معضلة الحرية بين التاريخ الإسلامي وثورات الربيع العربي

يقول «محمد الغزالي»:

الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن، فالحرية النفسية والعقلية هي أساس المسئولية، والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها. 

ولكن الإنسان العربي فَقَد تلك الحرية منذ استخدم بنو أمية نظرية الحتمية التاريخية، أو الجبر في الاختيار (القدرية)، لبناء ودعم حكمهم الاستبدادي، فاغتيال سيدنا علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، أظهر معاوية، وهذا الحدث التاريخي فُسِّر من قبل السلطة الأموية على أنه حصل بإرادة الله، بقضائه بمعنى محبته ومشيئته، ومن هنا ترتكز شرعية بني أمية على حق إلهي خاص بها؛ لقد أعطى الأمر أولًا لقريش، وعندما تنازعت قريش فيما بينها قضى الله لمعاوية؛ فهل لأحد أن يعترض على قضائه؟! إنه المُعطي الذي لا مانع لما أعطى، والمانع الذي لا مُعطي لما منع، وإذا كان أعطى بني أمية، ومنع بني هاشم ضمن منْ منع، فهل هناك اعتراض على حكمته التي وسعت كل شيء؟

الاتجاه للديمقراطية

منذ ذاك الحين ونحن لم نعرف غير السلطوية، رغم أن هناك أمماً أمثالنا استفادت من تعبير «الثورة الديمقراطية» وهو ليست تعبيراً أديباً، بل وصف لعملية التحولات الهائلة التي شهدتها النظم السياسية في العقود الثلاثة الأخيرة، فلأول مرة تكون أغلب دولة العالم ذات نظم تأخذ بالشكل الديمقراطي (بمعنى وجود تعدد أحزاب وانتخابات دورية) مقارنة ببداية القرن العشرين، إذ لم يكن هناك سوى 22 دولة اتبعت هذا الشكل، أو في العام 1942 عندما تقلص العدد إلى 12 دولة، ثم زاد إلى 36 دولة في مطلع الستينيات، ثم إلى 60 دولة في السبعينيات، وبعد تصاعد الاهتمام بالانتقال للديمقراطية وصل العدد عام 2013 ولأول مرة في التاريخ الحديث إلى 119 دولة من أصل 193 دولة. 

ومنذ السبعينيات والعالم يتجه نحو الديمقراطية، وتحديداً في العام 1975 مع سقوط نظام فرانكو في إسبانيا، وسالازار في البرتغال، وعودة النظام الديمقراطي لليونان وتركيا بعد فترة من الحكم العسكري، ثم التغيرات الديمقراطية بدول أمريكا اللاتينية وآسيا في الثمانينيات، والتي تلاها اندلاع الثورات الشعبية في دول شرق أوروبا وسقوط النظم الشيوعية فيها الواحد تلو الآخر، وانهيار حائط برلين 1989، وتفكك الاتحاد السوفيتي وتفتته لـ 15 دولة مستقلة في التسعينيات، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين شهد عدد من دول شرق أوروبا كأوكرانيا وجورجيا وصريبا انتفاضات شعبية لاستعادة المسار الديمقراطي فيها، والتي اشتهرت باسم «الثورات الملونة»، وتلا ذلك التظاهرات والانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية. 

فبينما نجحت الثورة «المخملية» في سلوفاكيا عام 1998، وكرواتيا وصريبا عام 2000، وثورة «الورد» في جورجيا عام 2003، وثورة «التيوليب» في قيرغيزستان عام 2005، وثورة «الدنينم» في روسيا البيضاء عام 2006، فشل الربيع العربي في الاتجاه للديمقراطية، حيث أدى لحروب أهلية في اليمن وسوريا وليبيا، ومن ثَمَّ رآه البعض مؤامرة، حيث ذهب «محمد حسنين هيكل» إلى أن ثمة سايكس–بيكو جديدة، وأن أبرز تطبيقاتها يكمن في ليبيا، وتقاسم ثروتها النفطية حسبما أذيع على الملأ، وذلك على النحو التالي: 30% لشركة توتال الفرنسية و20% لشركة بريتش بتروليم البريطانية (والحصة الأقل لبريطانيا لأنها أخذت أكثر من نفط العراق)، وأن إيطاليا لها حق مكتسب من خلال شركة «إيني».

وتحدث هيكل كذلك على فكرة «تخصيص المواقع»، من حيث منح قاعدة للأسطول السادس في طرابلس لأمريكا، ومراكز مخابرات في بنغازي، وطبرق لبريطانيا، بينما تحتج إيطاليا لأنها تاريخياً تعتبر ليبيا منطقة نفوذ لها. 

قبيلة… عقيدة… غنيمة

إذاً فالربيع العربي يمثل استثناءً في الاستعصاء على الحرية، فالأمر كما يقول كارل ماركس: «تحليل الحاضر يقدم لنا مفاتيح الماضي»، فالحاضر جعل مقولة الإمام علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) تتحقق في الواقع المعاصر: «سلطان ظلومٌ غشومٌ خير من فتنة تدوم». 

فالنزاعات العشائرية والطائفية، هي التي تهيمن على المشهد الآن، وتعثر الدولة الوطنية وتفككها وانهيارها، هي من منتجات الربيع العربي، وذلك لأن العقل السياسي العربي تتحكم فيه ثلاثة محددات هي: القبيلة والعقيدة والغنيمة.
حيث يرى «ريجيس دوبريه» أن الظاهرة السياسية لا يؤسسها وعي الناس وآراؤهم وطموحاتهم، ولا ما يؤسس هذا الوعي نفسه من علاقات اجتماعية ومصالح طبقية، بل إنما تجد دوافعها فيما يطلق عليه اسم «اللاشعور السياسي»، الذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تُمارِس على الأفراد والجماعات ضغطاً لا يُقاوَم، علاقات من نوع العلاقات القبلية العشائرية، والعلاقات الطائفية والعلاقات المذهبية والحزبية الضيقة التي تستمد قوتها المادية الضاغطة القسرية بما تقيمه من ترابطات بين الناس، وتؤطِّر ما يقوم بينهم بفعل تلك العلاقات نفسها من نعرة وتناصر أو فُرقة وتنافر.

وهذه البنية من العلاقات اللاشعورية تبقى قائمة وفاعلة رغم ما قد تتعرض له البنية الفوقية في المجتمع من تغييرات نتيجة التطور الذي يحدث في البنية التحتية المقابلة لها، فهي ليست جزءاً من تلك، ولذلك فهي لا تخضع لهذه، بل لها وجودها المستقل عن البنيتين معاً، فالنعرة القبلية والعشائرية والتعصب الطائفي والطموح إلى الحصول على مغانم ومصالح تبقى نشطة أو كامنة في كيان الجماعات.

فإذا كانت وظيفة مفهوم «اللاشعور السياسي» عند «دوبريه» هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، فإن وظيفته بالنسبة إلينا ستكون بالعكس من ذلك، إبراز ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر، وهذا من الأهمية بمكان، ذلك لأن السياسة كانت تُمارس باسم الدين والقبيلة وما زالت كذلك إلى اليوم.

فـ «اللاشعور السياسي» المؤسس للعقل السياسي العربي يجب ألا يُنظَر إليه فقط على أنه «الديني» و«العشائري» اللذان يوجهان من خلف الفعل السياسي، بل لا بد من النظر إليه أيضاً على أنه السياسي الذي يُوجَّه من خلف التمذهب الديني والتعصب القبلي. 

وإذا كان العقل السياسي العربي تحدد في العصر الجاهلي بالقبيلة والغنيمة، وفي عصر النبوة بالعقيدة أولاً، فإن هذه المحددات الثلاثة: (القبيلة والعقيدة والغنيمة) قد تداخلت مع بعضها منذ العصر الأموي، وتم استدعاء هذه المحددات من اللاشعور لتطفو على السطح، فهي تتحكم الآن في المشهد العربي. فبمجرد سقوط النظام الأموي التي ظل سائداً حتى الربيع العربي، عادت القبيلة والعقيدة «المذهبية الدينية» تتحكمان في المشهد السياسي العربي بالصراعات العشائرية والطائفية في اليمن والعراق وسوريا وليبيا، وفي خطابات دينية متشددة صارت رائجة الآن، تدعو للسفر عبر الزمان لعودة الخلافة.

وأما الغنيمة فتجدها في السلطوية القائمة منذ معاوية بن أبي سيفان، فما زال الأمير فيها هو الدولة، وما زالت الدولة فيها هي الأمير. 

وهذا استحضار لما يراه «ميشيل فوكو» في أننا نحن الذين اخترعوا نموذج (الملك-الراعي / الشعب–القطيع)، وفَهِمنا السياسة بوصفها «رعياً» وليس «دولة»، وبذلك فكما أن «الشرك» في الدين غير مقبول، فكذلك ينظر الحاكم إلى المشاركة في الحكم، أنها ما زالت كفراً وإلحاداً في السياسة. 

ويعني هذا أنه ليست هناك إمكانية للتحول الديمقراطي طالما ظل المجتمع السياسي «واحدياً»، بمعنى أنه يتكون حول مركز سياسي وحيد (الملك-الراعي). ما يعني أن الديمقراطية في الوطن العربي بلا ديمقراطيين، رغم أن الشورى/الديمقراطية لها سورة في القرآن الكريم باسمها، قال الله عز وجل فيها:

«وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».—سورة الشورى – آية 38.وفي تعليقه على هذه الآية يقول الشيخ «محمود شلتوت»:

القرآن لا يريد من الشورى حين يضعها بين عنصري الصلاة والإنفاق في سبيل الله، لا يريد لها هذه الصورة الهزلية التي ألِفناها في الماضي وتواضع أرباب البغي والاحتكار عليها، واتخاذها ستاراً يخفون به طغيانهم النفسي في إرادة سلب الحقوق، إنما يريدها حقيقة نقية في واقعها كما يريد من الصلاة والإنفاق في سبيل الله.

لذا فشلت الدعوة للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، لأننا إذا ما نظرنا للأمور في عمقها، فإن الثورة لابد أن تكون ثورة على المحددات الثلاثة: القبيلة والعقيدة (المذهبية الدينية) والغنيمة (الراعي/القطيع)، والتي تعد ثوابت بنيوية في العقل السياسي العربي، فلابد للثورة أن تسير طبقاً للقانون الاجتماعي الذي تشير إليه الآية الكريمة:

«إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ».—سورة الرعد – آية 11.

لأن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضاً عاجز عن الثورة.  فالحرية في الإسلام هي أساس المسئولية أمام الله والمجتمع، فلم تكن خطيئة آدم وحواء –كما صوَّرها القرآن الكريم- إلا انعكاساً لهذه الفطرة، فقد نهاهما الله عن الأكل من الشجرة المُحرَّمة، ولكن حرية الاختيار التي فطرهما الله عليها جعلتهما يأكلان منها.

لذا يرى «جوستاف لوبون» أن الثورة الدينية الأكثر تأثيراً في التاريخ الفكري للبشرية هي الإسلام، «فما جاء به محمد من الإيمان حوَّل قبائل العرب إلى أمة عزيزة».  وقد كان من نتائجها أن قال سيدنا عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص: «مُذْ كَمْ تَعَبَّدْتُم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». 

 


إضاءات