..وليست السعودية كالشام

الجمل ـ بشار بشير: الموضوع الذي سأقاربه معقد ومتشعب ومؤثر ومتأئر بالكثير من العوامل والإحاطة بكل تفاصيلة تتطلب دراسات واسعة. أنا هنا أقارب الموضوع من واحدة من النواحي أو واحدة من الزوايا وبشكل مبسط. 

الإسلام هو دستور تستنبط منه المجتمعات الإسلامية قوانينها وأعرافها، كل مجتمع بحسب شكله (طبعاً أنا هنا لا أتحدث عن التشريعات الأساسية التي تعتبر قوانين إنسانية عامة) ومن الطبيعي أن العلاقة الجدلية بين مجتمع ما والدستورالإسلامي تنتج شكلاً إسلامياً مشابه لهذا المجتمع . الشكل الإسلامي الأول المعروف هو الذي أنتجه مجتمع الجزيرة العربية في الفترة مابين 622م ( وصول الرسول "ص" إلى يثرب التي أصبحت المدينة المنورة ) إلى 660م ( وفاة آخر الخلفاء الراشدين وإنتقال مركز الدولة إلى الشام ) ونستطيع أن نصف هذا الشكل أنه تكون في فترة محاولات بناء الدولة الأولى التي كانت مليئة بالإضطرابات التي رافقت  الغزوات ومعارك الفتوحات والحروب على السلطة, وهو تكون في مجتمع أغلبه من البدو الذين يعمهم الجهل والأمية يعيشون بعزلة في منطقة منعزلة قاحلة فقيرة الموارد الطبيعية, قلة منهم يزرعون ( أي يرتبطون بالأرض ) وأقل منهم يصنعون، لم يستطيعوا تشكيل أكثر من تجمعات بشرية صغيرة والروابط الإجتماعية الوحيدة التي أوجدوها هي العصبية القبيلة.  

بإنتقال مركز الدولة إلى الشام بدأ شكل جديد للإسلام يتكون وهذه المرة  في جو أكثر استقراراً و بمشاركة (قدر المستطاع) من مجتمع مدني موغل في الحضارة والعلم يعيش على أرض خصبة متنوعة منفتح فكرياً وجغرافياً على كل العالم المعروف في زمنه هو أبو الزراعة والإرتباط بالأرض وهو من أوائل الشعوب التي تصنع ما تحتاجه بالإضافة إلى أنه المجتمع الأول الذي أنشأ المدينة والدولة .                                                                                    

لم يكن للشكل الأول من الإسلام الذي تكون على يد مجموعات بشرية صغيرة منعزلة في الصحراء العربية  فرصة للنجاح أمام الشكل الثاني الذي شارك بتكوينه مجتمع حضاري متمدن متنوع استطاع إنتاج شكل أجتماعي للإسلام عابر للجغرافيا والمجتمعات والطوائف وهكذا انتشر واستمر الشكل الثاني من الإسلام الذي  أرتأى البعض الآن  تسميته "الإسلام الشامي ".  

منذ حوالي تسعين سنة استطاع التحالف القديم لعائلتي آل سعود وآل عبد الوهاب ( الذين أصبحوا فيما بعد آل الشيخ ) من السيطرة على وسط شبه الجزيرة العربية ( نجد والحجاز) وأطلقوا عليه اسمهم فأصبح يسمى "السعودية" وبإستثناء تغييرالأسم كانت التغيرات خلال اثني عشر قرناً في هذه المنطقة  في حدودها الدنيا.

في سبعينات القرن العشرين ونتيجة ضربة حظ تاريخية ( هي ارتفاع أسعار النفط ) بدأت ثروة أسطورية تتراكم في يد "السعودية" مما سمح لها بالتفكير أن تكون دولة قائدة إسلامياً أي أن تنشر شكلها الإسلامي الخاص الذي يستلزم بالطبع سحب الإسلام الشامي من التداول لإحلال "الإسلام السعودي" محله، ولكن ليس هناك إسلام سعودي، والمجتمع "السعودي" غير قادرفعلياً على تكوين شكل إسلامي، لذلك استعاض السعوديون عن تكوين شكل جديد بإستعمال الشكل القديم أي الشكل الأول الذي تكون على أرضهم منذ ألف واربعمئة سنة  وكان هذا مناسباً لهم إلى حد ما لآنه كما أسلفت لم تكن تغييرات كثيرة قد طالت مجتمعهم منذ ذلك الوقت, وهكذا أطلق السعوديون صيغة السلفية ليعيدوا استعمال تجربة مجتمع أسلافهم ويحاولوا تعميمها على الأمة الإسلامية،  فأخذوا يروجوا لمقولة أن أفضل زمن الإسلام هو القرن الأول وأن أفضل مجتمعات الإسلام هو مجتمع القرن الأول , لو كان المقصود بهذا هو المحتوى الفكري والنضالي لتلك الفترة لكان الموضوع قابلاً للنقاش لكن المقصود كان المظهر وبعض الممارسات والغرائز الإجتماعية كإطلاق اللحي بطريقة مبالغ بها ولبس ما يظنون أنه على شاكلة لباس السلف الصالح  والتسمي بأسماء قديمة مشابهة للأسماء التي كانت مستعملة ذلك الوقت ومحاولة الإكتفاء بإستعمال الأدوات التي كان يستعملها السلف الصالح وتحريم ما عداها، و الأهم التعلق بالتشريعات والقوانين المرحلية التي كانت سائدة في ذلك الزمن ومحاولة إعادة إحياء هذه التشريعات والقوانين و فرضها الآن رغم إختلاف المرحلة والمجتمع والزمن ولم تكن ممارسة ما سبق ممكنة بالكامل حتى على من ينظرون له أو على المجتمع السعودي المشابه إلى حد كبير للمجتمع المستعادة تجربته (فما بالك ببقية المجتمعات ) فنحن نعرف أن قلة يستطيعون الإلتزام بما يدعى اللباس السلفي، وأن لاأحد، حتى شيوخ السلفيين، استطاع التخلي عن استعمال الأدوات الحديثة كالسيارة والهاتف وغيرها من أدوات هذا العصر التي يحاولون  تحريمها , وأنه لم يعد مقبولاً (مثلاً) تشريع وجود العبيد والإماء "والسبايا" وأن كل المجتمعات (إلا البدوية) لا تحتمل إخراج نصف تعدادها أي الإناث من الحياة العملية والإجتماعية . يمكن هنا الإستمرار بذكر أمثلة  تعرفون أكثرها  والأهم من كل هذه الأمثلة هو التخبط الذي يعيشه أصحاب هذا المشروع حول طريقة إحيائه وحول بعض مفرداته أو معالمه الأساسية وهذا مثال (مأخوذ من النقاشات التي تجري معهم) : لكي ينشروا ماأسميناه هنا "الإسلام السعودي أوالإسلام السلفي"  وجدوا أنه لابد من إقامة دولة الخلافة التي سيحكمها الخليفة, ومن سيختار الخليفة وكيف سيجري إختياره ؟ سيختاره أهل الحل والعقد , ومن هم أهل الحل والعقد وكيف سنحددهم ؟ هم علماء المسلمين والذي سيحددهم هو ... الخليفة ! حسناً للخروج من هذه الحلقة المفرغة أليس من الأفضل أن يكون هناك إنتخاب للخليفة ؟ لا الإنتخابات بدعة من الكفار لم يستعملها السلف الصالح ونحن مثلهم لن نستعملها.

لاتقل النظرية الأخرى, التي لم يتضح أيضاً هل هي أساسية لإحياءهذا المشروع أم هي واحدة من مفرداته أو  ننتائجه, والتي تدعى الحاكمية لله تشوشاً وإرتجالاً حيث أنهم لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية تنفيذ هذا العنوان على أرض الواقع سوى أنهم يأملون بوجود شخص يحكم بأمر الله دون أي تحديد لكيفية إيجادهذا الشخص أو تحديد لمفهوم أمر الله أو حاكمية الله من وجهة نظرهم لأن ما نعرفه من وجهة نظرنا أن الحكم في كل المجتمعات الإسلامية هو بأمر الله وأن الحاكمية فيها لله .

هذا الشكل من الإسلام لا يملك أجوبة على كثير من الأسئلة المعاصرة و لايتماشى لا مظهراً ولا مضموناً  مع كثيرمن المجتمعات المعاصرة ( أغلب الظن مع كل المجتمعات المعاصرة ). لكن لم يأبه المنظرون له  لهذه المعوقات فهذا هو الشكل الوحيد لديهم ويجب أن يفرضوه وإن بالقمع على مجتمعهم وبالقوة على بعض المجتمعات  كسورية والعراق (كما يحصل الآن) وبالمال على مجتمعات أخرى ( التي لا يستطيعون أو لاتسمح الظروف بإستعمال القوة معها).

المشروع السعودي الذي أحيته ثروة النفط التي تراكمت منذ سبعينات القرن الماضي  واتته فرصة تاريخية أخرى في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وهي فرصة كانوا يستعدون لها أو لعلهم صُنعوا من أجلها. من المؤكد أن ما يحصل الآن في سورية وفي أكثر دول المنطقة هو مشروع شديد التعقيد وتتداخل فيه كل أنواع العوامل التي تعرفها البشرية ولكن في جزئية منه كان فرصة لمشروع "الإسلام السعودي السلفي" لكي يطل برأسه ويحاول فرض نفسه وتوسيع رقعة إنتشاره . وكما حصل من اربعة عشر قرناً عندما فاز الإسلام المدني الحضاري " الشامي" سيحصل الآن والتاريخ لا محالة سيكرر نفسه فهناك قانون طبيعي  ( لا يعترف به السلفيون لأنه اكتشاف مهرطق, من وجهة نظرهم, اسمه داروين ) يقضي بالبقاء للأصلح  .. 

هامش:   أطلق الكاتب السوري نبيل صالح مصطلح الإسلام الشامي في مواجهة الوهابية السعودية قبل عام ضمن سلسلة مقالات تحت عنوان: "الوهابية السعودية والإسلام الشامي"  على موقع (الجمل)

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.