إلى أين تتّجه الصهيونيّة؟

19-05-2021

إلى أين تتّجه الصهيونيّة؟

- سلافوي جيجك: ترجمة: الحبيب الحاج سالم
ولد سلافوي جيجك (Slavoj Žižek) سنة 1949 في سلوفينيا، تحصّل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليوبليانا (University of Ljubljana) في سلوفينيا كما درس التحليل النفسي في باريس. يعرّف جيجك نفسه كفيلسوف ماركسي وناقد ثقافي، ويتحدّث إلى جانب لغته الأم الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة بطلاقة. يشغل حاليا خطّة باحث أوّل في معهد علم الاجتماع والفلسفة في جامعة ليوبليانا في سلوفينيا، وخطّة أستاذ زائر في عدد من الجامعات الأمريكيّة (جامعة كولومبيا، جامعة برينستون، جامعة نيويورك، جامعة ميشغن)، كما كان أستاذاً زائراً في جامعة باريس الثامنة.
يعمل جيجك على عدد من المواضيع أهمّها: النظريّات السياسيّة ونظريّات السينما والتيولوجيا والأيديولوجيا والدراسات الثقافيّة والتحليل النفسي. ويشتهر جيجك بإنتاجه الغزير، فقد ألّف عشرات الكتب من أبرزها: سنة الأحلام الخطيرة (1) (2012) ومرحبا بك في صحراء الواقع (2) (2001) والعنف (3) (2008) والعيش في الأزمنة الأخيرة (4) (2010). كما كان له حضور في السينما حيث كتب وقدّم شريط دليل المنحرف إلى السينما (2006) وشريط دليل المنحرف إلى الإيديولوجيا (2012)، وفيهما يتصدّر جيجك الشاشة لتحليل مقاطع مقتطعة من أفلام سينمائيّة لشرح أفكاره الفلسفيّة حول الإيديولوجيا والعنف والجنس والدّين… وقد ميّز توظيف الثقافة الشعبيّة في شرح وتبسيط الأفكار الفلسفية المجرّدة أعمال سلافوي جيجك ووسعّ من انتشارها بين الجمهور العريض وخاصّة بين الشباب.
وفي هذا المقال يفكّك جيجك منطق المحاججة الصهيونيّة مستشفّاً مدى صدقيّة الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل عبر تحليل آراء كتّاب صهاينة ونقدها، ومحاولاً استشراف مستقبل الإيديولوجيا الصهيونيّة.
*****************
نشرت صحيفة دي برس (Die Presse) النمساوية في شهر جويلية (تموز/يوليو) سنة 2008 كاريكاتيراً لنازيّين نمساويّين قصيرين وبدينين يمسك أحدهما بين يديه صحيفة ويقول لصاحبه “هنا يمكنك مجدّداً رؤية كيف يُساء استخدام معاداة الساميّة المبرّرة بشكل كامل لنقد رخيص لإسرائيل!”. هذه النكتة تدور حول الحجّة الصهيونية المعتادة ضدّ منتقدي سياسات دولة إسرائيل: مثل كل دولة أخرى، من الممكن والواجب الحكم على دولة إسرائيل وبالتالي نقدها، لكن نقّادها يسيئون استخدام النقد المبرّر للسياسة الإسرائيليّة لأغراض معادية للساميّة.
عندما يرفض مسيحيّو اليوم الأصوليّون المساندون لسياسيات إسرائيل النقد اليساري الموجّه إليها، ألا يقترب خط حججهم الضمني بشكل غريب من الكاريكاتير في دي برس؟ أتذكرون أندريس بريفيك (Andres Breivik)، القاتل الجماعي النرويجي المعادي للمهاجرين: لقد كان معادياً للساميّة، لكنّه كان مسانداً لإسرائيل، بما أنّه رأى دولة إسرائيل خطّ الدفاع الأوّل ضدّ التوسّع الإسلامي – حتى أنه تمنّى رؤية إعادة بناء هيكل القدس.
يرى بريفيك أنّ وجود اليهود مقبول ما داموا أقليّة أو كما كتب في بيانه: ’’لا توجد مشكلة يهودية في أوروبا الغربية (مع استثناءين في المملكة المتحدة وفرنسا) بما أنه لدينا مليون فقط منهم في أوروبا الغربية، 800 ألف من هذا المليون يعيشون في فرنسا والمملكة المتحدة. من جهة أخرى، الولايات المتحدة التي بها أكثر من 6 ملايين يهودي (600% أكثر من أوروبا) لديها مشكلة يهوديّة كبرى’’.
إن شخصيّته تمثّل المفارقة القصوى لصهيوني معادٍ للساميّة – ونجد آثار هذا الموقف العجيب أكثر بكثير ممّا يتوقّع.
في زيارته إلى فرنسا لتأبين ضحايا عمليّات القتل الأخيرة، وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نداءً إلى اليهود الفرنسيّين (وهم الأكثر عدداً في أوروبّا) للانتقال إلى إسرائيل لأسباب أمنيّة. وحتى قبل ذهابه إلى باريس، أعلن نتنياهو عن اعتزامه القول لليهود الفرنسيّين إنّهم “مرحّب بهم بذراعين مفتوحين” في إسرائيل.
هذا العنوان في الصحيفة اليومية البولنديّة الرئيسيّة غازيتا وي بورتشا (Gazeta wyborsza) يوضّح جليّة الأمر: “إسرائيل تريد فرنسا دون يهود”. يمكن للمرء أن يضيف: وكذلك يريد الفرنسيّون المعادون للساميّة. لقد مثّل دستور دولة إسرائيل من وجهة نظر أوروبيّة “الحلّ النهائي” للمشكلة اليهوديّة (أي التخلصّ من اليهود) والمرحّب به من قبل النازيّين أنفسهم. ألم يكن تأسيس دولة إسرائيل، وهنا أقلب مثل كارل فون كلاوزفيتز(5) (Carl Van Clausewitz)، مواصلة الحرب ضد اليهود بأدوات (سياسيّة) أخرى؟ أليست هذه “وصمة الظلم” التي تخصّ دولة إسرائيل؟
26 سبتمبر سنة 1937 هو يوم يجب على كلّ مهتمّ بالتاريخ أن يتذكّره. في ذلك اليوم استقلّ أدولف إيشمان (6) (Adolf Eichmann) ومساعده قطاراً في برلين بهدف زيارة فلسطين. راينهارد هايدريخ (7) (Reinhard Heydrich) نفسه منح إيشمان الموافقة لقبول دعوة فايفيل بولكس ( 8 ) (Feivel Polkes)، وهو عضو مرموق في الهاغاناه (المنظّمة الصهيونيّة السرّية)، لزيارة تلّ أبيب ومناقشة التنسيق بين الألمان والمنظّمات اليهوديّة لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين.
أراد كلّ من الألمان واليهود أن ينتقل أكثر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين: أرادهم الألمان خارج أوروبّا الغربيّة وأراد الصهاينة أن يتفوّق اليهود في فلسطين على العرب في أسرع وقت ممكن. (لقد فشلت الزيارة نظرا لغلق البريطانيّين سبل الولوج إلى فلسطين بسبب أعمال عنف هناك، لكن إيشمان وبولكس التقيا بعد ذلك بأيّام في القاهرة وناقشا تنسيق النشاطات بين الألمان واليهود).
ألا تعتبر هذه الواقعة الغريبة الحالة العليا لتقاسم النازيّين والصهاينة الجذريّين مصلحة مشتركة؟ في كلا الحالتين كان الهدف نوعاً من “التطهير العرقي” أي تغيير نسب المجموعات الإثنيّة في صفوف السكّان بطريقة عنيفة. (بالمناسبة، يجب أن أصرّح بوضوح وبشكل لا لَبس فيه أنّه من الناحية اليهوديّة تُعتبر هذه الصفقة مع النازيّين أمراً غير معيب بالنظر إلى وضعيّتهم الصعبة حينها).
أولئك الذين تمتدّ ذاكرتهم إلى عقدين في الماضي على الأقلّ، لا يمكنهم عدم ملاحظة الطريقة التي يتغيّر بها إطار المحاججة برمّته عند المدافعين عن السياسات الإسرائيليّة تجاه فلسطين. فحتّى نهاية الخمسينات من القرن الماضي، كان الزعماء الإسرائيليّون صريحين تماماً حول حقيقة أنّهم لا يملكون حقّاً كاملا في فلسطين، إلى درجة أنّهم شخّصوا أنفسهم بفخر “إرهابيّين”. تخيّل أن نقرأ التصريح التالي في إعلام اليوم:
“لقد أطلق علينا أعداؤنا وصف الإرهابيّين. أناس لم يكونوا أصدقاءنا ولا أعداءنا… ورغم ذلك لم نكن إرهابيّين… الأصول التاريخيّة والألسنيّة للمصطلح السياسي ’إرهاب’ تثبت أنّه لا ينطبق على حرب تحرير ثوريّة… يجب على مقاتلي الحرّية أن يتسلّحوا، ما عدى ذلك سوف يُسحقون بين عشيّة وضحاها… ما الذي يربط صراعاً من أجل كرامة الإنسان ضدّ الاضطهاد والإخضاع بـ’الإرهاب’؟”
اليوم، يمكن للمرء أن ينسب هذا الكلام إلى جماعة إسلاميّة إرهابيّة، وأن يدينه. ولكن كاتب هذه الكلمات هو مناحيم بيغن (9) (Menachem Begin) في سنوات محاربة الهاغاناه للقوّات البريطانيّة في فلسطين.
من المثير للاهتمام، في سنوات الصراع اليهودي ضدّ الجيش البريطاني في فلسطين، أن يكون مصطلح “الإرهابي” في حدّ ذاته حاملاً لدلالات إيجابيّة. نكاد ننجذب إلى رؤية الجيل الأوّل من الزعماء الإسرائيليّين يعترفون علانيّة بحقيقة أن مطالبتهم بأرض فلسطين لا يمكن إسنادها إلى العدالة الكونيّة، أي أنّنا نتعامل مع مجرّد حرب احتلال بين مجموعتين لا وساطة ممكنة بينهما.
هذا ما كتبه دافيد بن غوريون (David ben Gurion) أوّل رئيس وزراء إسرائيلي: “يمكن للجميع رؤية حجم المشاكل في العلاقات بين العرب واليهود. لكن لا أحد يرى أنّه لا يوجد حلّ لهذه المشاكل. لا يوجد حلّ! توجد هاوية ولا شيء يمكنه تجسير طرفيها… نحن نريد كشعب أن تكون هذه الأرض لنا، والعرب كشعب يريدون أن تكون هذه الأرض لهم”.
المشكلة مع هذا التصريح اليوم واضحة: مثل هذا الإعفاء للصراعات الإثنيّة من أجل الأرض من الاعتبارات الأخلاقيّة لم يعد ببساطة مقبولاً. لذلك السبب، تبدو الطريقة التي يقارب بها صائد النازيّين الشهير سيمون ويسونثول (10) (Simon Wiesenthal) هذه المشكلة في كتابه العدالة، وليس الثأر (Justice, not Revenge) شديدة الإشكال:
“في يوم ما، سيكون من الضروري إدراك استحالة تأسيس دولة دون أن يجد الناس الذين يعيشون في المنطقة أنّ حقوقهم قد سلبت. (لأنّ المكان الذي لم يعش فيه أحد من قبل، سيكون على الأرجح مستحيلاً على الناس العيش فيه). على المرء أن يكون راضٍياً إذا كانت تلك التعديّات ضمن حدود مقبولة، وإذا ما تضرّر منها عدد قليل نسبيّاً من الناس. لقد كان الأمر على تلك الحال عند تأسيس إسرائيل… وفي نهاية المطاف، كان يوجد هناك سكّان يهود منذ زمن طويل، والسكّان الفلسطينيون كانوا متناثرين وكان لهم نسبيّاً خيارات عديدة للتسليم بالأمر”.
ما يدافع عنه ويسونثل في هذا النصّ ليس إلاّ دولة مؤسّسة على العنف مع وجه إنساني – أي دولة مع انتهاكات محدودة.
غير أنّه من وجهة نظرنا الراهنة تأتي الجملة الأكثر إثارة للاهتمام في نصّ ويسونثل في الصفحة السابقة، حيث يكتب: “لا يمكن لدولة إسرائيل المنتصرة باستمرار التعويل إلى الأبد على التعاطف المُظهَر نحو ’الضحايا’”.
يبدو أنّ ويسونثل يقصد أنّ دولة إسرائيل الآن “منتصرة باستمرار”، ولذلك لم تعد تحتاج التصرّف كضحيّة بل يمكنها أن تؤكّد قوّتها بشكل كامل.
قد يكون ذلك صحيحاً، إذا ما أضفنا أنّ وضع القوّة هذا يستدعي مسؤوليّات جديدة. المشكلة الآن أنّ دولة إسرائيل وبالرّغم من كونها “منتصرة باستمرار” ما زالت تعتمد على صورة اليهود كضحايا لشرعنة سياساتها القائمة على القوّة ولاتّهام ناقديها بأنّهم مساندون متخفّون للهولوكوست. لقد صاغ آرثر كوستلر (11) (Arthur Koestler)، الشيوعي العظيم الذي تحوّل إلى عدوّ للشيوعيّة، تبصّراً عميقاً: “إذا كانت السلطة فاسدة، فإنّ العكس كذلك صحيح؛ الاضطهاد يُفسد الضحايا، حتّى ولو كان ذلك بطرق حاذقة وأكثر تراجيديّة”.
هذا هو العيب القاتل في الحجّة القويّة الوحيدة لتأسيس دولة-أمّة يهوديّة بعد الهولوكوست: سيتجاوز اليهود عبر خلق دولتهم وضعيّة خضوعهم لرحمة دول الشتات، ولتسامح أو لا تسامح أغلبيّة سكانها.
رغم اختلاف هذا الخطّ الحجاجي عن الخطّ الآخر الديني، إلاّ أنّه يجب عليه الاعتماد على التقليد الديني من أجل تبرير الموقع الجغرافي لهذه الدولة الجديدة. في ما عدا ذلك، يجد المرء نفسه في موقف النكتة القديمة عن المجنون الذي يبحث عن محفظته الضائعة تحت عمود النور في الشارع وليس في الزاوية المظلمة التي فقدها فيها لأن الرؤية اوضح تحت الضوء ولأن البحث أسهل. لقد أخذ اليهود أرضاً من الفلسطينيّين وليس ممّن تسبّب لهم في الكثير من المعاناة، وبالتالي المدين لهم بتعويضات.
في فترة الستّينات من القرن الماضي، وخاصة بعد حرب سنة 1967، برزت صيغة جديدة: “السلام مقابل الأرض” (العودة إلى حدود ما قبل سنة 1967 مقابل الاعتراف العربي الكامل بإسرائيل) وحلّ الدولتين (دولة فلسطينيّة مستقلّة في الضفّة الغربيّة وغزّة). ولكنّ هذا الحلّ، رغم إقرار الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة وإسرائيل به، تمّ التخلّي عنه تدريجيّاً بصفة عمليّة. وأضحت فكرة وجود دولة فلسطينيّة ذات سيادة هناك، في ظلّ ازدياد عدد المستوطنات اليهوديّة في الضفّة الغربيّة، أكثر فأكثر، من باب الوهم.
ما يعوض ذلك يشار إليه في الإعلام الرسمي على نحو واسع. فقد زعمت مؤخّراً كارولين ب.غليك (Caroline B. Glick)، مؤلفة كتاب الحلّ الإسرائيلي: خطّة الدولة الواحدة من أجل السلام في الشرق الأوسط (12) ، في صحيفة نيويورك تايمز في عمود بعنوان لا يجب أن تكون هناك دولة فلسطينيّة (13) أنّ أولئك الذين يقترحون الاعتراف بفلسطين كدولة:
“يعرفون أنّهم بالاعتراف بـ”فلسطين“لا يساعدون قضيّة السلام. إنّهم يدفعون نحو خراب إسرائيل. إذا ما كانوا مهتمّين ولو من بعيد بالحرّية والسلام، لكان الأوروبيّون يقومون بنقيض ذلك. لكانوا عملوا على تقوية إسرائيل وتوسيعها بوصفها البلد الوحيد المستقرّ للحرّية والسلام في المنطقة، ولتخلّوا عن حلّ الدولتين المزيّف الذي … يكاد يكون مرادفا للسعي إلى تدمير إسرائيل وتعويضها بدولة إرهاب.
ومع العمى الإستراتيجي والانحراف الأخلاقي الذي يشتغل كعلامات إرشاديّة للسياسة الأوروبيّة تجاه إسرائيل، يجب على إسرائيل ومسانديها قول الحقيقة حول الدفع بالاعتراف بـ”فلسطين“. لا يتعلّق الأمر بالسلام والعدل، بل بكره إسرائيل ومساعدة أولئك الذين يسعون بنشاط إلى محوها”.
باختصار، ما كان يمثّل (وما يزال) السياسة العالميّة الرسميّة، يتمّ الآن التنديد به بشكل معلن كوصفة لخراب إسرائيل. ومن الواضح، بعيداً عن الوقوف في صفّ وجهة نظر أقليّة متطرّفة، أنّ هذا الموقف يبيّن التوجّه الإستراتيجي للاستعمار التدريجي للضفّة الغربيّة في العقود الماضية: تركيز مستوطنات جديدة (مع عدد كبير منها في الشرق، قريباً من الحدود الأردنيّة) با يستحيل معه الحديث عن دولة فلسطينيّة في الضفّة الغربيّة.
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للمرء إلاّ ملاحظة المفارقة في أنّه كلّما ازدادت إسرائيل قوّة، كلّما قدّمت نفسها كضحيّة. ويمكن ملاحظة نفس النقلة – توسعة معايير ما يحسب على أنه معادٍ للساميّة- في ميادين أخرى. فحين أعادت فرقة الأوبرا المتروبوليّة عرض مسرحيّة جون أدامز (14) (John Adams) “وفاة كلينجوفر” (The Death of Klinghoffer)، في العرض الأوّل:
“عبر النساء والرجال في ملابسهم المناسبتيّة بين حواجز الشرطة، فيما كان المحتجّون يصرخون ’عار!’ و’الإرهاب ليس فنّاً!’. وقد رفع أحد المحتجّين عالياً منديلاً أبيض ملطّخاً بالأحمر. وأقام آخرون، في مقاعد متحرّكة معدّة لهذه المناسبة، صفّاً في جادّة كولومبوس… ’كلينجوفر’، تعتبر تحفة فنّية من قبل بعض النقّاد، ولطالما ألهبت المشاعر، فقط بسبب موضوعها: قتل ليون كلينجوفر (Leon Klinghoffer)، وهو راكب أمريكي يهودي على كرسيّ متحرّك، من قبل أعضاء في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين خلال اختطاف طائرة أكيلي لاورو سنة 1985.
إحدى المحتجّات، هيلاري بار (Hilary Barr) ذات الـ 55 عاماً من مقاطعة واستشستر (Westchester County) وتعمل ممرضّة أطفال، قالت إنّها تعتقد أنّ الأوبرا تنطوي على تبريرات للإرهاب. وقالت إنّه ’بوضع هذه المسرحيّة على المسرح في قلب مانهاتن تكون الرسالة: ’اذهب واقتل أحداً ما، كن إرهابيّاً وسنكتب عنك مسرحيّة”’.
ما الذي يفسّر أنّ الأوبرا، التي قُبلت دون مشاكل في أوّل عرض لها سنة 1991، يندّد بها الآن وتعتبر معادية للساميّة ومسانِدةً للإرهاب؟
يوجد دليل آخر على نفس النقلة: في حوار تمّ منذ فترة قريبة (15)، صرّحت آيان هيرسي عليّ (16) (Ayan Hirsi Ali) أنّه ينبغي منح رئيس الوزراء الإسرائيلي جائزة نوبل للسلام لقيادته الحملة العسكريّة المتواصلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي ضدّ مسلّحي حماس في غزّة. وعند سؤالها عن الشخصيّات التي تحترمها، ذكرت عليّ (التي ترفض الإسلام باعتباره “دين موت عدميّ” (17)) نتنياهو على رأس قائمتها، قائلة إنّها معجبة به “لأنّه يقع تحت ضغط شديد، من قبل أطراف عدّة، ورغم ذلك يفعل الأفضل من أجل شعب إسرائيل، إنّه يقوم بواجبه. أعتقد بشدة أنّه يجب أن يُمنح جائزة نوبل للسلام. في عالم عادل سيحصل عليها”.
بدل صرف النظر عن هذا التصريح السخيف، سنرصد مفارقة قاسية في حقيقته الجزئيّة. بالتأكيد إسرائيل صادقة في كفاحها من أجل السلام – محتلّون لبلاد من حيث التعريف يريدون السلام في المنطقة التي يحتلّونها. لكن السؤال الحقيقي هو: هل الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية “احتلال”؟، وهل يجوز للسكّان أن يقاوموه أيضا بالسلاح؟
في نفس المقام، ودفاعاً عن حقّ إسرائيل في سيطرتها على الضفّة الغربيّة، هاجم مؤخّراً (18) جون فويت (Jon Voight) كلاًّ من خافيير باردم (Javier Bardem) وبينيلوب كروز (Penelope Cruz) لانتقادهما (19) قصف جيش الدفاع الإسرائيلي غزّة، وقال أنّهما “جاهلان بوضوح بكامل قصّة ولادة إسرائيل، حيث مُنح الشعب اليهودي سنة 1948 قطعة أرض من قبل الأمم المتّحدة سبق أن حُفظت لهم منذ سنة 1921، وقد مُنح العرب الفلسطينيون النصف الآخر من الأرض”.
لكن من هو الجاهل بحقّ هنا؟ يعتّم الشكل السلبي لـ“حُفظت لهم” على السؤال المفتاحي: من قبل من؟
يشير فويت طبعا بشكل غير مباشر إلى إعلان بلفور – وهو سيّدٌ كولونيالي (وزير الخارجية البريطاني) يَعدُ الآخرين بأرض لا تخصّ بلده (دون ذكر أنه يجعل الأمر كأنّما كلّ الأرض “حُفطت” للشعب اليهودي الذي قبل بسماحة نصفها فحسب). كما يقدّم فويت إسرائيل كأمّة محبّة للسلام تدافع فحسب عن نفسها حين تُهَاجم.
لكن ماذا عن الاحتلال الإسرائيلي لكامل شبه جزيرة سيناء سنة 1956 ( مع الاحتلال البريطاني الفرنسي لمنطقة القناة بعد تأميمها من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر)؟ الولايات المتحدة نفسها أدانت هذا الفعل كاعتداء وضغطت على إسرائيل من أجل الانسحاب.
أمّا بالنسبة للادّعاء أنّ اليهود لهم حقّ تاريخي في أرض إسرائيل بما أنّها، من وجهة نظرهم، منحت لهم من قبل الله -فكيف ذلك؟ يصف العهد القديم المسألة كتطهير عرقيّ. فبعد تحريرهم من العبوديّة في مصر، وصل بنو إسرائيل أطراف الأرض الموعودة، حيث أمرهم الله بتدمير الشعب الموجود في تلك المناطق بالكامل (الكنعانيّين): “وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا”(20).
يدوّن سفر يشوع تطبيق الأمر: “وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. (21)” وبعد عدّة فصول، نقرأ “فَضَرَبَ يَشُوعُ كُلَّ أَرْضِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ (22)”.
يذكر النص المدينة تلو الأخرى حيثما عرض يشوع، بأمر الربّ، كل ساكن على السيف، أهلك السكان جميعاً ولم يترك أحياء. تبلغ المفارقة ذروتها عندما نضع في الحسبان أنّ إسرائيل، طبقا لبعض الاستطلاعات، هي أكثر البلدان إلحاداً في العالم (أكثر من 50 بالمائة من اليهود في إسرائيل لا يؤمنون بالله). منطقهم يقول: “نعرف جيّداً أنّه لا يوجد إله، لكنّا نؤمن رغم ذلك بأنّه منحنا أرضنا المقدّسة”.
هل يعني ذلك أن اليهود مذنبون بحكم فعل تطهير عرقيّ أصليّ؟ قطعاً لا. في العصور القديمة (وليست القديمة جدّا)، عملت كلّ المجموعات الإثنيّة وفق هذا المبدأ. الدّرس ببساطة هو أنّ كلّ شكل شرعنة لادّعاء ملكيّة أرض من خلال ماضٍ أسطوري يجب أن يرفض. لأجل حلّ (أو احتواء، على الأقل) الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لا يجب علينا السكون إلى الماضي القديم. على العكس من ذلك، يجب نسيانه (وهو على كلّ حال دائماً ما يعاد تكوينه من أجل شرعنة إدّعاءات راهنة).
الدرس الآخر البالغ الأهميّة هو أنّ اليهود أنفسهم سيدفعون في نهاية المطاف الثمن من أجل سياسات الأصوليّة الإثنيّة التي تجذبهم إلى مقربة بالغة من معاداة السامية المحافظة. وسوف يدفع ذلك باليهودَ، الذين يقال أنهم أكثر مجموعة بشرية مبدعة ومنتجة ثقافيا في العالم، بعيداً باتجاه أن يصبحوا مجرّد مجموعة إثنيّة أخرى تتوق بشدّة إلى الدماء والتربة (23) (Blut und Boden) الخاصة بها.
هوامش المترجم:
-1- سنة الأحلام الخطيرة: The Year of Dreaming Dangerously- Verso 2012 -ترجم الكتاب إلى العربية من قبل أمير زكي ونشر عن دار التنوير سنة 2013.
-2- مرحبا بك في صحراء الواقع: Welcome to the Desert of the Real: Five Essays on September 11 and Related Dates. -Verso -2001 ترجم الكتاب إلى العربية من قبل أحمد حسان ونشر عن دار العين للنشر سنة 2011.
 العنف: Violence – Deckle Edge – 2008 الكتاب غير مترجم إلى العربية.
-4- العيش في الأزمنة الأخيرة: Living In The End Times – Verso – 2010 الكتاب غير مترجم إلى العربية.
-5- كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831): جنرال بروسي ومنظّر عسكري. له عدّة مؤلفات في العلوم العسكرية ابرزها كتاب حول الحرب. والمثل الذي يشير له سلافوي جيجك هو “السياسة هي مواصلة للحرب بطريقة أخرى”.
-6- أدولف إيشمان (1906-1962): مسؤول الجهاز النازي (الغستابو) وهو مسؤول بحكم منصبه عن الترتيبات اللوجستية لمعسكرات الإعتقال النازية.
-7- راينهارد هايدريخ (1904-1942): مسؤول نازي رفيع وهو جنرال في قوات النخبة “اس اس” ومن مهندسي الهولوكوست.
-8- فايفيل بولكس (1900-1982): ولد في بولندا وانتقل إلى فلسطين سنة 1920، وهو عضو مرموق في منظمة الهاغاناه الصهيونية.
-9- مناحيم بيغن (1913-1992): ولد في روسيا البيضاء وانضمّ إلى منجمة “بيتار” الصهيونية سنة 1939 في بولندا أين كان يزاول دراستة. أسس منظمة “أرغون” الصهيونيّة الإرهابيّة التي ارتكبت عدداً من العمليّات الإرهابيّة في فلسطين قبل سنة 1948. أصبح سنة 1977 رئيسا للوزراء ووقّع معاهدة كامب دافيد مع الرئيس المصري أنور السادات سنة 1979.
-10- سيمون ويسونثول (1908-2005): ولد في النمسا ونجا من الهولوكوست، عمل ككاتب وكصائد للنازيّين أي تتبع القادة النازيين الفارين في أرجاء العالم بعد سقوط النظام النازي بهدف جلبهم للمحاكمة.
-11- آرثر كوستلر (1905-1983): كاتب وصحافي هنغاري-بريطاني زاول تعليمة في النمسا، انتمى إلى الحزب الشيوعي الألماني سنة 1931 وانسحب منه سنة 1938 نتيجة اصطدامه بواقع الستالينية. وهو يهودي بالولادة لكنه لم يكن متديّناً وممارساً للطقوس.
-12- عنوان الكتاب بالإنكليزية وتفاصيل النشر:
The Israeli Solution: A One-State Plan for Peace in the Middle East- Crown Forum- Mar 04, 2014 | 352 Pages
-13- المقال بالإنكليزية بعنوان (there should be no palestinian state). للإطلاع عليه:
-14- جون أدامز (1947): مؤلف غنائي أمريكي. من أبرز أعماله “وفاة كلينجوفر”، “رحلة قصيرة في آلة سريعة” (2002).
-15- رابط الحوار بالإنكليزية:
-16- آيان هيرسي علي (1969): ولدت في الصومال وتحمل الجنسيّتين الألمانيّة والأمريكيّة، ناشطة ومؤلّفة وسياسيّة. تتّخذ آيان من نقد ختان الفتيات ونقد الإسلام والدفاع عن حقوق المرأة والإلحاد محاور لنشاطها.
-17- رابط الحوار بالإنكليزية:
-18- رابط المقال بالإنكليزية:
-19- رابط المقال بالإنكليزية:
-23- الدماء والتربة (Blut und Boden) شعار نازي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...