عن الحرب السورية وعمرو خالد

د.سامح عسكر:
حصل إن الشيوخ دون استثناء أصدروا بيانات دعم من على شاشات التلفزيون ومواقعهم على الإنترنت والصحف، والسبب إن الوهابية بكل فروعها (التنظيمية والأكاديمية والدعوية والحركية) اشتغلت بكل فروعها بمصر والخليج وتركيا، من أول ماليزيا في الشرق للجاليات الإسلامية في الغرب.
كانت أكبر هجمة دينية متزامنة حصلت في العصر الحديث وفي وقت قصير جدا وبزخم واسع يعتبر أكبر من الزخم اللي حصل في أفغانستان، فالدعم الذي حصلت عليه جماعات أفغانستان بدأ على استحياء وظل سنوات طويلة حتى اشتد أواسط الثمانينات مع بدء مباحثات السلام الرسمية بين السوفييت وحلف الناتو، وكان هدف أمريكا من زيادة الدعم وقتها أن تضغط على السوفييت في مفاوضات إنهاء الحرب الباردة وحسب نقاط وجولات تدعم موقفها في التفاوض..
المهم: الشيخ عمرو خالد في مصر كان أحد قُطبّي هذه الهجمة الوهابية إضافة لمحمد العريفي ، باعتبار أن الشيخين لديهما أكبر عدد متابعين على الإنترنت بالمطلق، وجمهورهم أكبر في القنوات ويمثلون ما كان يوصف وقتها ب (الإسلام الشبابي) أو (الوسطية الإسلامية) التي تم ترويجها دعائيا بحملة إعلامية ضخمة جدا في تصوير هذه المصطلحات أنها نموذج للتدين الحديث، وهو النسخة الوهابية الأخيرة قبل سقوطها وانكشافها بعد ثورة يونيو..
عمرو خالد كان يقيم حلقات دعم وتحشيد وتحفيز للإرهابيين على كل مواقعه تقريبا، واستغل برامجه في التلفزيون لإرسال رسائل إلى مقاتلي القاعدة في باب عمرو وحماة وحمص وإدلب، كذلك عمل حلقة خاصة ضد الشيخ البوطي ساهمت في اغتياله لاحقا بعدها بعام لما تضمنته هذه الحلقات من تكفير للشيخ البوطي واتهامه ضمنيا وبشكل مبطن بالحرب على الإسلام..
كنت أسمع هذه الحلقات وقتها وفيها قصص عن مجاهدي السلف في الغزوات، وقصص أخرى للصحابة المقاتلين على أنهم قدوة يجب أن تحتذى، ووجوب كلمة الحق عند سلطان جائر ..مع فتاوى صريحة بوجوب إحياء الجهاد العالمي لإنقاذ الإسلام..
ذهبت لموقع عمرو خالد – منتداه على الإنترنت – لكونه وسيلة التواصل الوحيدة بيني وبينه، وصممت أن اكلمه وأناقشه لتبيان خطورة هذه الأفعال على الإسلام نفسه ليس فقط على سوريا، فكان الرد (مستحيل تقابل عمرو خالد) وسيب رسالتك هنا واحنا هنوصلها له، وبعدما كتبت مقالين فقط لتبيان الحقيقة تعرضت لهجوم تكفيري عنيف من الأعضاء على أني شيعي رافضي خبيث أدعم زبانية بشار، برغم أن ماكتبته مجرد تحليل سياسي للموقف ولم أتعرض للدين من أي جانب..
كانت عقول جمهور الشيخ عمرو خالد وقتها مغلقة بالضبة والمفتاح، وضيقة موجهة لمصير معلوم سلفا وهو استخدام وتوظيف طاقة كل الجماعات وكل المتدينيين لإشعال حرب مذهبية في سوريا، ومحاولتي كانت أضعف من التأثير في مجريات هذا المصير، فقررت أن أصرف نظر عن الحوار مع عمرو خالد وذهبت للحوار مع قيادات ونخبة الإخوان.. نجحت أن أتواصل مع الشيخ والنائب "سيد عسكر" و أسماء أخرى "كوصفي أبو زيد" و "جمال عبدالغفار" وغيرهم، حتى إني جلست مع إخوان قريتي وعرضت عليهم الرؤية فوجدت نفس التهمة التي صدرت من جمهور عمرو خالد..
أخذت قرابة العامين من سنة يونيو 2011 – مارس 2013 محاولات للنقاش مع أي أحد من التيار الإسلامي، وفي أثناء هذه الحقبة كتبت كتابي عن سوريا الذي راج وانتشر بين نخبة الخليج والشام وساعدهم في تكوين رؤية واقعية عن الحدث، لكن مع فشلي واقتناعي أنه لا فائدة من الحوار ، رأيت إنها مواجهة مصيرية لا فرصة فيها للحوار السلمي، قررت أن أغير استراتيجيتي بالهجوم المباشر وفضح مواقف كل من خذلوني في السابق، وشنيت حملة إعلامية في أكثر من 70 موقع وصحيفة عن طريق مقالات وشذرات بها معلومات وتحليل وتفكيك وتنبؤ، ثم ترجمت هذا الجهد بكتابين ظهرا في وقت واحد هما (مدينة الإخوان – ورحلتي من الإخوان إلى العلمانية) حكيت فيها لماذا فشل الإخوان في مصر وسوريا، ومحورية ما حدث في سوريا وتأثير ذلك على "الإسلام السياسي" بالكامل.
كان نصيب عمرو خالد من هذه الحملة مني (ليس كبيرا) لعلمي إنه مجرد ترس في حلقة تدور هي التي تتحكم وتعطي الأوامر، وإن هذا الشخص كان موظفا عند الأعيان والحكام ورجال الدين الذين كانوا يوجهون الرأي العالمي وقتها، باعتبار أن العالم كله تقريبا كان يدعم الإرهاب في سوريا، ويصور الجيش السوري بالطائفي الذي يقتل لأسباب مذهبية (دعايات الإسلاميين) أو يقتل لأسباب دكتاتورية (دعايات الليبراليين) مع خلط بين الدعايتين في أذهان البعض، بحيث كنت تسمع ليبرالي وقتها متبني وجهة نظر عمرو خالد على إن الشيعة يقتلون السنة ولابد لنصرة الصحابة..إلخ، وهذه كانت معالم أيدلوجيا الإسلاميين وقتها ومجانين الحرب الطائفية الذين ظهروا في مؤتمر الاستاد في يونيو 2013 قبل سقوط مرسي بأيام.
ما حدث في سوريا تدل على خطورة رجل الدين عندما يتحدث في السياسة، فمعلومات الشيخ عمرو وتحفيزه للمقاتلين مبني على انحياز طائفي محض، لم يسمح له برؤية المشهد بالكامل ولا أن يتحرى صدق أي معلومة، كانوا جميعا كالعميان..وخطورتهم كالفيل الطائش في محل الخزف، هيكسّر أي حاجة دون وعي بقيمة ما يكسره، وهايعمل أي حاجة دون وعي بخطورة ما يفعله..
صورة من تاريخ الإخوان والإسلاميين وكيف أن شعبية رجل الدين سلاح ذو حدين، فمثلما تنجح أحيانا في حفظ الأمن ودعم الحاكم..تنجح غالبا في تدمير الدول واستغلال طاقة أي متدين وشعبية أي عقيدة وجماهيرية أي مذهب في تحويل كل هذه الطاقات الجبارة للقتل والذبح والهدم دون تمييز..