تلزيم الحج لـ«موانئ دبي»: السعودية ترعى التطبيع الإماراتي

لطالما مَثّل حجّ فلسطينيّي الـ 48 إلى مكة ورقة مناورة في المعارك السياسية الداخلية. فمن جهة، قامت الأحزاب العربية واللجان والوجهاء بدور في هذا الملف الذي يُعدّ الأردن لاعباً مركزياً فيه؛ كونه هو الذي يمنح المسلمين من فلسطينيّي الـ 48 جوازات سفر أردنية مؤقتة يتسلّمونها بمجرّد وصولهم إلى المعبر البرّي الأردني عبر معبر «ألنبي» الإسرائيلي، ومن هناك يسافرون برّاً إلى مكة. غير أنه منذ فترة، فرضت الرياض شروطاً صعبة، معترضة على أصل دخول هؤلاء إلى أراضيها بجوازات سفر أردنية مؤقتة.

الاعتراض السعودي غير المبرّر فَسّره استغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذه الفريضة المهمّة بالنسبة إلى المسلمين ليعلن قبيل آخر انتخابات «كنيست» في شباط/ فبراير الماضي، وكجزء من حملته الدعائية، أن تل أبيب والرياض ستتوصّلان إلى اتفاق يُسمح بموجبه لفلسطينيّي الـ 48 من المسلمين بالحجّ إلى مكة عبر السفر جواً من «مطار بن غوريون»، والدخول بجوازات السفر الإسرائيلية التي يحملونها. لكن على إثر إعلان توقيع «اتفاقيات السلام» بين تل أبيب من جهة، وكلّ من أبو ظبي والمنامة والخرطوم أخيراً من جهة أخرى، أبدت الإمارات حماستها لتدشين ممرّ بحري ينطلق من مدينة إيلات ليصل إلى السواحل السعودية قبالة مدينة جدة، لكي يستخدم في تسيير قوافل الحجّاج والمعتمرين من فلسطينيّي الـ 48. وبحسب صحيفة «إسرائيل اليوم»، فإن الوفد الإماراتي الذي زار إسرائيل أخيراً، وتجوّل في عددٍ من المناطق، بينها إيلات جنوب فلسطين المحتلة، بحث مع الإسرائيليين إمكانية إقامة المشروع البحري، مبدياً حماسته لتنفيذه.

ولم يكن الوفد الإماراتي مؤلّفاً من رجال أعمال فقط، وإنما ترأّسه رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ»شركة موانئ دبي العالمية»، سلطان أحمد بن سليم. وفي ذلك دلالة على الاهتمام الذي توليه أبو ظبي للمشروع؛ إذ إن «موانئ دبي» تُعدّ واحدة من أكبر شركات الشحن البحري على مستوى العالم، وقد رافق بن سليم في زيارته لميناء إيلات، حيث التقى مدير الميناء جدعون غولبر ومالكه شلومي فوغ، وفدٌ من رجال الأعمال الإماراتيين. وفي التفاصيل، فإن «سفن الركاب سترسو في ميناء إيلات، ويمكن للمسلمين من فلسطينيي الـ 48، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، السفر عبرها للحجّ في مكة، حيث من المفترض أن تصل إلى جدة التي تبعد 70 كيلومتراً عن مكّة فقط».


ونقلت الصحيفة العبرية عن غولبر قوله إنه «قريباً، ستكون هناك زيارة من قِبَلي أنا وطاقم ميناء إيلات للإمارات، على أن نجري في الأيام المقبلة جلسة عبر الاتصال المرئي». وعلى ما يبدو، فإن في المشروع فوائد إسرائيلية جمّة، وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت قطاع السياحة ومجمل فروع الفندقة، إثر تفشّي فيروس «كورونا» في إسرائيل. وفي هذا الإطار، رأى غولبر أن «حركة المسافرين من إيلات إلى السعودية يمكن أن تفيد وتُعزّز السياحة، وخاصة بعد تضرّر الأخيرة في إسرائيل عامة وفي إيلات بشكل خاص». وأوضح أن «الرحلة تُعدّ قصيرة جداً، كما يؤمّن المشروع نحو مليونَي مسافر سنوياً، ما يؤثّر إيجاباً على السياحة والاقتصاد في إيلات بشكل خاص».

علاوة على ذلك، ذكرت الصحيفة أنه سيُبحث في وقت قريب تشغيل خطّ بحري تسافر عبره سفن الحاويات التجارية بين ميناء إيلات وميناء جبل علي في دبي، في رحلة تستغرق حوالى عشرة أيام. ليس هذا فحسب، وإنما ستُصدّر إسرائيل الخضر والفواكة التي يزرعها المزارعون الإسرائيليون إلى الإمارات عبر سفن مبرّدة، «وخاصة أن الوفد الإماراتي معجب بالإنتاج الزراعي الإسرائيلي الذي سمع كثيراً عن جودته».


الإمارات تنتقم لحاييم ياسكي!

ألف طبيب وباحث وممرّض إسرائيلي من المتوقع أن ينتقلوا من مستشفى «هداسا - عين كارم» الإسرائيلي في القدس المحتلّة، للعمل في فرع جديد للمستشفى ذاته يُبحث افتتاحه في دبي. هذا ما كشفه مدير المستشفى، زئيف روتشتاين، في تصريحات نقلتها مجلة «غلوبس» العبرية. روتشتاين، الذي زار الإمارات أخيراً، أعرب عن تأثره بأن صيت المؤسسة الإسرائيلية وصل إلى دبي، قائلاً: «يريدون (في دبي) نقل هداسا إليهم... لم أستطع أن أحلم بذلك حتى! أنا متأثر جداً لليوم الذي سيتحقق فيه ذلك». وأوضح أن افتتاح فرع آخر لـ«هداسا» في دبي لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من المفاوضات، لكنه تحدّث أيضاً عن «المعدّات الطبيّة المتطورة التي سيوفرها الإماراتيون. في المقابل، سينتقل 1000 طبيب وطبيبة وممرض وممرضة إسرائيليين مع عائلاتهم للعمل هناك بشروط سخيّة، سواء من حيث الراتب والسكن والعمل لأفراد الأسرة والتعليم المجاني للأبناء، فضلاً عن التأمينات الحياتية والصحية». وأضاف إن «الإماراتيين لم يضعوا عوائق مالية أبداً... كما طلبت منهم دعم مستشفى هداسا في القدس بسبب الأزمة المالية التي تمرّ بها»، وذلك على خلفية انتشار فيروس «كورونا» الذي ولّد أزمة سيولة مالية في المستشفيات الحكومية الإسرائيلية. هنا، يحضر تاريخ مستشفى «هداسا»، الذي شكّل إحدى أهمّ البوابات التي اخترقتها الحركة الصهيونية لتَنفذ منها إلى فلسطين. ففي عام 1912، تأسّست «هداسا» كمنظّمة نسائية على يد النسوية الصهيونية، هنريتا سولد، التي شاركت أيضاً في تأسيس حزب «إيهود» إبّان الانتداب البريطاني لفلسطين عام 1942. المنظمة التي أَرسلت عام 1918 بِعثتها الطبية إلى فلسطين المحتلة من أجل تنظيم الخدمات الطبية في المستوطنات، أعلنت صراحة أنها أُنشئت بهدف «تشجيع ودعم مشاريع ومؤسسات يهودية في فلسطين وتعميق وتقوية القيم اليهودية». وحتى اليوم، لا تزال المنظمة النسائية، التي تُعدّ واحدة من كبريات منظمات العمل النسائي اليهودي في العالم، تنشط في مجال تجنيد الأموال لدعم المستشفى وكلية الطب التابعة له تحت رعاية الجامعة العبرية في القدس.

لكن «هداسا» ليست مجرّد مؤسسة طبية؛ إذ بحسب الصحافي والمؤرخ الفلسطيني، عارف العارف، في كتابه «النكبة والفردوس المفقود»، فقد «استخدم اليهود مبناها (هداسا) ومبنى الجامعة العبرية حصوناً تمركزوا فيها وراحوا يقتنصون المسـافرين والمقيمين مـن سكان الأحيـاء المجـاورة، وكثيراً ما أطلقوا النار من تلك المباني على حيّ الشيخ جراح ووادي الجوز وباب السـاهرة...». ولطالما كان المستشفى هدفاً للمقاتلين الفلسطينيين؛ إذ إنه بعد مذبحة دير ياسين المروّعة، واستشهاد القائد الأعلى لـ«جيش الجهاد المقدس»، عبد القادر الحسيني، بأيام معدودة، قامـت مجموعـة «التدمير العربي»، بقيادة فوزي القطب، باسـتهداف قافلة «هداسا»، المؤلّفة بحسب المؤرّخ نفسه «من عدد من المدرعات والحافلات التي حملت الأطباء والممرضين والأساتذة والمسلحين من عصابة الهاجاناة من غرب القدس باتجاه الجامعة العبرية ومستشـفى هداسـا». وقد خلّفت العملية مقتل 38 مِمّن كانوا على متن القافلة، لتندلع بعدها معركة كبيرة شارك فيها مئتا مناضل فلسطيني، وأودت بحياة 78 يهودياً؛ بينهم مدير مستشفى هداسا، حاييم ياسكي، نفسه.

قد لا تعني هذه التفاصيل شيئاً بالنسبة إلى بعض حكام الجزيرة العربية، الذين يثبتون يوماً بعد يوم أنهم مَلَكيّون أكثر من الملك، وصهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم. لعلّ ما قد يهمّهم في ذلك كلّه هو البحث عن مزيد من الفرص للإمعان في ضرب الفلسطينيين وقضيّتهم.

 



الأخبار