في النقد الأنتروبولوجي لمبدأ “ إعرِف نفسَك بنفسك”

يتيح تفعيل مبدأ “اعرف نفسَك بنفسِك” في الحياة الفردية إعادة النظر فيما يسود في محيط المرء من تقليد وتفكير وتصورات، فهو يمثل فرصة للخروج من حالة الدوغمائية وعقلية القطيع، كما أنه يتيح فرصة التأمل في مختلف تمظهرات الممارسة الاجتماعية داخل المجالين السياسي والأخلاقي، وهو يمثل أيضا فضاء لممارسة الحرية وخلق النقاش العمومي داخل المجتمع، الشيء الذي من شأنه أن يفضي إلى إمكانية إندماج جميع الأفراد في بنية نسقية اجتماعية قائمة على الحوار والتفكير العلني والعيش المشترك.

من جهة أخرى ظل هذا المبدأ السقراطي يحمل بداخله قلقا متقدا بشأن سؤال الإنسان وتوترا حادا بين الذات من حيث كونها ذاتا عارفة ومن حيث كونها موضوع معرفة، لكن فهم الأبعاد الفلسفية لهذه القولة والكشف عن قيمتها وحدودها يستدعي توجيه التفكير نحو طرح المسألة الإنسانية وفق رؤية مزدوجة تروم تفكيك سؤال الإنسان بالرجوع إلى سياقه الفلسفي الذي طُرح فيه، وفي نفس الوقت تتغيى أن تعيد بناء نفس السؤال وفق تطلعات أنتربولوجية.

كيف طرحت المسألة الإنسانية على الفكر الفلسفي وخصوصا في المرحلة اليونانية، باعتبارها مرحلة التكوين الجينالوجي لسؤال الإنسان؟ هل استطاعت النماذج الفلسفية الكبرى خصوصا مع سقراط وديكارت وكانط أن تصل إلى أجوبة نهائية حول قضاياه الأنطولوجية والأخلاقية؟

مأزق الحكمة الطبيعية والرهان على “الإنسان” في الخروج منه:

لقد أحدث انفصال الميتوس عن اللوغوس نقلة نوعية في أسس إنتاج المعرفة وأدواتها، خصوصا في مقاربة القضايا المتصلة بالكون وظواهره الطبيعية وعناصره، إذ لم يعد مجال القول مستندا على السرد والتأليف الخيالي والتيوغونيا الكونية، بل أصبح خطابا برهانيا استدلاليا قائما على إعمال العقل وإخضاع الظواهر للاستقراء والاختبار.. لكن المنجز المعرفي للحكماء الطبيعيين على الرغم من زخمه وكثافة حصيلته لم يتمكن من العثور على المبدأ المفسر الذي يمكن بواسطته أن تنتظم الظواهر الكونية والطبيعية في وحدة منسجمة، فالعدد الفيثاغوري المطلق أصيب بصدمة تواجد الأعداد النسبية، والتغير الهراقليطي ووجه بالثبات البارمنيدي، والامتزاج الامبادوقليسي بين العناصر تعارَض مع مبدأ النوس الأنكساغوري..

إن ما نشهده هنا هو خصوبة فكرية وعلمية أسهمت بحق في فتح المسار أمام الفكر العلمي الذي لم يعد على العلماء سوى اتباعه، ولكن في نفس الوقت أثبت هذا الغنى صعوبة -إن لم نقل استحالة- التوصل إلى مبدإ كلي واحد وموحد؛ ومن هنا بدأت الأسئلة تتخذ مسارا مغايرا وأكثر تشعبا: هل تكمن صعوبة العثور على “المبدأ الواحد” في موضوع المعرفة، أم في الذات العارفة؟ هل تمتلك الذات العارفة بالفعل القدرة على البلوغ إلى الحقيقة أم أن أدوات المعرفة العقلية والاختبارية على حد سواء عاجزة عن الإمساك بحقيقة الموضوع؟ ماذا لو كانت هذه الحقيقة كامنة في أعماق الذات نفسها وليست متوارية في الموضوع الطبيعي الخارج عنها؟ ماذا لو كانت الحقيقة غير موجودة من الأساس؟

ضمن هذا السياق الإشكالي المتأزم يمكن فهم الأسباب التي دعت إلى ظهور الحركة السوفسطائية، فبغض النظر عن الاتهامات الثقيلة التي يكلها أفلاطون إليها، فإن ظهورها ترافق مع طرح هذه الإشكالات التي أصبحت تقع خارج نطاق قدرة الحكمة الطبيعية وعاجزة على مسايرتها والتفكير فيها.

تكمن أهمية الحركة السوفسطائية في أنها وجهت مسار التفكير نحو الإنسان ذاته بدل الاقتصار على مواضيع الطبيعة، لكنها أعادت التفكير مجددا في مصادر  المعرفة والأسس التي تنبني عليها وإن كانت قد استفادت إلى حد كبير من المنجز المعرفي الذي أنتجته الحكمة الطبيعية، نشير هنا إلى غورغياس الذي احتذى بحذو المدرسة الإيلية حين أصرَّ على مقولة “اللاشيء” وأقر باستحالة إدراك الشيء في حالة ما إذا وُجِد، واستحالة جعله موضوع معرفة قابلة للنقل إلى الآخر في حالة ما إذا تم إدراكه، كما أنه مارس الجدل على طريقة زينون الإيلي وأمعن في وضع الاستدلالات الموغلة في التجريد والغموض؛ من جهة أخرى ظل بروتاغوراس وفيا لنهج هراقليطس في القول بأن الطبيعة عبارة عن صيرورة مستمرة، وأن كل فرد يتصور التغير على النحو الذي يحسُّ به، والأحاسيس نفسها تختلف تبعا لاختلاف الأفراد، ومن ثمة تبلورت تلك العبارة الشهيرة التي وردت في محاورات أفلاطونية كثيرة والتي مفادها أن “الإنسان مقياس كل شيء”، لكن ما ينبغي تسجيله بحذر هنا هو أن مفهوم “الإنسان” في الفكر السوفسطائي لا يشار عبره إلى هذا التصور الذهني الكلي للذات الإنسانية، بل يقصد  به حصريا التجليات الجزئية المتمثلة في الأفراد ذات الوجود العنيني والجزئي، وتلك نقطة من نقط الاختلاف المفصلية بين الفكر السوفسطائي من جهة والفكر السقراطي من جهة ثانية.

يقول إرنست كاسيرر: “ولا وجود في حضارة اليونان الفكرية لتوتر أقوى وأشد، وصراع أعمق مما حدث بين الفكرين السوفسطائي والسقراطي. ورغم هذا الصراع فإن السوفسطائيين قد اتفقوا مع سقراط على مسلمة أساسية واحدة. فلقد كانوا يعتقدون بأن أول أمنية تتغياها أية نظرية فلسفية هي إنشاء نظرية عقلانية للطبيعة الإنسانية”. إذا كان الطرح السوفسطائي يلتقي مع الطرح السقراطي حول ضرورة التفكير في الطبيعة الإنسانية، فما هو جوهر الاختلاف والتوتر بين هذين الطرحين؟

مشكلة الإنسان.. مشكلة الفضيلة

على الرغم من أنَّ الهاجس الذي حرَّك كلاًّ من سقراط والسوفسطائيين هو فهم الطبيعة البشرية، إلا أن هناك بون شاسع بين منطلقاتهما ومناهجهما، ذلك أن السوفسطائية تغالي في تقدير الإنسان إذ تعتبر أن الطبيعة ذاتها لا تتحدد إلا وفق ما تمليه الأحاسيس الجزئية لكل فرد متعين، أكثر من ذلك، إنها لا تقر بوجود وحدة كلية ومجرّدة للإنسان من حيث كونه إنسانا، فما يهمها هو هذا الفرد المتحيِّز زمانا ومكانا والذي يحس بالأشياء هنا والآن، ومن ثمة توجهت السوفسطائية نحو البحث في الطبيعة الإنسانية من منطلق الإقرار بالتعدد والكثرة، وهي إذ تقول “إن الإنسان مقياس كل شيء” فإنما تعنيه بذلك هو هذا الفرد المتعين والجزئي، وبالتالي تختلف المقاييس باختلاف الأفراد.

في المقابل ظل سقراط يحمل هاجس التوحيد أي الانتقال من مظاهر السلوك المتعددة إلى وحدة ماهوية يستقيم من خلالها وضع التعريف الجامع والمانع لماهية الإنسان، فعمل على البحث عما يجعل السلوكات المختلفة متحدة وموحَّدة، فكانت مهمته الأساسية العثور على وحدة الإرادة التي تتحجب وراء الفعل المتعدد. ولذلك ارتكز نظره الفلسفي على البحث عن المعرفة والإقرار باستحالة الوصول إليها إلا بعد دراسة طرق/مناهج تحصيلها، والتأكيد على عدم الانفصال بين الأخلاق والعلم، فكانت رؤيته الفلسفية نظرية وعملية في نفس الحين.

يتمظهر هذا التعارض بين الفكرين بشكل جلي وأكثر وضوحا في تصورهما لمفهوم الفضيلة La vertu بما هي أسُّ وأساس القيم الأخلاقية الأخرى (العدالة، الشجاعة، الصداقة، الحكمة…)، ولا يخفى أن السيا الذي طُرحت فيه مشكلة الفضيلة كان مشحونا بتوترات سياسية وأخلاقية وحالة انعدام للانسجام داخل المدينة الأثينية، نظرا لانحلال المعتقدات الدينية وتفككها والتغيرات العديدة التي طرأت على بنية الدولة/المدينة وتفكك الأنظمة القديمة.

تنظر السوفسطائية إلى الفضيلة من زاوية يتداخل فيها الأسطوري بالعسكري والسياسي، وبذلك فقد أصبحت تتخذ ألوانا متعددة، فكانت “النتيجة أن الفضائل في المدينة أصبحت تابعة لاعتبارات تلك المدينة، فلا وجود لعدالةٍ، وإنما لعدالة كما تفهم في أثينا وعدالة كما تفهم في طيبة، وعدالة كما تفهم في اسبارطة”[4]، وبالتالي فقد توجهت المهمة السوفسطائية نحو التربية والتعليم، أي تنشئة الأفراد تنشئة سياسية هدفها تحقيق النجاح السياسي والقيام بفعل القيادة والتدبير.

في المقابل ظل الطرح السقراطي متوجها في الأساس نحو التأسيس الأنطولوجي للفضيلة انطلاقا من اعتبارها نتاجا للتعلُّم وثمرة للمعرفة وغايتها القصوى الوصول إلى تذكر المعارف التي آنسَت إليها النفس في عالم المثل قبل أن تحل في الجسد وتصير سجينة عالم الدوكسا، وبذلك فقد ظلت الطريقة السقراطية تنشد على الدوام استدرار المعارف الكامنة في أعماق النفس من خلال تقنيتي الأبوريا والمنهجية التوليدية، على اعتبار أن نشدان المعرفة يتغيى في الأساس تحقيق درجة من الانسجام والوحدة الكلية بين نظام الإنسان ونظام الكون.

نعم، إن الطرح الابستمولوجي لمشكلة الفضيلة مبطَّن بغايات كسمولوجية أهمها السعي إلى الانتقال من المتعدد إلى الواحد، أي تجاوز التصورات الفردية الحسية، والتأسيس لنسق كسمو-إيطيقي يمكِّن من تحقيق الانسجام بين أعضاء المجتمع اليوناني ونظام الكون. ولذلك انشغلت الفلسفة اليونانية في مرحلتها الثانية (مرحلة سقراط وأفلاطون وأرسطو)، بوضع التحديدات الماهوية، على اعتبار أن الحد الأساسي للماهية أن تقوم بوظيفتي الوحدة والهوية[5]، فالوحدة تحيل على المستوى الظاهراتي المتمثل في إرجاع الأشياء إلى وحدتها الصورية، بينما تحيل الهوية على المستوى الباطني المتمثل في تحديد البنية الداخلية للشيء.

إن أهمية اللحظة اليونانية تكمن في تدشين المنزلق الذي سيسلكه الفكر الفلسفي عندما أسس الهوية على الوحدة، وجعل التفكير منشغلا بالبحث في علاقة الواقع بالفكر ومدى إمكانيات إحداث التطابق بينهما، وجعل التحليل اللغوي والتحليل المنطقي متوجهين إلى الكشف عن سبل العثور على التصورات الكلية الناظمة التي تراهن على التأسيس للانسجام بواسطة التوحيد والاختزال وتشييد الأنساق الفلسفية الكبرى التي تسعى إلى الحفاظ على بنيتها الداخلية بواسطة اعتماد معايير الاستدلال المنطقي الرياضي. وبناء على ذلك انحصر سؤال الإنسان في مجال التأمل الميتافيزيقي والتحليل اللغوي والمنطقي، وانحصر المنجز الفلسفي -على الرغم من كثافته- في المسافة الفاصلة بين صيغة “ما الإنسان؟” وصيغة “من هو الإنسان؟”

معرفة الإنسان عبر الذات، ومعرفة الإنسان عبر الآخر

على أن الفكرين الديكارتي والكانطي نفسيهما لم يستطيعا أن يخرجا عن مركزية التحليل النظري لمقولة الإنسان، بل أسهما أكثر من أي فلسفة سابقة في مضاعفة القيود على كينونة الذات الإنسانية، فالكوجيطو الديكارتي لم يسهم إلا في جعل الأنا منغلقة على ذاتها ومختنقة بتمركزها حول اللوغوس: “أي شيء أنا إذن؟ أنا شيء مفكر”، نسجل هنا اختزال الماهية الإنسانية في تمظهر واحد من تمظهراتها هو الفكر، ونسجل كذلك ضمير المتكلم الذي يحيل على نظرة أحادية إلى الذات ترى نفسها بوصفها مركز الكون وتجرِّد الآخر من كل انتماء إلى الإنسان: “ولكن هل أرى بالواقع من النافذة غير قبعات، ومعاطف، قد تكون أغطية لآلات صناعية تحركها لوالب”…

الواجب الأخلاقي الكانطي نفسه لم يفعل شيئا آخر سوى أنه أراد اختزال الفاعلية الإنسانية من حيث تعدديتها الثقافية واللغوية والطقوسية، أراد اختزالها في أوامر مشتقة من مقولات العقل ومبادئه القبلية التي تتعالى عن الوجود الفعلي الموضوعي وتغرق في الذاتية الترنسندتالية Subjectivité transcendantale. لقد سعى كانط إلى التأسيس لأخلاقيات كونية تمتح شرعيتها وطابعها الإلزامي من الذات المشرعة نفسها، وفي هذا الأمر غايةٌ تستهدف تحرير الحكم الأخلاقي من الإلزام الخارجي سواء كان نابعا من الميتافيزيقا والدين أو من المجتمع والتاريخ، لكنه اضطر إلى التضحية بمبدأ التعددية الثقافية والحق الإنساني في الاختلاف ورؤية العالم من منظور مغاير، فكانت النتيجة أن عزَّز الواجب الأخلاقي الكوني نزعة الذاتية وتمركز الثقافة الغربية حول ذاتها.

كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الإنسان، بحيث يشمل الذات الإنسانية من حيث كونها قابلة للتعدد واحتواء الآخر، من دون السقوط في نزعة الاختزال، ومن دون فرض ثقافة ما لوصايتها على الثقافات الأخرى، ومن دون إحداث التفاوت الطبقي بين ثقافات متقدمة وثقافات بدائية؟

هذا ما يعلمنا إياه جان جاك روسو باعتباره أول مؤسِّس للأنتربولوجيا بحسب قراءة كلود ليفي ستراوس: أن نخرج من ذاتنا لكي نعرف الآخر ومن خلال هذه المعرفة يمكن إعادة استكشاف الذات من جديد. وهنا يصبح مبدأ “اعرف نفسك بنفسك” محدود الأثر، لأنه لا يملك أن ينظر إلا في حدود الذات، لكن معرفة الإنسان تتطلب أكثر من ذلك: “لابد أن ننظر حولنا عندما نريد أن ندرس الناس. ولكننا عندما نريد أن ندرس الإنسان مطلقا، لا بد أن نشيِّع بصرنا إلى بعيد. لا بد من أن نلاحظ الفروق أولا حتى نكتشف الخصائص”.

يعتبر روسو أن الفكر الأوربي الحديث كان سيتخذ مسارا مغايراً لو أنه تمكَّن من دراسة مجتمعات مختلفة عن طبيعة المجتمع الغربي، ذلك أن نظرة المفكرين والفلاسفة إلى التاريخ الطبيعي والسياسي والأخلاقي ستكون حينئذ أكثر شمولية واطلاعا. إن ما يدعو إليه روسو هو إخراج الأنا من عزلتها الأنطولوجية التي فرضتها عليها فلسفة الذات، وهو ما يقتضي استكشاف الآخر بوصفه “أنا” مغايرة. ومن هنا ستتحدد مهمة الأنتروبولوجي في أن يضع تصوُّرا للإنسانية يضع الحياة في تعدديتها وفي خصوبتها قبل أن ينظر إلى الذات على نحو جواني.

كيف تمكننا الانتربولوجيا من معرفة الذات ومعرفة الآخر وبناء نموذج للإنسان يقر بمبدإ الاختلاف ويعترف بالتعددية ويؤسس للوحدة الإنسانية المنسجمة من دون اختزال ولا تمركز ولا تضحية بالجزء من أجل الكل؟

يعلمنا روسو أن كل دراسة للإنسان يجب أن تتأسس على القواعد المنهجية التالية: التنكر للذات، التماهي مع الآخر، معرفة الذات عبر الآخر، النقد المزدوج. لكن تفعيل هذه القواعد على نحو ميداني يتطلَّب تدخُّل عدة فروع علمية: الاثنوغرافيا، الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا. على اعتبار أن المنجز المعرفي الذي تحصِّله هذه الفروع والمناهج البحثية ليس محض تأملات نظرية أو تصورات متعالية عن الواقع الفعلي والموضوعي. إن هذه الفروع على الرغم من الاختلافات الابستمولوجية والتداخلات المنهجية الحاصلة بينها، تظل حاملة لنفس الهاجس وهو إرساء نموذج أمثل للإنسانية قائم على الاحتواء واستثمار الجهود المعرفية في تشييد فسيفساء الثقافة الإنسانية في مختلف تجلياتها وتمظهراتها.

الانتربولوجيا: بحثاً عن نموذج أمثل للإنسانية

يطرح الانتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستراوس مشكلة العلاقات والاختلافات الموجودة بين الإثنوغرافيا والاثنولوجيا والانتروبولوجيا ضمن كتاب الأنتروبولوجيا البنيوية، ويخلص إلى القول بأن “هذه المجالات لا تؤلف ثلاثة فروع علمية مختلفة، أو ثلاثة مفاهيم مختلفة عن دراسات واحدة، بل هي في الواقع ثلاث مراحل أو ثلاث لحظات من بحث واحد”، وهو يعتبر أن مهمة الإثنوغرافيا تكمن في القيام بإجراءات عملية متمثلة في الملاحظة والوصف والعمل الميداني، بينما تضطلع الإثنولوجيا باتخاذ الخطوة الأولى من التركيب، أي تركيب المعطيات التي تم تجميعها من خلال البحث الإثنوغرافي، على أن يتخذ هذا التركيب ثلاثة اتجاهات: جغرافي: دمج المعارف النسبية بمجموعات مجاورة؛ تاريخي: إعادة صياغة ماضي شعبٍ أو عدة شعوب؛ منهجي: عزل نمطِ تقنيةٍ أو عادةٍ أو مؤسسة من أجل الاهتمام به اهتماما خاصا؛ أما الأنتروبولوجيا فإنها ترمي إلى معرفة الإنسان معرفة شاملة، تحتوي شخصه بامتداداته التاريخية الثقافية والجغرافية كلها، كما تتطلع إلى معرفة الإنسان يمكن تطبيقها على مجمل التطور البشري، في أفق البحث عن النموذج الأمثل للمجتمع الإنساني.

وفق هذا الأساس المنهجي تصبح معرفة الإنسان ممكنة، لا بسجنه في أقفاص ماهوية، لا بفرض قيود الحتمية السيكولوجية والسوسيولوجية عليه، بل بالانتباه إليه في تجلياته اليومية وفي اختلافاته الثقافية وفي محدداته الجغرافية وفي شروطه الزمانية والتاريخية..

نخلُص إلى استحضار نصِّ لكلايد كلاكهوهن يلَخِّص كل الكلام ويفتح المجال على مصارعه لفهم الحياة الإنسانية في تدفقها المنساب وفي قابليتها لاحتواء كل أشكال التناقضات الثقافية العصية على الاستدماج في قوالب تحليلية جاهزة وقبلية: “إن دراسة الآخرين تساعدنا على تحسين فهمنا لأنفسنا. فنحن لا نكون عادة واعين لتلك العدسة الشديدة الخصوصية التي نرى الحياة من خلالها. وكما أن وضع السمكة في الماء لا يسهل عليها أمر اكتشاف وجوده فإن المرء لا يسعه أن يتوقع من باحثين لم يتخطوا يوما نطاق مجتمعهم الخاص أن يفهموا ويدركوا عادات وتقاليد صارت من صلب تفكيرهم بالذات. إن الأنتربولوجيا تضع الإنسان حيال مرآةٍ واسعة الأبعاد تجعله ينظر إلى ذاته بكل أبعادها ومنوعاتها“

 

 


محمد غمري -الآوان