مصير البيادق اللبنانية في اللعبة الأقليمية

02-12-2006

مصير البيادق اللبنانية في اللعبة الأقليمية

السؤال مطروح منذ نزول المعارضة الى الشارع, ظهر الجمعة الفائت, وسط جهوزية السلطة للمواجهة في ما يشبه المنازلة المصيرية, وكأن اللبنانيين جميعاً يرمون انفسهم في المرجل الاقليمي الذي يغلي بالدم والاستحقاقات الصغيرة والكبيرة. انه الجرح اللبناني الكبير الذي انفتح مع اغتيال رفيق الحريري, ولم تفلح الضمادات الدولية في وقف نزفه المتواصل بعدما أحدثت فيه «حرب تموز» قروحاً عميقة. والمخاطر على المؤسسات الدستورية, كما على الوضعين الامني والاقتصادي, تتزايد في زمن «المستجدات البيكرية» والانعطافات الاميركية.
يقول خبير اوروبي في شؤون المنطقة ان اغتيال الشيخ بيار الجميل وزير الصناعة في حكومة السنيورة, ليس مجرد انفجار عابر وانما مسألة تتصل عضوياً بالمشهد الامني في المنطقة ككل والمأزق الذي تواجهه الخطط الاميركية في العراق وفلسطين وافغانستان. وعلى هذا الاساس لا يمكن اعتبار نزول المعارضة اللبنانية الى الشارع حالة لبنانية مستقلة او معزولة عن طبيعة المرحلة التي تعيشها «الساحة الأكبر», اي ساحة المواجهة الاقليمية والدولية, في الاسابيع الاخيرة, وفصولها المتفجرة التي تتوالى بين غزة وبغداد وطهران.
ويمكن القول ان لبنان يدفع الثمن ­ مرة اخرى ­ للارتجاجات التي تشهدها المنطقة, وهي تشبه المطبات الهوائية القوية في رحلة جوية, وشيء من هذا القبيل حصل في العام 1989 بين الرئيس الراحل حافظ الاسد وجيمس بيكر يوم كان وزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الأب, عندما تمت مبادلة قصر بعبدا بمشاركة دمشق في «حرب الخليج الثانية» لإخراج صدام من الكويت.
يومذاك كان الجنرال ميشال عون هو الضحية, وما يحدث اليوم في الشارع بألوانه البرتقالية والصفراء والخضراء, انتقام بارد في لحظة اقليمية ودولية مواتية, تتسارع فيها خطى دمشق وطهران الى عقد الصفقات, عبر حوارات علنية وسرية آخر فصولها ­ على الارجح ­ اخراج نوري المالكي من السلطة لمصلحة التوازنات البديلة التي بدأت صياغتها ولم تتبلور في شكلها النهائي حتى الآن.
وعلى رقعة الشطرنج الاقليمية لا يشك أحد في ان لبنان بحكومته ومعارضته مجرد لاعب صغير, ولا يشك أحد ايضاً في ان القيادات السياسية اللبنانية مجرد بيارق €لا أحصنة€, لأن احجامهم من حجم الوطن الصغير الذي يحاول بصعوبة ان يمارس لعبة الكبار في لحظة بالغة التعقيد من حياة المنطقة. وفي المساحة الممتدة بين الرباط وافغانستان تبدو المساومات مفتوحة اكثر من اي يوم على جلد الحمل اللبناني والدب العراقي ومستقبل ايران النووي ومستقبل الدور السوري في المدى الجغرافي المباشر.
وماذا في أفق المجهول اللبناني بعد قرار النزول الى الشارع؟
خمسة اجوبة تبدو ممكنة:
­ الجواب الاول هو ان يقود التوجه الاميركي ­ لوقف المواجهة مع دمشق وطهران, الى توظيف النفوذ السوري كما الايراني في احتواء مشكلة لبنان وأزمة العراق وتبريد الساحة الفلسطينية. هذا التبريد مرهون بحجم الضغط الذي يمكن ان تمارسه واشنطن والاتحاد الاوروبي ودول حلف الاطلسي مجتمعة على اسرائيل, لاقناعها بفتح باب التفاوض حول الانسحاب من الجولان, والعودة الى الحوار مع الفلسطينيين, الى جانب التسليم بالمشروع الايراني ووظيفته المدنية.
­ الجواب الثاني هو ان يواصل المتطرفون داخل الادارة الاميركية النهج الذي يعتمدونه منذ خمس سنوات في ادارة شؤون المنطقة, وهو منهج صدامي €اي تصادمي€ بامتياز, بحيث يتواصل العداء لكل من سوريا وايران و«حماس» ويدفع لبنان ثمن الاحتكاكات والمناكفات الجديدة من استقراره السياسي والأمني والاقتصادي, في ما يشبه الاستنزاف المفتوح.
­ الجواب الثالث هو ان تصر كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على الفصل بين لبنان والمنطقة, وعلى عقد تسويات منفردة من دون إقحام لبنان فيها, وهذا يعني مهادنة اميركية مع سوريا وايران من خارج الساحة اللبنانية, يستفيد منها الاستقرار اللبناني بصورة غير مباشرة.
­ الجواب الرابع هو ان ينفلت الوضع اللبناني, بالرغم من دور الجيش الحيادي, عن كل الضوابط الداخلية والخارجية, وينزل فريق الاكثرية الى الشارع ليصطدم بالفريق المعارض في ما يشبه تدشين حرب اهلية جديدة تتسارع معها عمليات الاغتيال واقتناء السلاح بدعم خارجي ويتحول اللبنانيون الى وقود في الصراع المفتوح.
­ الجواب الخامس, وهو الاكثر خطورة هو «عرقنة» لبنان», اي نقل المواجهات المذهبية في العراق الى الساحة اللبنانية, وربط الحل اللبناني بالحل العراقي الذي لا يبدو قريباً. في هذه الحال يمكن تصور نهر جديد من الدماء في شوارع العاصمة والضواحي وعلى امتداد الوطن.
لكن هذه الاحتمالات الرمادية والسوداوية ليست مغلقة على نفسها, وربما انتهت الاسابيع القليلة المقبلة الى «رؤية» اكثر وضوحاً لدور الأكثرية الحاكمة ودور المعارضة, على هدي الحلول الاقليمية والدولية, وفي هذه الحال يمكن ان يعود اقطاب الحوار والتشاور الى طاولة الحوار, وان يتلاقوا على صيغة توافقية للمحكمة الدولية وقانون الانتخابات الجديد ورئيس الجمهورية البديل... في ما يشبه الصفقة الكاملة التي تخرج لبنان من المجهول الذي يمضي اليه وتعيده الى المعلوم الذي يتوق اليه بعد رحلة عذاب طويلة.


 
يونس عودة
المصدر : الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...