مركزية السلطان عبدالحميد الثاني في عقل الجماعات

أحد الألغاز المجهولة في نفوس الإسلاميين هو تقديسهم وتعظيمهم لآخر خليفة عثماني هو السلطان "عبدالحميد الثاني" فهو دونا عن بقية الخلفاء منذ سليمان القانوني لم يحصل على تلك المنزلة، أي سائر خلفاء بني عثمان طوال 300 عام لم ينالوا حظوتهم في نفوس الإسلاميين مثلما نالها عبدالحميد الثاني، وهذا يعود في رأيي لسببين:
الأول: أنه آخر خليفة إسلامي منذ عصر الصحابة الراشدين، فالرابط بين منزلة الصحابي وبينه كبير، في شاهد حتمي بين الأول والأخير، أو بمعنى آخر إذا اعتبرنا قدسية الخلافة حَبَلا متصلا فأوله أبي بكر وآخره عبدالحميد، وذلك الاتصال له ما يميزه من جوانب العاطفة والميل والحنين والنوستالجيا أكبر مما يتخيله البعض..
الثاني: أن السلطان عبدالحميد الثاني له دور رئيسي في صنع تيارات الإسلام السياسي الحديث، فمقولاته ومواقفه السياسية رسّخت قيم الإسلاموية الحديثة – أي المنادية بحكم الشريعة في عصر ما بعد الحداثة – وكذلك قيم النضال ضد الاستعمار الأوروبي، وهذا السبب بالذات لا زلنا نعيش توابعه في الشرق الأوسط بممالك وإمارات هي من صنع تلك الحقبة..
بتوضيح أكثر فالسلطان عبدالحميد الثاني مع توليه السلطة عام 1876م ثم نهاية حربه مع روسيا بعدها بعام واحد ،أعلن عن انقلاب جذري في توجهات الخلافة العثمانية التي كانت تحصر مجهودها الحربي بنسبة 90% تقريبا ضد الروس والفرس القاجاريين، فأنشأ جبهة جديدة ضد الاستعمار الأوروبي المتفشي عالميا في ذلك التوقيت، فأعلن عن دعمه لمصر ضد انجلترا وليبيا ضد إيطاليا، وقد رأينا ذلك بسرعة في ردود أفعال بريطانيا التي انقلبت هي الأخرى من داعم للعثمانيين طوال القرنين 19 إلى محارب وعدوّ تجلت تلك المواجهات في الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى في القرن 20
فبريطانيا كانت تدعم العثمانيين ضد النفوذ الروسي فمن الطبيعي عندما يتحول العثمانيين ضدهم أن يقوى الروس في المقابل ويصبح الخطر العثماني عليهم مضاعفا ، وفي الحقيقة كان الإنجليز يهدفون– من خلال تلك الردود - إلى إنشاء بديل عن خلافة بني عثمان له السلطة الشرعية والدينية المقابلة، فوجدوا ضالتهم في سلالة الهاشميين أو الأشراف، ومن هذا المنطلق دعّمت ثورة الشريف حسين وحروب الملك عبدالعزيز آل سعود في العشرينات، وقد نجحت تلك الحروب في تكوين بديل عن خلافة تركيا بالفعل، ولا زالت السعودية والأردن هي الميراث السياسي الموالي لبريطانيا وأوروبا منذ ذلك العهد، باعتبار أن مؤسسي الدولتين استفادوا من الدعم البريطاني ضد الأتراك من جهة، وفي تأسيس وتحديث البنية الإدارية لكلتا الدولتين على النمط العصري من جهة أخرى، ومن المؤكد أن هذا الدعم البريطاني قد صنع حاجزا في أنفس آل سعود لوقف طموحات جماعة الإخوان في الجزيرة العربية الداعية لاستكمال الفتوحات العسكرية، فوقعت معركة "السبلة" عام 1929 التي أنهت جماعة الإخوان ليبدأ عصر المملكة السعودية الثالثة والحديثة كما أرادها الإنجليز.
أي أن توجه السلطان عبدالحميد الثاني المعادي لأوروبا قد انقلب عليه بتدمير تام للخلافة العثمانية ظل عدة عقود حتى اكتمل بشكله النهائي على يد أتاتورك سنة 1924، وهذا يفسر أن العاطفة الجهادية والإسلاموية الحديثة مختلفة بشكل كبير مع نظاميّ السعودية والأردن بالذات باعتبارهما الميراث الإنجليزي الذي أجهز على طموحات بني عثمان في إحياء الخلافة التي ضعفت بشكل كبير بعد حرب القرم سنة 1853 ووصاية حلفائها الأوروبيين عليها (فرنسا وبريطانيا) كمقابل لمساعدة تركيا لهزيمة الروس، وهو ما عرف تاريخيا بإصلاحات "الخط الهمايوني" الذي أجبر الدولة العثمانية على ترك الشريعة الإسلامية والحكم بالشريعة الوضعية والمساواة الكاملة بين مواطنيها دون تفرقة عنصرية وطائفية .
الشئ الآخر الذي ساعد السلطان عبدالحميد في تأسيس الإسلام السياسي الحديث هو العاطفة الشرقية ضد الاستعمار، فبعد تحرير الهند من شركة الهند البريطانية في منتصف القرن 19 نشأت عاطفة هندية وأسيوية قوية ضد الاستعمار تجلت أبرز معالمها في فقهاء المسلمين، فظهر منهم "أبي الحسن الندوي" و "أبي الأعلى المودودي" و "جمال الدين الأفغاني" ليكتبوا في صالح الشريعة والحكم الإسلامي مثلما كان يطمح بذلك عبدالحميد، في سلوك كان يتضح منه نوايا انقلاب على إصلاحات الخط الهمايوني والعودة للحكم بالشريعة الإسلامية التي كان عليها أجداده.
وقد لعب مفكرو الشرق الأسيوي دورا كبيرا في تأسيس وصنع الإسلام السياسي حتى أن القرضاوي وسيد قطب يعلنون أنفسهم بوضوح أنهما تلاميذا مباشرين لأبي الأعلى المودودي، ومنزلة هذين الشيخين كبيرة في العقل الإخواني والجهادي طوال القرن العشرين، حتى أنه يمكن اعتبار أن الحركة السنوسية الليبية التي أنتجت بعد ذلك "عمر المختار" هي استكمال لهذا الخط الحربي الذي أسسه "عبدالحميد الثاني" وعن طريق مصر كانت تنقل الأسلحة العثمانية إلى القبائل الليبية ضد الطليان مما أشعل العاطفة الإيطالية ضد العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، ويمكن للقارئ العزيز النظر إلى تاريخ إعدام "عمر المختار" وإنهاء حركته الجهادية ضد إيطاليا سنة 1931 بأنها تعبيرا عن ضعف وتفكك الدولة العثمانية ونفاذ المخزون العسكري والمعنوي لمقاتلي ليبيا لاستكمال الحرب بنفس القوة .
أي أن هناك رابطا بين الحركة الجهادية الحديثة في ليبيا التي أسسها الشيخين السنوسي وعمر المختار وبين الدعم العثماني ممثلا في السلطان عبدالحميد، وفي ذلك يقول د علي الصلابي في كتابه عن الحركة السنوسية : "إن الليبيين عموماً ارتبطوا بفكرة الجامعة الإسلامية، وسياسة الدولة العثمانية وسلطانها عبدالحميد الثاني الذي تبنى الدعوة إليها وأكدوا في كل مناسبة ارتباطهم بهذه الدعوة، وخاصة في أزمات الدولة، ففي حرب الدولة مع اليونان سارع أهل طرابلس بتشكيل اللجان لجمع التبرعات وقد كتب على الاستمارات المعدة للجمع عبارة ( إعانة جهادية ) وبلغ مجموع التبرعات قرابة ( مائة ألف فرنك) وامتدح الشيخ سليمان الباروني (1870-1940م) أحد الزعماء الليبيين الدولة العثمانية وسلطانها، وأشاد بجيشها بمناسبة حربها مع اليونان وإنتصارها عليهم" (الحركة السنوسية 2/ 49)
هذا على الجانب العسكري، أما الجانب الديني وهو الأصل فيقول الصلابي "إن الأهالي في ليبيا نظروا إلى الجمعية – الاتحاد والترقي التي عزلت السلطان العثماني - بغير عين الرضى، وكرهوا رجالها، لتدخلهم في مسائل العادات والدين، وعدّوا إعلان الدستور انتهاكاً للشريعة الإسلامية...وإن زعماء الحركة السنوسية كانوا شديدين الولاء للدولة العثمانية وكذلك زعماء المدن الليبية، وهذا يدل على الوعي العميق وشعورهم بضرورة مساندة دولة الخلافة، والمحافظة عليها من منطلق شرعي يدينون به المولى عزوجل" (نفس المصدر)
ويظهر من كلام الصلابي أن السلطان عبدالحميد كان يريد عودة الخلافة العثمانية إلى أصلها الديني التي تخلت عنه كما قلنا في إصلاحات الخط الهمايوني، فما زالت أحداث ذلك الإصلاح وهذا الضغط الأوروبي يمثلان جُرحا غائرا في نفوس إسلاميين العصر الذين رأوا هذا التخلي العثماني عن الشريعة ليس مجرد استجابة لضغوط استعمارية في لحظة ضعف ولكنه نذير خطر على المسلمين جميعا بالكفر والردة عن الدين طبقا لتعريفاتهم لدولة الخلافة التي يجب أن تحكم بالشريعة المسطورة في كتب الفقه والعقائد، والتي توارثها المسلمون أبا عن جد منذ استقرار الفقه وجموده قبل 800 عام، والقارئ لمذكرات السلطان عبدالحميد الثاني يملس هذا الحس الإسلاموي الجهادي بشدة، ورغبته في إحياء مجد أجداده الذي كان يظن أن تخلي من سبقوه عن الشريعة هو السبب في ضعف الباب العالي والدولة العلية كما كانت تسمى.
وقد يسأل سائل إذا كان عبدالحميد مسئولا سياسيا عن تشكيل وعي الجماعات الجهادية المعاصرة فما بال الوهابيين وهم من سبقوه في ذلك؟ والجواب: أن أيدلوجيا الفكر التي كان يتبعها عبدالحميد تؤمن بضرورة تطبيق الشريعة التقليدية الفقهية المجمع عليها بين المذاهب الأربعة السنية، وهي نفس الشريعة التي يؤمن بها الوهابيون، فالوهابي كان هو الشرارة الأولى التي تخلت عن فقه المذهب الواحد إلى رحابة أكثر من مذهب سني في سبيل تشكيل دولة دينية قوية تنافس تركيا وتأخذ دورها الديني الممتد منذ قرون، ولكن الغزوة المصرية في بدايات القرن 19 ضد الحركة الوهابية قضت تماما على هذا الحُلم الوهابي لينحصر طموح الوهابيين إلى مجرد السيطرة القبلية على أماكن متفرقة في الجزيرة العربية مرة أخرى في تكرار لما بدأ به تحالف ابن عبدالوهاب وابن سعود في القرن 18 والذي أثمر في إنشاء الدولة السعودية الأولى كما هو معروف.
أي أن ما فعله عبدالحميد هو مجرد إحياء لطموح وهابي برداء عصري مؤسسي حديث مقبول دوليا، وقد تجلى ذلك الطموح لاحقا في الدولة السعودية الثالثة التي حكمت بتحالف السيف السعودي والقلم الوهابي منذ الثلاثينات، بالضبط كما كان يهدف عبدالحميد ولكن هذه المرة من منافس غير تركي صنعه ودعّمه الأوروبيون نكاية في عداء الأتراك لهم خصوصا بعد مذابح الأرمن والسريان والآشوريين واليونان التي ارتكبها عبدالحميد ومن خلفوه في جمعية الاتحاد والترقي بدوافع طائفية ضد المسيحيين الراغبين لإعادة مجد بيزنطة اليونانية..وهو ما أشعل الحرب التركية اليونانية لاحقا في العشرينات كنتيجة لصراع تركي يوناني ممتد منذ سقوط القسطنطينية عام 1453
أختم هنا عن خرافة شائعة وهي دعم بريطانيا للوهابيين الأوائل ، فيما عرف بمذكرات الجاسوس الإنجليزي "مستر همفر" فهذه المذكرات المكذوبة فضلا عن غموض كاتبها هي تتعارض مع حقائق التاريخ التي كانت تقول بأن (قوة الدولة العثمانية) في القرنين 18 و19 هي مصلحة إنجليزية بحتة ضد النفوذ الروسي كما تقدم، فلم يكن هناك مصلحة بريطانية لإضعاف تركيا على الإطلاق، وقد تجلى ذلك في وقوف بريطانيا مع الخليفة العثماني ضد الجيش المصري الذي أثمر عن معاهدة لندن سنة 1840 التي قضت بهزيمة مصر ورجوع جيشها للقاهرة وخسارة محمد علي لحكم الشام فضلا عن تدمير الأسطول المصري في تلك الحروب المتصلة، الأمر الذي أوقف مشروع محمد علي الكبير ببناء إمبراطورية تنافس الباب العالي ذلك التوقيت، وبدء عصر جديد تقلصت فيه القوة الحربية المصرية بشدة حتى سقطت تماما في معركة التل الكبير عام 1882 أمام انجلترا..
وبرأيي أن مذكرات همفر المنحولة صدرت من خصوم للوهابيين هُزِموا في المعارك فلم يجدوا ما يشفي غليلهم من الحركة سوى نسب انتصارها عليهم للاستعمار، مما يرجح أن تلك المذكرات ظهرت في عصر متأخر بكثير عن عصر ابن عبدالوهاب كانت فيه القوميات المناطقية واللغوية مشتعلة ضد المستعمرين والروح الوطنية في أوجها، وهو المناخ الذي ظهرت فيه أكذوبة أخرى بعنوان "بروتوكولات حكماء صهيون" فكلا الكتابين خرجا لإدانة الوهابية والصهيونية بنسبهما للاستعمار والحركة الماسونية في مناخ سياسي مشحون ضد الأوروبيين بشدة، والراجح أن الكتاب الأخير ظهر في روسيا أولا ثم انتشر في ألمانيا ومنه إلى كل بلاد العالم، أما الأول فلم يحقق فيه بعد لكن تصوري أن مذكرات مستر همفر ظهرت في القرنين 19 أو 20 من مجتمع ينسب حركة آل سعود وآل الشيخ إلى انجلترا، لكن الراجح هو القرن 20 في الفترة التي انقلبت فيها بريطانيا ضد تركيا مما أشعل الروح القومية التركية المعادية للاستعمار في عصر عبدالحميد فحملوا كل خصوم دولتهم على انجلترا وكان من بين هؤلاء الحركة الوهابية بالطبع..
شئ آخر يؤكد خرافية تلك المذكرات لهمفر أن بريطانيا في القرن 18 لم تكن تطمح بالسيطرة على الحجاز أصلا، بل كانت منشغلة في حروبها الداخلية الأهلية..في وقت كانت تشكل اسكتلندا صداعا في رأس القادة الإنجليز، إضافة للمأزق الطائفي المتجدد والأجواء المشحونة بين الكاثوليك والبروتستانت، علاوة على التهديد الروسي وحرب الاستقلال الأمريكية من عام 1775- 1783 وحروب الكارناتيك الثلاث التي أدت بانجلترا لاحتلال الهند ..وكل هذه الأمور لم يكن لهم بديلا سوى دعم حكومات معادية لروسيا كالدولة العثمانية، وعدم التفكير مطلقا باحتلال أراض شاسعة غير مهمة أو يصعب السيطرة عليها كالمناطق الصحراوية القاحلة مما يخصم من رصيدها ويضعف نفوذها ضد التهديدات المحلية والخارجية.
فضلا عن غياب أي أثر لتلك المذكرات الجاسوسية أو الدور البريطاني في قيام الحركة الوهابية طوال القرن 19 فلم يكتب عن ذلك مؤرخي ومصنفي هذا العصر، وكافة الصور الذهنية عن الوهابية أنهم بمقياس الفقهاء المسلمين (خوارج) خرجوا على الباب العالي بدعوات دينية لإعادة عصر الفتوحات..شبيه اليوم بحركة داعش بالضبط، فالوهابية الأولى تشبه لحد كبير داعش اليوم سواء في وسائلها وتكفيرها للعالم وعُزلتها ورفضها للدبلوماسية والحوار..إلخ
والشاهد هنا في ذكر همفر ومذكراته الخرافية أن كلا الحركتين (الوهابية) و (التركية لعبدالحميد الثاني) حدثا بمعزل تام عن دعم الاستعمار لهما، بل كانوا محاربين وخصوم للمسيحية..وهنا كان الملمح القومي الإسلامي الذي صنع فكرة التيارات الدينية الحديثة وظلت تشرب من العرب والأتراك إلى اليوم، وباستنتاج بسيط نرى أنه ولكي تضعف تلك التيارات يجب أولا إضعاف تلك القوميتين العربية والتركية التي يعتمد عليها الإسلاميون في الدعوة لإنشاء جامعة إسلامية أو خلافة هي بالأصل قومية مناطقية لكنهم يعطوها بعدا إسلاميا لزوم الحشد، مثلما دعا عبدالناصر للقومية العربية ولم يكن يدرك أنه وبعد وفاته سوف يستثمر الإسلاميون تلك القومية في شحن الجماهير واستغلال عواطفهم للوحدة المنتظرة التي لن تكتفي بالوحدة على أساس لغوي بل ستكون أشمل منها على أساس ديني.

 

سامح عسكر: الحوار المتمدن