اليد القابضة في نسف (حديث الرويبضة)

د. سامح عسكر:


يقول الحديث المشهور كما ورد في عدد من كتب الحديث عن أبي هريرة، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".

وسيتم نسف هذا الحديث بطريقة بانورامية كالمعتاد:

أولا: الحديث لم يُذكَر في الصحيحين، فلفظ الرويبضة لم يعرفه البخاري ومسلم وهما شيوخ الحديث، فما الذي منعهم من تسجيل هذا اللفظ في أصح الكتب سنداً؟؟!!

ثانيا: معنى الرويبضة وهو (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) واعتبار ذلك من علامات الساعة أو نبوؤة مستقبلية يطرح أسئلة...متى خلا أي زمان ومكان من تلك الظاهرة؟..حتى في زمن الرسول كان هناك رويبضة بهذا المعنى يتكلمون في أمر العامة، حتى في زمن الصحابة والخلفاء والقرون المفضلة كان التافه يتكلم في أمر العامة عادي، وإلا ما اندلعت الحروب أكثر من 6 حروب أهلية كبرى بين المسلمين وعشرات أخرى هي حروب وفتن صغيرة أول قرنين في صدر الإسلام..

ثالثا: الحديث يستخدم ضد كل مخالف بالرأي، فلو عرضت رأيك العلمي أو الشخصي ولو بأدلة فورا يرفع ضدك سلاح الرويبضة ويتهموك بالتفاهة، مما يعني أن الحديث في زماننا حصلت له سطوة شعورية كبيرة جدا هي ناتج طبيعي للصحوة السلفية التي قدست أهل الرواية ومعها هذا الحديث الكاذب بالطبع..

رابعا: السلفيون يتهمون الصوفيين بالرويبضة والعكس، الإخوان يتهمون خصومهم بالرويبضة والعكس، السنة يتهمون الشيعة بالرويبضة والعكس، كل الأحزاب المتنافسة في البرلمان يتهم مرشحيها خصومهم بالرويبضة والعكس..والسؤال: من الصادق فيهم؟؟ ومن الذي له الحق في وضع معايير التفاهة؟ ومن له الحق في احتكار مصطلحات الرسول لنفسه وازداء الخصم على أنه عدوّ للإسلام.؟

خامسا: مصطلح الرويبضة (ديني) فلو كان له توظيفا سياسيا واجتماعيا وفكريا إلا أن مدلوله الأكبر والأشهر دينيا وعليه فهو مقدمة وسبب أصيل للتكفير الديني والسياسي بين الجماهير، فعندما يوصف شخص ما بالرويبضة فورا يجري إسقاط معايير الكفر والإيمان عليه باعتبار أن المتحدث هو الرسول..ومن يزدريه النبي ليس مسلما بالأساس..

سادسا: أصل الحديث مذكور في كتاب الفتن "لنعيم بن حماد" المتوفي عام 228هـ، وهذا الكتاب من أكثر كتب الحديث وضعا وكذبا في تاريخ الرواية، حتى باعتراف المحدثين أنفسهم الذين وضعوا نعيم بن حماد مع الطبري وآخرون مع الذين جمعوا الصدق والكذب في كتبهم ولم يبالوا بتصحيح الروايات وفقا لمعايير السند، علما بأن أصل الحديث مذكور في قصة (المسيح الدجال) واعتبار أن زمان الدجال سيكثر فيه الكذب وتبعا لذلك ظهور الرويبضة ككذاب تافه هو موافق لعلامات هذا الزمان، وقد سبق نسف قصة الدجال في محاضرة مطوّلة لي على يوتيوب ومقالات متعددة أعادت هذه القصة لأصلها اليوناني وامتدادها في الدينين اليهودي والمسيحي..

سابعا: أصل الحديث كما هو في كتاب الفتن لنعيم بن حماد "يكون قبل خروج المسيح الدجال سنوات خدعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم الرويبضة الوضيع من الناس" (الفتن حديث رقم 1470) والسؤال : متى خلا أي زمان وفتن سياسية من توثيق الخائن وتخوين الأمين؟؟...متى خلا أي زمان ومكان من تكذيب الصادق وتصديق الكاذب؟؟..هذه من علامات الفتن السياسية والاجتماعية مما يعني أن الحديث ظهر في أجواء حروب أهلية كبيرة بين المسلمين تم رفع هذا الحديث فيهم للحشد العسكري وشيطنة الخصوم، وفي تقديري أن زمن ظهور هذا الحديث هو الفتنة الكبرى بين الأخوين (الأمين والمأمون) في العصر العباسي التي راح فيها عشرات الآلاف من المسلمين (عرباً وعَجمَاً) ضحية لصراع بين الأشقاء على كرسي الحُكم..
ودليلي في ذلك أن نعيم بن حماد شهد هذه الفتنة في شبابه وكان تركيا فارسيا يعيش ضمن مجتمع ينصر المأمون على الأمين، لكنه لم يكن من أهل الرأي بل فقيها راويا امتحن في خلق القرآن في خلافة المعتصم، مما يعني أنه كان رافضا لمجريات هذه الحرب من ناحية ورافضا أيضا لخلافة المأمون من ناحية أخرى، فظهر حديث الرويبضة على أمراء مجتمعه الفارسي الذين تصدوا لحشد الجنود والجماهير للحرب ضد الأمين والجيوش العربية المتحالفة معه..

ثامنا: لا يعني أن نعيم بن حماد هو مصدر الحديث أنه من اختراعه، بل قد يكون – وهو الأرجح – أنه كان مُشاعا في زمنه أو معاني قريبة منه فسجله كما سمعه في مرو الشاهجان وهي مسقط رأسه في بلاد فارس بتركمانستان أو عند قدومه للعراق بعد انتصار المأمون، فقد كان نعيم (تركي العرق) وصعوده الفكري ورواج كتابه المشهور (الفتن) حدث بتأثير نفوذ الأتراك في العصر العباسي الثاني ، وهي الحقبة التاريخية التي بدأت مع المأمون وظهرت بشكل واسع في عصر المتوكل بالله..

تاسعا: الحديث ذكر لاحقا في كتابين هما (مسند ابن حنبل) و (سنن ابن ماجة) وعن طريق هذين الكتابين انتشر بين الناس خصوصا في عصرنا هذا لسطوة الحنابلة ونفوذ الوهابية الذين قلدوا إمامهم في توثيق هذا الحديث، وكما قلنا فنعيم بن حماد ليس موثقا، برغم أنه مصدر الحديث ، وسبق ليحيى بن معين والنسائي وابن عدي تضعيفه ، وأبي زرعة الدمشقي قال عنه (يوصل أحاديث يوقفها الناس) بمعنى أنه كان يرفع أحاديث قالها الصحابة إلى الرسول نفسه، علاوة أنه كان عدوّا لأبي حنيفة كما هو مشهور وفي ذلك يقول أبو الفتح الأزدى : "كان يضع الحديث فى تقوية السنة ، و حكايات مزورة فى ثلب أبى حنيفة ، كلها كذب"


عاشرا: أحمد بن حنبل نقل حديث بن حماد لأنه كان تلميذا وموثقا له ، وسمى كتابه المسند أسوة بما كتبه ابن حماد ، فكتب التاريخ تروي أن كتابا مفقودا لنعيم بن حماد إسمه (المسند) هو أول من كتب الحديث بهذا العنوان..ومن ذلك المصطلح أخذ ابن حنبل عنوان كتابه، وهذا يفسر كيف ان كتاب المسند لابن حنبل فيه أكثر عدد أحاديث بالمطلق حوالي 28 ألف حديث جمع فيه الغث والسمين وجزء كبير منه مكرر من كتاب الفتن لابن حماد..

حادي عشر: من ذلك يتبين بالدليل أن مصدر الحديث فارسي ذكر في العراق أثناء الحرب الأهلية الكبرى بين الأخوين "الأمين والمأمون" متأثرا بالصراع السياسي والنقمة على أمراء الحرب والدمار الذي شهده الناس في ذلك العصر، وأن ابن حنبل هو الذي تتبع المصدر ونشره في كتابه المسند..ثم عن طريقه انتشر وراج بين الجماهير، علما بأن الحديث وفقا لعلم الحديث هو (معنعن) أي ضعيف السند ، ولم يحصل على شروط توثيقه في حال العنعنة لكثرتها قبل وصله بأبي هريرة وأنس بن مالك..

ومن يشك في هذا الكلام عليه بتجربة اجتماعية بسيطة: لقد شهدت مصر والمنطقة العربية ثورات في (الخمسينات) و عام (2011) ماذا كان يقول الناس وقتها على أمراء الثورات والحروب والانقلابات؟؟ ماذا كانوا يقولون في الشيوخ؟ ماذا كانوا يقولون في المسؤولين والإعلاميين وقادة الأحزاب؟..وأخيرا ماذا كانوا يقولون في أي مختلف بالرأي؟..ثم عد بذاكرتك وخيالك ل 1200 عام للوراء وتخيل كيف كان الناس يتناقلون أخبار الرويبضة وأحاديثه عن أمراء الحروب والانقلابات والاغتيالات في زمانهم..!

ثاني عشر: تفسير الرويبضة نفسه مختلف عليه لثلاث صفات وهي: 1- التافه الذي يتكلم في أمر العامة وبلفظ آخر السفيه 2- الفويسق (تصغير للفاسق)  3 – من لا يؤبه له، والصفة الثالثة الأخيرة صنعت مشكلة عند علماء الحديث لأن أي شخص لا يؤبه لكلامه ويُتهم بالكذب سيكون رويبضة وهو حال كثير من أئمة ورواة الحديث ، بينما أي اتهام بالفسق وهي الصفة الثانية ستوجب اتهامه بالرويبضة وبالتالي سيكون ذلك مدخلا (لتكفير الفاسق) وهو مذهب الخوارج، وقد انتبه لهذا الإشكال الإمام الطحاوي فحاول أن يحل هذه المعضلة في كتابه "شرح مشكل الآثار" وجمع بين الثلاثة صفات في تفسير واحد (الفاسق الذي يعلن فسقه فيكون كذابا لا يؤبه له) المصدر (شرح مشكل الآثار 1/ 405)

لكن مشكلة تفسير الطحاوي أن الفاسق المُضمِر الذي لا يعرفه الناس بالفسق بل بالصلاح هو ليس رويبضة، وهذا مخالف لقوله تعالى "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام  [البقرة : 204] وبذلك فالرويبضة هذا قد يكون صالحا أمام الناس فكيف سنعرفه؟ وهل أمرنا أن نشق على قلوب الناس؟؟!

ثالث عشر: الحديث دخل أيضا في التراث الشيعي والسبب أن أسلاف الشيعة كانوا يصفون مبغضي أئمتهم ومحاربيهم بالرويبضة، لكنه لم يظهر عند متقدمي المذهب وظهر عند متأخريهم للسبب المذكور أن مصدره نعيم بن حماد في كتابه "الفتن" لكن الشيعة أضافوا للرويبضة لفظ (الماحل) ويعني (المكار) ثم وضعوا الحديث في أشراط الساعة الخاصة بظهور المهدي، فيعني أن الحديث كان يحذر من (التافه المكار) وهي صفة أمراء الحرب والمسئولين في ذهنية الخصوم، وبتجربة اجتماعية بسيطة يمكنك سؤال أي مجتمع عن (رموز أعدائه) سيصفهم بنفس الوصف (تافه مكار) فهو تافه لأنه ليس عظيما مثلهم..ومكار لأنه يصمد أمامهم في الحروب ..فالمكر هنا تحقير لذكاء الخصوم..

الخلاصة : هذا حديث مفترى ويوظف بالكامل في الصراعات السياسية والدينية، وله معان تكفيرية ضامرة وصريحة تؤدي لشيوع العنف والتعصب بين العامة، بل أنه يوظف ضد كل مخالف بالرأي حتى في منافسات الكرة والرياضة..مجرد خروج أهلاوي أو زملكاوي يعلن رأيه الذي يستفز بالطبع جماهير الخصوم فورا يتهموه (بالرويبضة) برغم أنها منافسات شريفة بالنهاية والخصم هنا ليس كافرا ليجري توظيف هذا الحديث فيه، لكن التعصب الكروي لا يختلف كثيرا عن التعصب الديني..هذا قاتل وهذا قاتل..ومشاعر العنف الراسخة في النفس لا تفرق بين المكروه لمجرد الرأي أو المكروه للمصلحة فكل من يخالفنا بالرأي هو مصدر تهديد شامل، ولولا أن مجتمعاتنا تعاني من الأمية والجاهلية الفكرية التي تدفع النخبة أحيانا للتورط في هذه الصراعات ما حصل هذاالحديث المفترى على أي شعبية..فإذا كان المثقف والنخبة نفسه متورطا فماذا تنتظر من الجماهير وقادتهم من رجال دين وزعماء وخلافه..