قصة المبادرات الدولية في لبنان من الألف الى الياء

13-08-2007

قصة المبادرات الدولية في لبنان من الألف الى الياء

بينما كان الجيش اللبناني يواصل معركته ضد مسلحي «فتح الاسلام» في المربع الأخير من المخيم القديم في نهر البارد، لليوم الخامس والثمانين على التوالي، في ظل إنجازات ميدانية تمهّد لدخول العملية العسكرية مراحلها النهائية، ظلّ الوضع السياسي يراوح مكانه، وبدت التحركات الدبلوماسية العربية والأجنبية عبارة عن محاولة لتقطيع وتعبئة الوقت الضائع، ولو أن ما صدر عن رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط من تصريحات نارية مكتوبة، أمس الأول، قبل أن «يخففها»، أمس، أوحى بأن شيئا ما يتحرك سياسياً ولا يبدو أن مصيره سيكون مختلفاً عن محاولات سابقة لم يكتب لها النجاح.
ولعل مبادرة الفرنسيين تجاه لبنان قد كسرت حالة المراوحة وسرعان ما استدرجت تحركات عربية وأميركية لم يعرف ما اذا كانت منسقة أو عبارة عن «قوطبة» أو تغطية على قرار كبير بعدم نضوج التسوية الداخلية في ظل مناخ الاشتباك الاقليمي والدولي.
ما هي قصة المبادرات من الألف الى الياء في الأسبوعين الماضيين؟
لم يكد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير يرمي في القاهرة، قبل اسبوعين، اقتراحه المفاجئ بعقد اجتماع اقليمي دولي من أجل لبنان، حتى شعر بملامح الدهشة تلف الحاضرين من حوله، وهم وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ووزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وعندما توغل في شرح الهدف من هذه المبادرة، على قاعدة اختزال طوابق عمارة عمرو موسى في طابق واحد تجره عربة فرنسية عربية، لاقى الاقتراح موافقة مصرية، فيما أوحت استفسارات الوزير الفيصل وتعليقاته على مائدة العشاء الرباعية المشتركة بأنه غير متحمس للفكرة الفرنسية، بينما كان عمرو موسى يشدد على خطورة الوضع في لبنان وضرورة المبادرة الى عمل لبناني وعربي ودولي متكامل «لأن الوقت بدأ يضيق ولم يعد يفصلنا عن الاستحقاق الرئاسي الا أسابيع قليلة»، ومشدداً على أن المبادرة العربية لمّا تنته بل ما زالت قائمة.
غادر كوشنير القاهرة من دون الحصول على جواب عربي موحد من اقتراحه، لكنه أغرق الحاضرين بالتفاصيل اللبنانية، خاصة مقترحاته المشتركة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في ما يخص الموضوعين الحكومي والرئاسي(احترام المهل الدستورية، حكومة وحدة وطنية مع ضمانات بعدم استقالة وزراء المعارضة، الاتفاق على رئيس للجمهورية مع الالتزام بنصاب الثلثين، تشكيل لجنة تعمل على وضع الحكومة موضع التنفيذ خلال مهلة زمنية محددة).
وبينما كان كوشنير يطرح أن يضم المؤتمر الاقليمي السعودية ومصر وسوريا والجامعة العربية وإيران بالاضافة الى فرنسا (الاتحاد الأوروبي)، سأله أحد الحاضرين في الاجتماع «وماذا عن الأميركيين ومن يتعهدهم، أنتم أم ...»؟ ولم يأت كوشنير بجواب لكنه أشار الى أن الملف اللبناني سيكون أحد عناوين اللقاء بين الرئيسين الاميركي والفرنسي الذي عقد امس الأول في المقر الصيفي لعائلة الرئيس جورج بوش في كينيبنكبورت في ولاية ماين الأميركية.
كان جو القاهرة في تلك الليلة متوتراً للغاية، خاصة في ضوء قرار مجلس الجامعة العربية الرد ايجاباً على مبادرة جورج بوش بالدعوة الى المؤتمر الدولي من أجل الموضوع الفلسطيني بغياب سوريا التي قررت أن لا توفد وزير خارجيتها وليد المعلم ولا نائبه الى القاهرة، مكتفية بحصر التمثيل بالمندوب السوري الذي وجه انتقادات للمشاركين العرب على قرارهم وانسحب من الجلسة غاضباً، ولم يتضامن معه أحد من الحاضرين، بالسياسة، وخاصة الوفد الرسمي اللبناني، مع ان لبنان غـير مدعو الى المؤتمر العتيد.
استفسارات أميركية تنتهي بطرح مرشحين للرئاسة
في الوقت نفسه، أحدث تحرك كوشنير حراكاً سياسياً في الداخل والخارج، وسرعان ما اتصل السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان بعين التينة طالباً موعداً عاجلاً مع الرئيس بري، سائلاً عن مضمون مبادرته التي تبناها كوشنير وما هي نقاطها بالتحديد، وبدا من خلال استفساراته غير مرتاح للدور الفرنسي وخاصة شخصية الوزير كوشنير، لكن الأهم من ذلك ما دار من نقاش بين الاثنين، حيث لاحظ رئيس المجلس أن فيلتمان يحاول استدراجه الى لعبة الخوض في أسماء بعض المرشحين لرئاسة الجمهورية، ولكنه بدا متحفظاً ومشدداً على أنه مستعد لنقاش كل المسائل، لكن ألفباء الحل ومدماكه الأساس حكومة الوحدة الوطنية.
وعد فيلتمان رئيس المجلس النيابي بتقديم أجوبة على مجموعة من الأسئلة التي طرحها عليه في غضون ثلاثة اسابيع (بقي منها حوالى الأسبوع)، لكن مجريات التطورات، أظهرت حركة دبلوماسية مفاجئة من الجانبين السعودي والمصري، حيث طلب السفير حسين ضرار موعداً عاجلاً من الرئيس بري الذي شرح له مبادرته واستمع في المقابل، الى ما تجمع لديه حول فكرة الاجتماع الاقليمي الدولي، حيث بدا رئيس المجلس مستغرباً عدم وجود الأميركيين على لائحة المدعوين، سائلاً من يتعهدهم من الذين سيحضرون، وقال «أنا موافق على اللقاء ومستعد لحضوره سواء في مقر الجامعة العربية في القاهرة أو في باريس أو الرياض أو بيروت. في السماء أم في الأرض. أنا حاضر. المهم أن يكون محصناً قبل انعقاده من أجل أن ننجح جميعاً في انقاذ البلد».
وبينما كان الرئيس بري يتابع حركة استقبالاته في عين التينة يوم الثلاثاء الماضي، فوجئ بمدير المراسم يبلغه، أن السفير السعودي عبد العزيز خوجة وصل الى مطار بيروت على متن طائرة خاصة، قاطعاً إجــازته في الخارج، وأنه يريد التوجه الى مقر الرئاسة الثانية مباشرة. وبالفــــعل وصل بعد أقل من عشر دقائق حيث استقــــبله بــــري واستمع الى ظروف عودته المــفاجئة بتكليف من القيادة السعودية.
جرت العادة، أن تكون الحركة السعودية باتجاه لبنان منسقة مع الإيرانيين في الآونة الأخيرة، لكن لم يعرف ما اذا كان ذلك قد حصل أم لا، لكن لوحظ أن تلك العودة المفاجئة لخوجة، سبقها اتصال جرى بين الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، ومن ثم اتصال جرى بين الوزيرين السعودي سعود الفيصل والإيراني منوشهر متكي، غير أن حركة الدبلوماسيتين السعودية والإيرانية في بيروت، لم تكن بالفعالية والزخم نفسهما كما جرت العادة بالنسبة لمن يواكبون ويراقبون...
على مدى أربعة أيام، أمضاها في بيروت، اجتمع السفير خوجة بكل من الرئيسين بري وفؤاد السنيورة مرتين والتقى النائب وليد جنبلاط وأجرى اتصالاً هاتفياً بالنائب سعد الحريري الموجود في إجازة خاصة في الخارج، وعقد اتصالات مع بعض السفراء والشخصيات بعيداً عن الأضواء، وأبلغ كل المستفسرين من السياسيين والأصدقاء والصحافيين أنه جاء مستطلعاً الأجواء ليس إلا ، وأنه لا يحمل مبادرة محددة، بل توجــــهاً ملكياً بالعمل على مساعدة اللبنانيين على ايجـــاد المخارج المنـــاسبة للأزمة السياسية التي يمر بها لبنان.
كان لافتاً للانتباه خلال اللقاء مع الرئيس السنيورة، أن رئيس الحكومة قد خاض تفصيلياً في مبادرة الرئيس بري، مشككاً في الكثير من بنودها، بدءا من موضوع احترام المهل الدستورية وصولاً الى اللجنة المقترحة للموضوع الحكومي، وهي النقطة التي توقف عندها رئيس الحكومة تفصيلياً، معتبراً أنها تشكل افتئاتاً على صلاحيات الرئاسة الثالثة وأنه لن يقبل بأي شيء من هذا القبيل، وأصر، وكذلك كان رأي بعض مستشاريه، على اتباع قاعدة التزامن بدلا من التلازم، أي أن يصار الى الاتفاق على اسم رئيس الجمهورية أولا منذ الآن، ومن ثم نذهب نحو الاستحقاق الرئاسي (الانتخابات) وتكون هناك حكومة وحدة وطنية، لكن شرط الحصول على ضمانات مسبقة في موضوع عدم الاستقالة.
14 آذار: الرئاسة اولاً
وفي الوقت نفسه، برزت آراء ضمن فريق 14 آذار وخاصة للنائب وليد جنبلاط وسمير جعجع مفادها وجوب الذهاب الى الرئاسة مباشرة وضمن الموعد الدستوري وتركيز كل الجهود المحلية والخارجية في هذا الاتجاه، «لأن الوقت لم يعد يتسع لحكومة وحدة وطنية» وأنه «لا يمكن الركون لضمانات الرئيس بري لأن القرار ليس بيده»، وبالتالي علينا طي ملف الحكومة نهائياً، «خاصة بعد انتخابات المتن الشمالي وبيروت التي كرّست شرعية ودستورية الحــكومة وقراراتها وأيضا بعد عودة الوزير فوزي صلوخ الى ممارسة مهامه في الخــــارجية»، على حد تعبير هؤلاء، مشددين على أن مهمة الحكومة ستــــكون وحيدة ولا ثانية لها «وهـــي تأمين الأجــــواء لانتقال دستوري ســلس وهادئ وضمن المهلة الدستورية».
أما الرئيس بري، فقد تناوب في جلستين عقدهما مع خوجة، وبينهما، جلسة ثالثة عقدها، مساعده النائب علي حسن خليل، مع خوجة، على شرح مبادرته، من الألف الى الياء، نافياً أن يكون قد اقترح لجنة وزارية للتأليف الوزاري بل لجنة مهمتها وضع الحكومة موضع التنفيذ خلال سبعة ايام (صارت 15 يوماً بتعديل من كوشنير بعد التشاور مع 14 آذار)، وشدد على أن من يكسب من موضوع حكومة الوحدة الوطنية هي الأكثرية وتحديداً الرئيس السنيورة، مؤكداً أنه قدم ضمانات وأنه على استعداد لجعلها خطية وعلنية في موضوع عدم استقالة وزراء المعارضة، «أكثر من ذلك، لنفترض أنهم قدموا استقالتهم، لكن الحكومة المستقيلة تكون قد أصبحت دستورية وتتولى تصريف الأعمال، وذلك يكون أفضل من الوضع القائم حالياً وعندها ليس مجبراً رئيس الجمهورية على توقيع المراسيم. أكثر من ذلك، حكومة وحدة وطنية تعني فتح ابواب المجـــلس النيابي وأنا لست سعيداً بالوضع الحالي لكــنني لن أقبل باستلام أي مشروع قانون غير موقع من رئيس الجمهورية».
وتابع بري أمام خوجة «غير ذلك، اذا لم تحصل انتخابات رئاسية، هل سيصبح فؤاد السنيورة هو رئيس الجمهورية أو حكومته؟ إنه مخطئ مخطئ. انا الذي رفضت الحكومة الثانية سأطلب شخصياً من الرئيس اميل لحود تشكيلها وبرئاسة....».
فور انتهاء اللقاء، في عين التينة، يوم الجمعة الماضي، توجه خوجة من هناك الى مطار بيروت، ومنه الى باريس، حيث التقى، أمس الأول، وزير الخارجية سعود الفيصل، وأطلعه على نتائج المهمة العاجلة في لبنان وأكمل طريقه من باريس الى نيس حيث التقى أمس سعد الحريري وبعض معاونيه، فيما كان رئيس الحكومة يمضي يوم إجازته الثاني في اسبانيا، من دون معرفة موعد عودته وكذلك عودة الحريري الذي اطلع على تصريحات جنبلاط النارية مساء يوم السبت الماضي، وكذلك نص مقابلة الرئيس بري مع اذاعة «صوت لبنان» في اليوم نفسه، وطلب من مستشاريه الرد على إشارة بري في ما يخص علاقة رئيس تيار المستقبل برئيس الحكومة، واتصل هو شخصياً بالنائب جنبلاط ونصحه بالهدوء انسجاماً مع التحرك السعودي وحتى لا يتحمل هو شخصياً مسؤولية أية عرقلة، بل تحميل المعارضة هذه المسؤولية خاصة في ضوء تصريحات الوزير السابق وئام وهاب التي طالت السفير السعودي شخصياً، في إشارة اعتبرت أنها «تنم عن اعتـــراض سوري على المســـعى السعودي المتجدد لبنانياً».

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...