وتبنِّي معتقدات الشعوب الأخرى لتوجيه عصا الراعي إليهم وضمهم إلى المسيحيّة، أمّا النُّصوص والوثائق والكتب المقدّسة التي أوصلوها إلينا عبرهم والتي تُسمَّى موروثًا لا تعدو إلّا أن تكون مجرَّد نصوص أدبيّة لا يمكن للمرء حتّى أن يأخذها بجديّة ويطبِّق عليها المنهج العلمي.

وإنّه من السيء حسبي كما أرى أنَّنا لم نستطع رصد أنف بينوكيو ذاك، الأنف الخشبي الذي يطول كلّما كذب، كان القساوسة من دون أنوف على عكسه، فذاك الخشب قد اسْتُغِلَّ كلّه ببراعة لصنع صليب المسيح، لكنّ هاهو نيتشه الآن قد جاء ليؤكد لنا ضلالهم بطرق أفضل، ربّما بأنفه ذاك الذي مدحه في كتابه الأخير بعد موته (هذا هو الإنسان)، أنفه الذي لديه القدرة على كشف الكذب كما كان يقول، كذَّب الجميع بمن فيهم هؤلاء الطهاة ورائحة طعامهم.

المسيح

يبدو المسيح عند نيتشه عصيًّا عن منحه تعريفًا شاملًا أو شخصيةً واحدةً فقط لها من التوضيح ما يكفي لجعلنا نكتفي بيسوع واحد، غير أنّه مثل الحقيقة والأخلاق لا يمكن تعريفه على نحو دوغمائي. إنّ كل ما وضعه نيتشه عن المسيح لا يعدو إلّا أن يكون فرضيات يمكن أن تصيب باعترافه مع ترجيح الكفّة لأحدها على الأخرى، ناهيك اعترافه الثاني حول ما يحتويه الإنجيل من غموض وتناقض حول المسيح وكذلك قلّة اطّلاعه على المؤلفات التفسيريّة للإنجيل ودراستها.

إنّ المسيح قد تعرَّض لعملية تشويه وقص وكذلك زيادة، لقد بُتِرَت أطرافه وقُطِع لسانه وتمّ تركيب قطع جديدة له منذ موته معلقًا على الصليب، تلك كانت بداية المسيح الذي نعرفه الآن.لم يكن المسيح يريد تأسيس ديانة ولا حتى كنيسة بل كان متمردًا يحاول التمرُّد على السلطة اليهوديّة والطبقيّة، لقد كان بوذا ثاني يعيش في فلسطين لكن هذا لا ينفي أبدًا أنّه ظل يهوديًّا تسيطر عليه بيئته تلك وتقاليده، غير أنّه أراد التقدُّم خطوةً للأمام لخلق حياة من الممارسات والأفعال لمن يُقدِّرها، لقد أراد القول أن الملكوت قد يجده الشخص في ذاته وفي كلّ مكان يراه، غير أنّه كان يستعمل الرموز، لقد وصفه نيتشه على أنّه المرمز أي أنّه يجعل من الحقائق و الواقع مثل الأحداث والأوقات والأشخاص مجرّد أمثلة حياتيّة تخدِم ايحاءاته الباطنية والروحية تلك، أيّ بعبارة أخرى استعارات أرضية تخدم المعنى الرمزيّ السريّ.

لقد أراد مصالحة الإنسان مع الله والقول أنَّه جاء لذلك وبذلك فإنَّ كلّ المفاهيم حول الغفران والكفّارة والخطيئة قد أزيلت عن طريقنا، ليس هناك من شيء غير تطبيق الأفعال المسيحيّة التي كان يفعلها المسيح ويؤمن ويدعو إليها لكنها مجدّدًا ظهرت بعد موته على أساسه ناقصة وزائدة في وضعية واحدة، لقد منحنا المسيح الوصفة الأصليّة لكنّنا غيّرنا مكوناتها لوصفة أخرى.

لقد كان رحيمًا، لم يقاوم الشرّ و لم يرُدَّ الإساءة، لا مشاعر نافرة وغاضبة ولا ردَّات فعل ولا عقاب للأشرار باستثناء المحبّة، المحبّة تلك التي تعمي عن الحقيقة وتجعل المسيحيّ مشلولاً عن الدفاع عن نفسه، هذا ما كان المسيح يؤمن به التسامح والبقاء من دون دفاع، كان من البديهيّ جدًّا أنّه مات على الصليب من دون فعل أيّ أمرٍ يستحقه.

لم يهضم أتباعه عار موته ذاك كما رأى نيتشه، إنَّهم لم يتعبوا من تلفيق الأكاذيب على لسانه ولم يستطيعوا تقبُّل موته والأسئلة التي ستطرح عليهم حول مصيره الشائن، لقد أرادوا الانتقام لموته لكنّ أي انتقام هذا لا تأمر به المسيحيّة ولا تشجّع عليه بل تتبنى ضدّيته أي القبول بالإساءة، ما من حلٍ إلّا أن يخترعوا ديانة بأكملها قائمة على القيامة والخلاص بروح يهوديّة ويؤسِّسوا الكنيسة، وما جعل هذا كلّه مُتَحقِّق بشكلٍ رهيب هو بولس، ذلك الحاخام كما يلقبه نيتشه، ذاك الذي اخترع ديانة جديدة مناقضة للمسيح الأول والحقيقة. كلّ أكاذيب من كذبته الكبرى التي تسند على صلبه وموته كفَّارة لخطايانا وأنّه النبيّ المعلم الابن، كاسر شوكة الموت والقائم من الموت قد حيكت بمنتهى التخطيط والخبث، حتّى أنّ النبيّ محمد نفسه يراه نيتشه في هذا الكتاب قد اقتبس مفهوم القيامة القائم على المسيح من كذبة بولس المُفَضّلة.

لقد كان المسيح الأول عند نيتشه ليس كمثل المسيح الثاني المُخترَع لكنّ مع ذلك هذا لا يعفيه أبدًا من مساوئه -أقصد المسيح الأول نفسه- فحبُّه للمساواة ونبذه الطبقيّة، سكوته عن الحق وعدم الدفاع عن نفسه، ترميزاته تلك وحتّى ثورته على التمرُّد سلميًا واعتماده على الضعفاء والفاشلين ومنحهم أهميّة تثير الاحتقار في نفس نيتشه والأسوأ من كلّ هذا نسخته الجديدة الأكثر سوء؛ المسيح الثاني الّذي ليس لديه أيّ إيجابيّة مثل الأول على الأقل.

سنكون بعدها في فرضيّة أخرى يطرحها نيتشه جاعلًا من التناقض الذي عند الإنجيل هو تحت تأثير وبسبب تناقض المسيح نفسه فهو يدّعي إمكانيّة كون المسيح مشوّه أصلًا منذ البداية من دون تدخل أحد، لكنّه يُبعِد هذا الاحتمال لما فيه من تصديق الدقّة والصّدق في سيرته وتفاصيلها في كل قصَّة حتى معجزاته وبذلك أفضل احتمال هو افتراض عملية تشويهه من قبل اليهود مع غيرهم؛ فالإنجيل فيه من الحقيقة ما فيه من الكذب و المسيح كذلك، هناك يجتمع التناقض و الضدّية مسيح و إنجيل حقيقي ومسيح كاذب وإنجيل كاذب يسيران في طريق واحد، أراد نقيض المسيح شقه إلى شقين فهل نجح؟

المسيحيَّة المُتَهَوِّدة والبوذيَّة

إنّ المسيحيَّة ما هي إلا يهوديَّة بغطاءٍ جديد وإنَّ المسيح نفسه قد كان يهوديًّا فلذلك من الصّعب أن تقوم المسيحيّة من دون جذورها وأساساتها القائمة على اليهود ومعتقداتهم، لقد قَلَبَ اليهود كل القيم النبيلة والحقائق منذ قرون، فقد كانوا قبل يرون في الإله تعبيرًا عن قوتهم وتحقيقًا لحياتهم وتثبيتًا لغرائزهم، كانوا في عصور ذهبية حقيقة غير أنّ الفوضى بعدها وتغيّر عدّة أمور جعتلهم يبتعدون عن الإرادة الصحيّة، فكانوا إن ابتعدوا أيضًا عن الحياة المختلفة لدى الشعوب والحضارات واكتفوا بخلق إله واحد فقط، ليس حتى إله قوميّ خاص بهم، بل إله يدّعي أنّه هو الوحيد المضطَّهِد والنَّافي لآلهة الشعوب الأخرى والمنعزل عن الحضارة كذلك. لقد تمّ بلورته بشكل مختلف كليًّا عن ما سبق وغيره من الآلهة.
 لقد بالغوا في التشديد على مفاهيم ومصطلحات ساهمت في خلق أخلاق انتكاسية عدمية وحياة وسلطة نافية مثل ولادتنا عن خطيئة، ذنوبنا التي وجب أن تُكَفَّر بقربان أو بتوبة أو بأيّ بهتان، تبعيتنا للحاخام وسيطرته على كل مجالات الحياة من مجالات اجتماعيّة وسياسيّة وخصوصيّات، حتى صاروا يفسِّرون أيّ حدث حسب دعامة الثواب والعقاب أو العناية الإلهية، الله في كل مكان يراقبنا، إذا أُعجب بما نفعل فسوف يغدق علينا بالحلوى أما إذا شاغبنا فلن ننال غير الضرب على القفا، وما المسيحيّة إلا نهر نابع من بحر اليهودية نفسها، من نفس قساوستها وأرضها، غير أنّ البوذيّة كما يرى نيتشه هي نقيض المسيحيّة من عدة زوايا ونقاط.

-أولًا: إنّ البوذيّة ورغم أنّها تشترك مع المسيحية في عدّة نقاط مثل الانتقاص من العالم الحيوي ورؤيتها اللّذة كمصدر للألم؛ إلا أنّها أكثر قدرة على التشبث بالواقع والموضوعيّة من المسيحيّة، فالبوذيّة تعترف بالألم كحقيقة قائمة بذاتها في عالمنا وبهذا فهي لا تهرب من الحقيقة وإنما تمنحك فرص أو حلول لمحاربة الألم وهي تتغيّر حسب رغبة كلّ شخص، كما أنّها متبوعة بنظام صحيّ وحرّ، كالتجوال في العالم والتأمّل والتعقّل والاهتمام بالغذاء.. إلخ، غير أنّها ليست مقيّدة أمّا المسيحية فهي قائمة على ابتداع عالم ثانٍ غير حقيقيّ وحقيقة مزيفة، إنّها تخاف من الحقيقة والواقع كما هو من دون أي تجميل أو تشويه فتبتدع مفهوم الخطيئة التي تحلُّ محلَّ الألم فتؤلمك بطريقة غير مباشرة بل إنّها تحضُّ على الألم والأمراض للوصول إلى الله وتجعل حياتك جحيمًا، فلا حلّ إلا في تبعية القساوسة والتوبة وتنفيذ ما يقولون؛ لكنَّ على عكس زاوية نظر نيتشه إلى البوذية وصفعها للإله عن تجاهل، فإنّه قد غاب عنه كونها قد صارت بطوائفها بعد موت مُؤَسِّسها تستعمل نوعا من البوذية المؤسساتية أي المقيّدة وقد أُقحم حتى مفهوم شبيه بالملكوت في فِكْر أحد طوائفها لكن ما يهمنا في مقصده بعيدًا عن هذا هو المبالغة بالتَّقييد والصرامة كما تفعل المسيحيّة أكثر من غيرها.

 -ثانيًا: لقد قامت البوذيّة على عدّة فلسفات نتجت منذ قرون وهي لاإكتراثيّة، لا يهمها أمر الإله ولا تبديد الطاقة في الخوض فيه عكس المسيحية وليدة اليهودية التي قلبت كل القيم الصحيحة، حيث شاغلها الشاغل تكريس الإنسان لتقديس وخدمة الإله فقط. مجددًا وفي محاولة لمنح تضاد لرؤية نيتشه فإنّ هناك بعض طوائف البوذيّة لم ترتح إلا حين جعلت من وجود الإله ضروريّ مثل طائفة الماهاينا، ومجددًا لا يهم تصويبي هذا بقدر ما يهم ما أراد نيتشه قوله وهو الهلوسة بالإله حد فقدان الذات وهذا أمر نجده في المسيحيّة بشكلٍ أكثر مبالغة.

 -ثالثًا: إنّ البوذيّة لا تحتاج إلى الشّفقة ولا التدّخل في حياة الآخرين ومحاولة تصليح أعطابهم أو الانشغال بمشاكلهم، إنَّها تقول أنَّ تخليص نفسك من الألم لا يكون إلا عن طريقك أنت لا إله ولا روح ولا قدِّيس قادر على مساعدتك، فيها من الأنانيّة الإيجابيّة ما يساعدك عكس المسيحيّة التي تكترث للمحبة والشفقة والاهتمام بهموم الغير، وطلب الخلاص كذلك من القسّ والإله وتكديس مواجع الغير مع مواجعك، غير أنَّ ما خفي على نيتشه وللمرّة الثالثة أو ما تغاضى عنه هو وجود طوائف بوذيّة أخرى ترى ضرورة مساعدة القدّيس البوذيّ والإله نحو سبيل الخلاص من الألم مع سابقتها، وبذلك فمقارنة نيتشه يجتاحها التوتر والنَّقص قليلًا.

-رابعًا: إنّ الخير عند البوذيّة هو قيامك بوضع حياة صحيّة لنفسك وتخليص نفسك من الألم وكلٌّ حسب الطريقة التي يريد، لا إجبار ولا إكراه، على غرار المسيحيّة التي يكمن الخير فيها في عباداتها تلك التي تلزم حتى بالزُّهد والبتوليّة للانشغال بها.
-خامسًا: إنّ مشاعر الحقد على المخالفين والمتشككين أو اليقينيّة المطلقة التي تدل على التعصُّب غير موجودة في البوذيّة لكنّنا نعثر في المسيحيّة على كل هذه الأمور حسبه.

-سادسًا: وأخيرًا فإنّ ديانة وفلسفة بوذا تحتقر النزاعات الداخلية العنيفة، كما أنّها تهتم بالطبقة العليا من الحكماء والأقليّة الجيّدة عكس المسيحيّة التي بها سيادة النزاع والعنف والثورات الهمجيّة وكذلك أخلاق العبيد والمنحطّين الذين يعدّون أسيادًا على الحقّ.

لكنّ ما يبدو ظاهرًا بالنسبة إلى نيتشه هو أن يسوع كان يحاول أن يكون بوذا ثاني من دون رغبته في تأسيس لا بوذيّة ولا يهودية جديدة ولا مسيحيّة، غير أنّه أخفق بسبب تشويهه أو تناقضه الذي أفشله، خاصة أن روح اليهوديّة والأرض تلك التي كان فيها لم تشفع إلا في قيام ديانة على اسمه.


المسيحيَّة آلة تدميريَّة

إنّ البعد عن الحقيقة وتزييفها إضافة إلى صُنع أخلاق تقويّ الضعف والانحطاط على حساب القوة و الرفعة ، والعيش حالِمين بعالم ثاني مقلّد لن يأتي مهملين الأصليّ ،إضافة إلى تبعية القساوسة وأخذ كلّ كلامهم على أساس الواجب المقدّس والإلهيّ هو ما يجعل المسيحيّة آلة لتدمير كل ما من شأنه أن يُحَقَّق لإرادة التسامي بنا.

كذلك نبذ العلم والعقل والجسد بغرائزه، فإذا كان نيتشه يعيب على سقراط في مؤلفات أخرى له تفضيله وإعلائه العقل على الجسد فإنّ المسيحيّة لم تُفَضِّل لا العقل ولا الجسد بل الأكاذيب الكهنوتية ونبذ روح البحث والشكّ والمنهج العلميّ والتاريخيّ الذي بإمكانه أن يقيم حضارة من الأنقاض.

إنّ جعل الجميع متساوون يملكون نفس الحقوق هو تحطيم للتراتب الاجتماعيّ الطبقيّ، وإلغاء لمراكز وأدوار البشر المختلفة كما أملتها عليهم الطبيعة وما غنموا منها، إنّ كل أرستقراطية وتَسيُّد من الحكماء المستحقين للحكم قد ضاعت بفعل المسيحية.

كل هذه الأمور كانت من بين الأسباب التي عجّلت بسقوط الإمبراطورية الرومانية، تلك الإمبراطورية التي يراها نيتشه على أنّها أسمى مثال عن الحضارة الحقيقة، قد سقطت بفعل السحر الأسود للمسيحيّة وما تحتويه من تعاليم، فكلّ ما فعله الرومان واليونان وما احتوته الحضارات السابقة والذي كان مجرد بداية وأعمدة أساس سيكون لها مستقبلًا أكثر إشراقًا ونورًا قد ذهب أدراج الرياح بفعلها، وحتى الحضارة الإسلامية كانت تمثّل عنده أقصى مثال للحضارة التي تكرّس القيم الأرستقراطية والغريزية قد حاولت الحملات الصليبية طمسها مجددًا ومقاومتها. المسيحيّة نفسها هي المسؤولة كما فعلت بالرومان، لقد مزج نيتشه بين عمل الكنيسة الوحشيّ وبين تعاليم الإنجيل المناقضة لها وجعلها تاريخ دين واحد رغم خطأ الدخول في هكذا مخاطرة ومزج، كما أنّه جعل من الحضارة الإسلامية مثالًا على كلّ ما جاء في الإسلام حتى بطبقيتها ووضع مقارنة بينها وبين المسيحيّة بشكل مقارنة مجحفة حد منح الإسلام والمسلمين صكّ الصواب في تحقيرهم للمسيحية، كلّ هذا صبّ في محاولة منه لشرح تدهور الحضارة التي كان يفضلها بشكلها ذاك.

لقد جاء عصر جديد بعد هذا عند نيتشه هو عصر النهضة الذي يراه انتفاضة النُبل والحكمة وروح القوّة في وجه المسيحيّة وسيطرتها، غير أنّه عصر قد أخفق بعدها بسبب عودتها وانتعاشها مجددًا على يد لاهوتيّين متفوقين، والأسوأ من ذلك لقد كان الألمان دومًا ذلك العِرق الذي ينتمي إليه نيتشه لكن يحتقره؛ لما لهم من الأدوار في إسقاط الحضارة الحقيقية ما لهم أكثر من غيرهم، فمن لوثر إلى كانت* ولايبنتيز* اللّاهوتيين والفلاسفة والقساوسة والمسيحيّين الألمان قد ساهموا في مثل هذا التحطيم؛ أمّا الطّامة الكُبرى فكانت الثورة الفرنسية التي أكسبت هذه المفاهيم ثباتًا ومشروعيّة رغم غطائها العلماني الذي لم يشفع لها عند نيتشه.لقد جاءت الحداثة وصنعت رجلًا أوروبيًّا قد تناول بشراهة من الطعام المسيحيّ ما يكفي لجعله يلفظه على شكل مخلَّفات يرفضها نيتشه بشدَّة، بقايا دينيّة مثل الأخلاق الضعيفة والتعاطف والمساواة والجهل. لقد أراد نيتشه أن يلغي المسيحيّة وباقي هذه الحداثة كذلك لكن أيّ وسيلة تمكنه من ذلك باستثناء أن يجعل نفسه بديل المسيح ونقيضه .
خاتمة:

سواء أصاب نيتشه في رؤى أو أخطأ في رؤىً أخرى، وسواء كانت نافذته التي أطلَّ منها تُطلُّ على بحر النزاهة أو بحر التحيّز فكلُّ ذلك يعتمد على تبني فرضياته حسب قابلية بعض الأشخاص ومقدار تسليم عقولهم كليًّا إلى قبضته وفلسفته؛ لكنّ ما يهمني هنا هو شرح أهم ما جاء في هذا الكتاب كما فهمت بالتصويب على مقاصده وإعادة إحيائها بشكل يُسهّل إدراكها؛ ففريدريك نيتشه هذا يستحق أن يُلتفت إليه لمعرفة مآخذه على المسيحيّة على الأقل حتى نفهَم و نُفهِم غيرنا إذا كان ذلك في المقدور، مع محاولة عمل موازنة بين آرائه وبين آراء خصومه كأقل هدف نحو الموضوعيّة والحقيقة، وأنَّه بذلك كتابٌ صادرٌ من روحه الألمانيَّة يستحق أن يُفتح على مصراعيه ليُقرأ سواء من قسّ أو عربيد، كتاب أراد منّا صاحبه أن نقرأه ونحن نتخيله نقيضًا للمسيح جهلةً كنَّا أو حكماء، هواةً أو متخصصين، ما يهم هو أنّ التنفس في الأعالي تحدٍ نستطيع فعله و أيُّ تحدٍ جميل هذا؟

 

 


المحطة