قصة التحالف السوري العلماني

 

1


تعرضت العلمانية في البلدان العربية إلى سوء الفهم والعسف على أيدي بعض دعاتها قبل مناهضيها، وآخر هذه الإساءات كان ما تعرضنا له في "التحالف السوري العلماني" على يد مجمل أعضاء اللجنة المركزية لحزب البعث العلماني، حيث تم فصل البعثيين المنضمين إلى التحالف من الحزب دون أي تنبيه أو إنذار أو تحقيق كما يفترض النظام الداخلي للحزب، وهوجم الناطق باسم التحالف في مجلس الشعب من قبل ستين نائباً بعثياً، مع طلبهم رفع الحصانة عنه والمحاكمة بتهمة العداء للبعث والإسلام ونشر العلمنة، وجاء الهجوم بالتوافق والتضافر مع وزارة الأوقاف.. فما هي حكاية العلمانية مهيضةِ الجناح التي دخلت بلداننا على استحياء منذ أكثر من مئة عام ؟


2


في 7 آذار 1920 افتتح المؤتمر السوري التأسيسي جلسته التاريخية التي أعلنت استقلال سورية بقيادة الملك فيصل، ودار نقاش انقسم فيه الأعضاء حول علمانية أم إسلامية الدولة، كما ناقشوا: هل يكون للحكومة شيخ الإسلام أم وزير للشؤون الشرعية.. وذكر رشيد رضا رئيس المؤتمر وصاحب مقولة تلازم العروبة والإسلام، "أن أعضاء المؤتمر ينتمون إلى ثلاثة طوائف: طائفة المحافظين على القديم من أمور الأمة وتقاليدها، وطائفة المولعين بالجديد الأوروبي، وطائفة من المعتدلين بين جمود أولئك وخفة هؤلاء"
أما بدايات تفكير سكان الشام بحاجتهم إلى العلمانية فقد بدأ قبل ذلك بنصف قرن، تحديداً بعد الحوادث الطائفية التي جرت في سورية ولبنان عام 1860 حيث نادى المثقفون بضرورة العلمنة والفصل بين السياسة والدين، وقد رأت السلطنة العثمانية في تلك الدعوات تهديداً لسياستها القائمة على النظام المللي، وتعرض الكثير من دعاة العلمنة العرب آنذاك إلى التضييق عليهم والملاحقة وحتى القتل، ومنهم بطرس البستاني الذي كان ينشر مقالاته التنويرية في صحيفة "نفير سورية"، وشبلي شميل الذي قال بفصل الدين عن السياسة للخلاص من الاستبداد العثماني وتشكيل إرادة عامة حرة.. وقبله نادى فرنسيس مراش بتطبيق شرائع التمدن وقوانينه ودعا إلى إحلال الرابطة الوطنية محل الرابطة المللية.. أما الشيخ عبد الرحمن الكواكبي فرأى أن سبب ما أصاب العرب والمسلمين من تخلف هو الاستبداد الناجم عن وصاية الدين على السياسة.. كما دعا فرح أنطون إلى الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، ورأى أن المجتمع الصالح يقوم على مساواة مطلقة بين جميع أبناء الأمة وتتعدى الفروق في الأديان.. وبالمجمل فإن المثقفين العرب تأثروا بفلاسفة التنوير فرنسيس بيكون ورينيه ديكارت، غير أن أفكار العلمنة اقتصرت على النخب الثقافية ولم تتمكن من عموم الناس الذين ظلوا رهينة خطاب رجال الدين الذين استمروا يبشرون بأفكار السلف الميت من بيوت العبادة..
بعد الثورة العربية وسقوط الإمبراطورية العثمانية وقيام الجمهورية العلمانية في تركية، استورد جنرالات الانقلابات العربية في سورية والعراق ومصر وليبيا نموذج العلمانية الأتاتوركية الاستبدادي الذي تم فرضه بالقوة بسبب البنية الإسبارطية للقيادات العسكرية وحاجتها إلى إنجازات دعائية تفاخر بها، وكانت في المجمل علمانية جزئية لم تنفذ داخل رؤوس الناس بسبب سماكة إرثها السلفي المعادي للجديد واستعداء التيارات الدينية لها باعتبارها منتجاً غربياً يدعو للكفر، كما جاءت تحديثاتهم  أقل بكثير من علمنة أتاتورك الذي استبدل القانون الشرعي بالقانون السويسري وخفف ازدحام الجوامع وعدد الواعظين الذين وجههم للحديث عن الشؤون الزراعية والصناعية في خطبهم ..


3


حاولنا قراءة التجربة العلمانية العربية بعد الاستقلال لنعرف ما هو الخلل الذي أوصل الجمهوريات شبه العلمانية إلى فخ "الربيع السلفي" بعد مائة عام من محاولات العلمنة، ففي مصر ورث الرئيس ناصر تركة الصراع على أفكار الشيخ علي عبد الرزاق في كتابه " الإسلام وأصول الحكم" التي تدعو إلى فصل الدين عن السياسة، وكان الشيخ عبد الرزاق بدوره وريثاً لمثقفي عصر النهضة التنويريين، غير أن مشايخ الأزهر انقسموا حول أفكار الشيخ علي ونشأ على إثرها حزب الإخوان المسلمين الذي ساهم بوصول ناصر إلى الحكم، ثم ارتدت الجماعة عنه وحاولت اغتياله بسبب نهجه نحو سياسة علمانية.. وواكب ظهور الإخونج بمصر نشوء حزب البعث في سورية والأردن والعراق ولبنان، وكان مضمونه في البداية عريياً إسلاميا ثم تحول نحو العلمانية بعد اندماجه مع الحزب الاشتراكي الذي كان يقوده أكرم الحوراني، وقد تحالفوا مع ناصر ثم أنتجوا الوحدة السورية المصرية التي رفضها الشيوعيون العلمانيون في البلدين، وكان الرئيس حسني الزعيم قبل ثورة البعث قد أعطى المرأة حق التصويت وألغى المحاصصة الطائفية في النظام الانتخابي.. وقد تشابهت الانقلابات العسكرية في الجمهوريات العربية من حيث تبنيها لعلمانية جزئية، غير أن الأكثر توغلاً فيها كان الحبيب بورقيبة كونه جاء من بيئة حقوقية وليست عسكرية، حيث أصدر في تونس تشريعات تمنع غطاء الرأس وتعدد الزوجات وترفع سن الزواج وسمحت بالتبني والإجهاض .. غير أن بنية استبداد الحكومات العربية العلمانية أنتجت مقابلاً سلفياً متطرفاً، حيث انتهى الحكم في تونس مثلا إلى "حزب النهضة" الإخونجي، وكذلك في مصر حيث خطفها الإخونج قبل انقلاب العسكر عليهم، بينما الصراع مازال قائماً عندنا بين الجيش السوري العلماني والمجموعات السلفية المسلحة ..


4


بعد السنة الأولى من الحرب أدرك السوريون أنها في الجزء الأكبر منها حربٌ تكفيرية يقودها التنظيم الدولي للإخونج الذي استقر قادته في مدينة غازي عينتاب على الحدود السورية، بالتضافر مع وهابيي الخليج العربي المنتمين إلى تنظيم القاعدة الذي فرخ بدوره تنظيم داعش.. وقد بات مزاجُ السوريين رافضا للآيديولوجيات الدينية التي كانت تنفجر مفخخاتها فيهم كل يوم، وكانت الفرصة مؤاتية للسلطات ـ لو أرادت ـ للخروج من بقايا الأسلمة في قوانين الأحوال الشخصية والدستور السوري، وعقلنة الدين بحيث يتماهى مع مضمونه الروحي من دون بعده السياسي، وقد رأينا أن قبول العلمنة يكون عبر نشر ثقافتها تدريجياً في التعليم والإعلام بدلاً من تطبيقها قسراً على يد الحكومات العسكرية كما أسلفنا.. وكنت بدأت نشاطي البرلماني عام 2017 مع مديرية تطوير المناهج في وزارة التربية بموافقة من رئيس الحكومة عماد خميس لتدريس تاريخ الأديان السورية منذ بداية الوجود البشري على أرضنا، وأنجزنا عبر مركز "مداد" للأبحاث والدراسات دراسةً من 400 صفحة تتضمن  "تحليل محتوى مضمون مناهج التربية الدينية المسيحية والإسلامية: نقاط القوة والضعف"، وأفادت منها الوزارة حسب ما قال لي الوزير د.هزوان الوز، وقد نشرت العديد من المقالات حول ذلك في حينه، غير أن مشروعنا تمت عرقلته ولم يكتمل.. ثم خضنا بعدها معركة مرسوم الأوقاف الذي مرره وزير الأوقاف من دون مناقشته في جلسات الحكومة ، حيث يفرض المرسوم وصايته على رقابة الإنتاج الفكري والفني، كما يهيمن على عمل وزارة الإدارة المحلية بفرض مُفْتٍ شرعيٍّ داخل كل وحدة إدارية سورية وعددها 1337 وحدة، بحيث يدير المشايخ حياة السوريين وفق القوانين الشرعية.. وقد انتقدتُ المرسوم 16 بحضور الحكومة في جلسة مجلس الشعب يوم 23 / 9 / 2018 حيث تفاقم الصراع على المرسوم وتجاذباته الشعبية والرسمية مدة 19 يوما تم بعدها إلغاؤه كمرسوم وتحويله إلى قانون لكي تتمكن لجان مجلس الشعب من مناقشته قبل التصويت عليه، وقد وافقت لجنتا التربية والشؤون القانونية على اعتراضي على 26 مادة، تم تعديل 21 منها وحذف خمس مواد بينها بند هيمنة الشرعيين على الوحدات الإدارية، وبالطبع لم يكن الأمر ليتم لولا موافقة مؤسسة الرئاسة، حيث أعفي رئيس اللجنة القانونية في القصر كما علمنا فيما بعد ..


5


 انزلقت ثورات الربيع العربي إلى صراعات طائفية، لهذا صدرنا بيان "التحالف السوري العلماني" في 21 / آذار / 2019 تحت شعار: "العلمانية هي الحل" حيث أعلن حوالى أربعة آلاف سوريٍّ وسوريةٍ انضمامهم إليه خلال 48 ساعة من الإعلان عنه، ذلك أن العلمانيين السوريين الذين اكتووا بنار السلفيين  هم من دفعوني نحو تأسيس التحالف ولست أنا مخترعه، بعدما قابلت الكثير من مواطنينا في دمشق واللاذقية، بصفتي نائبهم، لأفهم ما الذي يخشونه وما الذي يمكن أن يطمئنهم وسط هذا الخراب ويخفف رغبتهم بالهجرة .. وبالتشاور معهم اتفقنا على إطلاق التحالف لاعتقادنا أن الحداثة والتنوير تبدآن من القواعد الشعبية وليس بالانقلابات السياسية، وأن الثورة تجري داخل عقول الناس وليس بين أرجلهم أو في كواليس الاستخبارات الأجنبية.. وقد ذكرنا في بياننا المطول أن " تحالفنا اليوم هو لمواجهة مخاوفنا، وتفكيك الألغام التاريخية، وتأمين حياتنا المتدفقة نحو المستقبل. وتبعا لذلك ليس لنا أن نضع قوانينَ وأطراً جاهزة لتطويع سلوك الأفراد وأفكارهم كما تفعل المذاهب الدينية والسياسية بأتباعها، وإنما علينا إطلاق سلوك وأفكار الأفراد من عقال الخوف المنظم بعدما تم تعطيل الجزء الأكبر من مهاراتهم عبر وضعهم في أقفاص أيديولوجية مربعة لا يسمح لهم بتدويرها أو تثليثها ".
وقلنا إن "علمانيتنا ديمقراطية تحترم البعد الروحي للأديان وترفض كل أنواع التطرف الديني واللاديني، تعمل على تعزيز مبادئ المساواة والتسامح والاحترام المتبادل والوجود السلمي لمختلف الأديان والقوميات المتجذرة في سورية.. تدعو إلى فصل القيم الدينية والروحية عن الأيديولوجيات المتطرفة داخل دولة القوانين المدنية، واقتصار التعليم الشرعي على موضوعات الإيمان والأخلاق والتعاون والتسامح مع الآخرين، كما ندعو إلى عدم التمييز بين المرأة والرجل في قوانين الأحوال الشخصية من حيث الإرث والشهادة وحقوق الجنسية وأن تكون ولية نفسها، لأن المواطنة سوف تكون مهيضة الجناح في وطن يضيّع حقوق نصف سكانه من الإناث.. وقلنا إن تحالفنا من أجل حماية حقوق الفرد وتعزيز هويته الوطنية باعتباره الثروة الأغلى بين ثروات البلاد.. ففي دولة المواطنة يجب أن يتقدم دور المؤسسات على دور الأحزاب والطوائف لتحقيق أمن وسلام وتقدم المواطنين" .. وقد وضعنا برنامجا لعمل أعضاء "التحالف السوري العلماني" مؤلف من عشرة بنود عرضناها للنقاش والمداولة بين عموم السوريين وأخذنا بمجمل آرائهم لنصل إلى الشكل العملي الأمثل لضمان فاعلية التحالف.


6


في 5 نيسان 2019 كان الاجتماع الأخير في دمشق، بعد التعاطف الشعبي الكبير ورغبة عدد من النواب بالتعاون مع مجموعات التحالف في محافظاتهم، وكان بينهم نواب مستقلون ومن أحزاب الجبهة ورجال دين لم أعلن عنهم قبل أن أضمن موافقة السلطات على شرعية عملنا تحت مظلة مجلس الشعب والقوانين السورية، وكنت صدرت البيان الأول باسمي للسبب نفسه حتى لا يتأذى أحد غيري في حال رفض نشاطنا، ثم أعلنت عن أسماء من رغب من الأعضاء في البيان الثاني، غير أن اللجنة المركزية لحزب البعث أقدمت على فصل الحزبيين المشاركين بتأسيس التحالف مثلما ذكرنا في المقدمة، كما بدأت إحدى الجهات الأمنية دراسة عن التحالف وأعضائه رغم إعلامنا للأمن السياسي في محافظة اللاذقية بنشاطنا وذلك بطلب من بعض أعضاء التحالف المتخوفين حينها.. وعلى إثر عملية الفصل التحذيرية قمت بجولة على العديد من أعضاء اللجنة المركزية لحزب البعث وافتتحت حوارات مطولة معهم حول أهمية برنامجنا الاجتماعي للتعويض عن الفراغ الذي خلفته أحزابنا العلمانية التي تابعت برنامجها السياسي وأهملت برنامجها الاجتماعي، وكيف أن تجمع الأخوات القبيسيات مثلاً، قد ملأ الفراغ الذي خلفه إلغاء الاتحاد النسائي، وكانت ردودهم متشابهة: لا نوافق على التحالف العلماني، .. كما لم توافق الجهات المعنية فيما بعد بالترخيص لمجموعات علمانية أخرى في المحافظات، وتم وسمنا ب "الداعشية العلمانية" .. وأمام هذا الوضع جمدت نشاط التحالف حرصاً على سلامة مواطني من أية مساءلة لهم، فلطالما عملت على حماية الناس وليس المغامرة بأمنهم في هذا الظرف المحلي والدولي الحرج..


7


الصراع بين القديم والجديد مستمر منذ الأزل، وصراعنا مع المجموعات السلفية المسلحة ونهجها مستمر حتى بعدما تضع السلاح، ذلك أن الجماعات السلفية كانت موجودة في كل العصور، والصراع بين جماعة النقل وجماعة العقل أزلي ومستمر، منذ أيام الأمين والمأمون في العصر العباسي، وصولا إلينا، وسيستمر من بعدنا، إذ في كل مجتمع هناك قلة من الناس يريدون العودة إلى الماضي وأكثرية تنادي بالحداثة والتقدم نحو المستقبل، وعلمانيتنا السورية تنحو إلى الحياد تجاه الدين وتحييد رجال الدين عن السياسة وليس محاربة الدين .

 

نبيل صالح: عربي برس