فقه الاستبداد وفشل أنظمة الإسلام السياسي

 

1

 

هل بنية الاستبداد مشرقية كما كان يرى بعض فلاسفة أوروبا: أرسطو وأرنست رينان ومونتسكيو وهيغل وكارل ماركس وفريدريك آنجلز؟ لماذا يميل الشرقي إلى الاستبداد كزوج ورب أسرة أو معلم أو شيخ أو ثري أو كحاكم! وكيف نفكك تراتبية الاستبداد وثقافة الخضوع في المجتمع؟

لم يكن معنى الاستبداد في التراث العربي مرذولاً، فهو أحد مواصفات القوة التي يحترمها العرب، وقد قال شاعرهم عمر بن أبي ربيعة "إنما العاجز من لا يستبد"، وذهبت مثلاً، حتى إنها كانت محرضاً للرشيد للبطش بالبرامكة بعدما قويت شوكتهم وباتوا يشكلون قوة اقتصادية في دولته... وأول مفكر عربي تحدث عن الاستبداد بمعناه السلبي هو الفيلسوف التونُسي عبد الرحمن بن خلدون (732 هجرية) حيث وصف الترف الذي يعيش فيه الملك بالاستبداد، وبَيَّن كيف يتم تعزيز الاستبداد من خلال الدور الذي تلعبه حاشية الحاكم... ذلك أن التجربة التاريخية العربية تظهر أن الشعب وجد من أجل خدمة الحاكم، في حين يقتضي منطق التعاقد السياسي والاجتماعي أنه يجب أن يكون الحاكم في خدمة الشعب... بعد ابن خلدون استمر انقطاع الحديث في باب الاستبداد 500 عام، حتى جاء الشيخ الحلبي عبد الرحمن الكواكبي ليفكك بنية الاستبداد العثماني، وسنستعرض فيما يلي بعض آراء المفكرين العرب الذين تحدثوا بعد الكواكبي عن الاستبداد العربي.

 

2 

 

لا يجتمع العقل مع العبودية، ولا يزدهر إلا في مناخ الحرية، ولا يمكن علاج الاستبداد من دون معرفة أسبابه: كذلك يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد الذي نشره عام 1900م فكان أول مفكر عربي في عصر النهضة يطرح موضوع الاستبداد الشرقي، حيث قال إن الاستبدادَ أصلٌ لكلِّ فساد، وهو يتعلق بسبعة عناصر هي: الدين، العلم، المجد، المال، الأخلاق، التربية والترقي، وقد دفع حياته ثمناً لأفكاره حيث مات مسموماً في القاهرة بعدما هرب من ملاحقة السلطات العثمانية له في حلب... ومنذ أيام الكواكبي تعرض الكثير من المثقفين العرب الأحرار إلى القمع والملاحقة والسجن وحتى القتل، ذلك أنهم كانوا يصطدمون بالمنتج النهائي لثقافة الاستبداد الذي هو الحاكم، بدلاً من عملهم على تفكيك ثقافة الاستبداد الموروثة في المجتمعات العربية، ذلك أن "التجربة التاريخية أثبتت أن مجرد تغيير حاكم مستبد لا يلغي الاستبداد، وهذا يعود إلى وجود جذور للاستبداد تصعب خلخلتها. وهنا، لا يكمن الخلل في الحاكم المستبد وحسب، بل في المحيط العام الذي يخرج منه، وخصوصاً مثقفي السلطة الذين يعملون على تقديس السلطان وتنزيهه وتعزيز فكرة عصمته، ذلك أن الحاكم المستبد لا يستطيع ممارسة الاستبداد وحده، بل في الغالب يوجد من يعززه ويساعده على ذلك. لذا، ثمة حاجة إلى معرفة أصول الاستبداد العربي بصورته التراكمية حسب رأي الباحث الفلسطيني زهير مبارك في رسالته المهمة عن "أصول الاستبداد العربي".

 

3 

 

عرف عرب الجزيرة قبل الإسلام النظام القبلي والنظام الملكي، وقد ذكر التاريخ بعض ملوك العرب الظالمين كالنعمان بن المنذر وحجر بن عمرو الكندي (آكل المرار) والد الشاعر امرؤ القيس. وكانت مكة حاضرة تجارية دينية أما المدينة فكانت ذات صبغة زراعية وكلتاهما تخضعان لنفوذ القبائل. ولم يكن لمكة نظام سياسي وإنما كان لديهم مجمعاً اسمه الملأ يضم وجهاء قريش، وكان يعقد في دار الندوة للبـت في الشـؤون العامـة من تجـارة أو حرب، وكانت سلطته أدبية وقراراته غير ملزمة إلا في حال الإجماع، وكان هناك حلف الفضول لنصرة المظلومين واسترجاع حقوقهم، وقد انضم إليه محمد بن عبد الله قبل بعثته، إضافة إلى تحالفات أخرى مشابهة...

كانت المدينة المنورة قاعدة النبي، ومنطلقاً لثورته على النظام القبائلي والطبقي، حيث بدأ بتنظيم مجتمعها كأول مجتمع اشتراكي في التاريخ، ساوى فيه بين العبد المسلم والحر في الحقوق والواجبات، وعمل على تحرير الرقيق ونصرة الفقراء وإدماجهم في المجتمع الإسلامي بتكوينه الجديد حيث خلخل البنية الطبقية للمجتمع القبائلي ووحد عباداته. وأخذت قبائل العرب تدخل في تحالفات مع الدولة الإسلامية الصاعدة، فامتدت سلطاته عبر الجزيرة ناشراً في ربوعها السلام والعدل والحماية، موجها طاقات قبائلها الحربية إلى خارج حدودها لتوسيع قاعدته، حيث نشأ مفهوم أمة الإسلام، ودستورها القرآن، وحدودها حيث تصل سنابك خيول جيشها، مهدداً روما وفارس أعظم امبراطوريتين في ذلك الحين، ورغم كل ذلك لم يطلق مصطلح دولة الإسلام عليها...

بعد وفاة النبي نشأت المعضلة الكبرى، إذ أن الله تعالى لم يخص أمة الإسلام بآية حول نظام الحكم الذي يريده لهم، كما جرى في نظام الإرث أو النكاح أو العقوبات التي فصل فيها، كما لم يترك الرسول من بين عشرات الآلاف من الأحاديث أي حديث عن نظام الحكم أو مواصفات خليفته!؟ وحين ثار الجدال تحت سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار حول أحقية الحكم لم تذكر كلمة خليفة وإنما ذكرت مصطلحات الوزارة والأمارة، واستخدمت الأوس والخزرج البعد الديني في دفاعهم عن حقهم بالحكم في نصرتهم للرسول عندما خذلته قريش، بينما استخدم أبو بكر منطق النظام القبلي حين قال بأحقية قريش.. وهكذا رسب المسلمون في امتحان السقيفة، واستبدت قريش بالزعامة واختلفت مع بعضها واستبعدت بني هاشم عنها، وقال علي لأبي بكر مفسراً سبب تأخر مبايعته له: " فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن في هذا الأمر حقاً فاستبددتم به علينا ". وعندما استلم عليّ الخلافة انشق بنو أمية ونقلوا عاصمة الإسلام إلى دمشق، ثم حاربوا وقتلوا وشردوا آل بيت الرسول، وأقاموا ملكاً عضوضاً حسب وصف الرواة، بعدما استوردوا النظام الملكي من فارس وروما عبر المناذرة والغساسنة، فاستبد الأمويون، وكذا كان عليه حال العباسيين حين أقاموا دولتهم المسلمة بعدما حطموا دولة الأمويين المسلمة، وضاقت قصورهم بالأموال والجواري والعبيد الذين عمل النبي على تحريرهم، حيث استخدموا البعد الديني لشرعنة استبدادهم واستأجروا الشعراء والفقهاء لتزيين أعمالهم، ثم تبعهم في ذلك كل الحكام الذين توالوا على قيادة الأمة الإسلامية حتى آخر خليفة عثماني... ثم ومع بداية القرن العشرين تم الانقلاب على إرث الإسلام السياسي بأفكار الثورة الفرنسية التي تبناها علمانيو الأمة لتحريرها من نير الاستبداد الذي امتد لثلاثة عشر قرناً من الطاعة والعصيان.

 

4 

 

في كتابه حول "بنية العقل العربي"، يرى المفكرُ المغربي محمد عابد الجابري أن المجتمع الإسلامي فشل في تحقيق مدينته الفاضلة، مدينة الإجماع والشورى، وذلك بسبب الاستبداد الذي أصاب نظام الحكم الإسلامي الذي حوّل التطور في تنظيم الشورى والإجماع إلى مجادلات فارغة في حجية الإجماع. واستشهد الجابري بالسجال الذي ظهر عبر تاريخ الفقه الإسلامي حول الإجماع، الأمر الذي ميع فكرة الإجماع وبالتالي أقرّ الاستبداد... وفي كتابه عن "العقل الأخلاقي العربي"، يرى أنه ليس هنالك نص تشريعي من القرآن أو السنة نظّم مسألة الحكم، بل إن المسألة اجتهادية كانت تخضع لظروف كل عصر ومتطلبات تحقيق الشورى فيه. ويعرض الجابري لثلاثة أمور حكمت العقلَ السياسيَّ العربيَّ في الماضي هي: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة، ويرى أنها ما زالت تحكمه في الوقت الحاضر. وقد رافق هذه الأمور تفسيرات وتدخلات غذت الاستبداد بصور وتبريرات مختلفة، حيث تم تأويل النص بما يناسب الملك، كما هو الحال بالنسبة للطاعة والقدرية والجبرية، حيث انتقلت القيم الفارسية في الطاعة والاستبداد إلى الحضارة العربية الإسلامية.

ويرى المفكر المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية"، أن الوعي التراثي المستخدم في معارك الراهن هو وعي مؤسطرٌ يتمُّ إعداده لاستعماله في مواجهة معارك وتحديات جديدة من دون مراعاة الفوارق الناجمة عن الخلط الفكري الذي أدى إلى ضعف النظر في مستوى فهمه التاريخي، واستمرار غياب القراءات النقدية لخطاباته المتنوعة، وتوقع أن تستمرَّ هذه الظاهرة في حضورها ما دمنا لم ننجز الأبحاث المفككة لمحتوى التراث. وهو هنا لا يرفض التراث بقدر ما يطالب بإيجاد منهج تاريخي لقراءة التراث ضمن وعيه الزمني. وقد تتبع عبد اللطيف الآداب السلطانية حول العظات والأفكار والمواعظ والحكم وبيان التبريرات لسلوك الحاكم ودعم المواقف السياسية ورسم المواثيق وخطط الدولة والمحافظة على القائمين بمهام التدبير فيها، ومن ثم، يعيد قراءة هذه النصوص الزاخرة بالتبرير السياسي، مرجعاً صيغتها وما تحويه من نصائح إلى نصوص فارسية مترجمة من زمن المثاقفة الإسلامية - اليونانية - الساسانية، حيث تم استخدامها في سياق ملابسات سياسية فكرية تاريخية تتعلق بصيرورة الدولة الإسلامية من الحكم الأموي إلى الحكم العباسي. بمعنى أن الأصول أخذت منحى الاستيراد. ثم ربط عبد اللطيف بين الطاعة المستوردة والاستبداد العربي، بالتعاون مع مثقف السلطة والحاشية، مبيناً علاقة التبعية بين أطراف البطانة والحاكم.

كما يستشهد المفكر الفلسطيني زهير مبارك في كتابه عن جذور الاستبداد العربي بسلسلة من آراء المفكرين العرب المعاصرين، ومن بينهم محمد جابر الأنصاري في كتابه "تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية"، إذ يرى أن الماضي مثقل على أرض الواقع الذي يقوم على ممارسة الاستبداد من قبل السلطة المركزية تحت حجة منع الفتنة، وأن الصراع بدأ بعد وفاة النبي محمد، حتى أن صحابته مارسوا المواجهة الدموية. ويوافقه الرأيَ هشام جعيط في كتابة "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر"، حيث يرى أن الفتنة ما زالت حاضرة في الوعي الإسلامي كمرجعية، وكعلامة من كبرى العلامات التاريخية الإسلامية، لكنها غير معروفة في آلياتها وتطورها، فهي قد جرت في فترة الخلافة الراشدة التي يعتبرها المسلمون فترة سامية، وكفترة ذات مواصفات قياسية لحكم الخلافة من حيث الحق والعدل. كما يرى جعيط أن ذلك يقود إلى أن هذا الإسلام إنما هو إسلام سياسي، وهو يمثل عهد المحسوبية والتنافس على الحكم والعنف المرير الذي بني عليه الكثير من الويلات للأمة التي مورست عليها أبشع أنواع الاستبداد. وقد ذهب إبراهيم محمود في هذا المذهب بكتابه "الفتنة المقدسة: عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية"، معتقداً أن عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية تأتي بسبب النزاع على السلطة منذ مؤتمر السقيفة، وهذا أسس لعقلية التخاصم في "ميكانزمها" التفريقي، ذلك أن الأرضية التاريخية بعد وفاة النبي محمد، واقعياً، كانت أرضية انشقاق وتناحر على السلطة، إذ أن من أسلم حمل معه ماضيه، بكل أبعاده القبلية والاجتماعية والسياسية، وفي الوقت نفسه لم يكن ينسى هذا الماضي الفاعل في حياته... أما خليل عبد الكريم، فقد قّدم دراسة للواقع الإسلامي منذ الجاهلية ممتداً إلى الفترة الإسلامية مركزاً على تصرفات الصحابة وعلاقتهم بالناس متطرقا إلى "الفتنة" ومدى تفاعل الصحابة معها. وقد كان ذلك من خلال كتابه: "قريش: من القبيلة إلى الدولة المركزية".

 

5 

 

 في كتابة "المجتمع العربي المعاصر: البنية البطركية" أورد هشام شرابي بعض المحددات ذات العلاقة في البحث عن السبب في استمرار الاستبداد، حيث ركز على ربط التغيير بواقع المرأة وتحررها كشرط لتحرر المجتمع. ويرى شرابي أن العائلة حجر الزاوية في بنية المجتمع العشائري، وهنا لا بد من إدراك الطابع المميز للعائلة العربية. ولعل هذا يفيدنا في دراسة الحالة الاجتماعية المساهمة في تعزيز الاستبداد عبر التربية المصادرة لحياة المرأة داخل العائلة التي تعزز البنى الاجتماعية للتغيير أو لبقاء الواقع كما هو.. وقد رأى في كتابه "النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي"، أن الأخلاق القبلية انعكست على المجتمع الإسلامي بما تحمل من أبوية قديمة حتى وسمتها بطابعها المميز، وهذا ما أعطى الدولة العربية طابعها الأبوي المستحدث.. أما حليم بركات فقد عمل من خلال كتابه "الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع"، على الربط بين العائلة والدين حيث تمت محاولة الربط بين صورة الأب وصورة الله بما يتضمن من صفات التجبر والعقاب الصارم. كما تم الاجتهاد من خلال الدين لإضفاء الشرعية على النظام العام القائم وتسويغ امتيازات الطبقات الغنية والحاكمة. ويرى بركات أن هناك علاقة وثيقة بين النظام الاجتماعي الأبوي والنظام السياسي الاستبدادي، حيث يتصرف الحاكم كأب وينظر إلى المواطنين كأبناء قاصرين، ويتم مخاطبة الشعب بصيغة الفرد بينما يشار إلى الحاكم بصيغة الجمع، وبهذا يقول إن هذه السلطة تنبع من الحاكم وانتمائه الأسري والطبقي، وليس من الشعب نفسه. ومن هنا، نرى أن الجانب الرئيس في النظام السياسي هو طابع الأبوة، حيث تسود العلاقات العمودية التسلطية والفوقية. 

 

6 

 

 بالعودة إلى" أصول الاستبداد" لزهير مبارك، نلاحظ تفسيره للمسائل الفكرية التي ظهرت لحسم الصراع على السلطة عبر مفاهيم القدرية والجبرية والطاعة. إذ مثلت الجبرية مبدأ الحكم الأموي المستبد على أساس أنه من الله وليس للبشر دور فيه. وفي المقابل، فإن القدرية رفضت مبدأ الجبر انطلاقاً من أن الإنسان مسؤول عن أفعاله. وهذان الموقفان حددا الخضوع والطاعة للحكم القائم أو رفض الانصياع له، لأنه يمثل التفافاً على الدين الذي حُمًّل أكثر مما يحتمل..
كما يتحدث عن دور الفقه في التأصيل للاستبداد، وذلك بالمحافظة على الوضع القائم بحجة درء الفتنة وبقاء حكم الحامي للدين، لأن زوال الحكم يعني ضياع الدين، وهذا ما يمكن تسميته بفقه الاستبداد حيث استبد الفقيه الباحث عن الحلول في مناطق سكوت النص، وقد ساعد ذلك حالة المثاقفة مع الحضارات الأخرى لا سيما الساسانية التي نهل منها فقهاء الخلافة كالماوردي وغيره، حيث أسبغ شريعة أزدشير الزرادشتية على الدين الإسلامي بالقول أن الخليفة حارس الدين، وأن الملك والدين توأمان، وهو ما مثل قناعة بأن الخروج على الحاكم المستبد خروج على الدين.

كما عرض مبارك لرأي كمال عبد اللطيف حول ما اصطلح عليه بالآداب السلطانية من خلال التطرق إلى مجموعة من هذه الكتابات كأحد أصول الاستبداد، فهي التي أعطت الحاكم المستبد تبريرات وجوده، وركزت على وجوب الطاعة بحيث يظهر في هذه الآداب أن المحكومين وجدوا لخدمة الحاكم وليس العكس.

ودرس مبارك الأسس النظرية التي شكلت بطانة، أو حاشية الحاكم، وطبيعة دورها، فبحث في طبيعة البطانة ودورها كتابعية للحاكم، وأقسامها المباشرة وغير المباشرة، والفرق بينهما. كما تعرض لمثقف السلطة كأداة من أدوات الحكم حسبما يقول ابن خلدون، وتحدث عن دور المثقف الإسلامي ككاتب للديوان، ومن ثم كمبرر للاستبداد، ثم انتقل إلى دور مثقف السلطة في التبشير لمفهوم المستبد العادل انطلاقاً من أنه يمكن أن يكون الحاكم مستبداً وعادلاً في الآن نفسه، وقد فند هذا المفهوم الذي يقود إلى تكريس الاستبداد من خلال إعطائه شرعية الاستمرار تحت مظلة العدل. وختم بالحديث عن العقبات التي تعترض زوال الاستبداد العربي حتى اليوم.

 

7 

 

نستعرض هنا جواب السؤال في بداية مراجعتنا: هل كان العرب خانعين لاستبداد السلطة كما كان يظن أرنست رينان ومونتسكيو وهيغل وغيره من فلاسفة الغرب الكلاسيكيين في موضوعة الإستبداد الشرقي؟ بالطبع لا، فمنذ مؤتمر السقيفة تتالت ثورات العرب لأسباب دينية وسياسية واقتصادية، حيث قامت الثورات بعد استلام أبي بكر للخلافة بين عامي 11 و12 للهجرة، عندما رفضت القبائل دفع الزكاة أو لم تعترف بزعامة قريش، وانتفض العرب في كُلِ قبيلةٍ، باستثناء أهالي مكَّة والمدينة المنورة والطائف والقبائل التي جاورتها.. ورفض أبو بكر أي حوار أو مصالحة حول الزكاة، واعتبرها معياراً لوفاء القبائل للإسلام، واعتبر كل من لم يدفع الزكاة مرتداً تجب محاربته مثل من يرتد عن الدين أو من لم يدخل بالإسلام؟! ويمثل الأسود العنسي زعيم قبيلة مذحج وجهة نظر غالبية المتمردين في رسالته إلى جباة الأموال المسلمين في مناطق اليمن: "أيها المستوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه". وقد قمعت ثورات القبائل بشدة فيما أطلق عليها حروب الردة..

بعد الثورات التي وسمها المنتصرون بالردة قامت ثورة ضد الخليفة عثمان بن عفان عام 35 للهجرة، وتمثلت بخروج فصائل من الجيوش المرابطة في البصرة والكوفة ومصر إلى المدينة المنورة، حيث حاصرت منزل عثمان لأربعين يوماً، ومن ثم تسللت مجموعة منها إلى المنزل واغتالت الخليفة. وكان خروج هؤلاء بعدما طالبوا الخليفة بعدد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، أهمها وقف تكدس الأموال، وفساد أقاربه، والمساواة بين المسلمين في العطاء.. ثم قامت حركة الخوارج ضد الإمام علي بسبب موقفهم من نتائج التحكيم بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان، وأدى هذا التمرد إلى حرب النهروان التي انتصر فيها علي على الخوارج.

وفي عام 61 للهجرة قامت في كربلاء بالعراق ثورة الحسين بن علي، حيث قال الحسين أنه خرج للإصلاح في أمة جده رسول الله رافضاً خلافة يزيد بن معاوية بسبب انحرافه عن نهج الرسول والخلفاء الراشدين في الحكم والسلوك. وتسببت ارتدادات مقتل الحسين مع مجموعة من أهل بيته وأصحابه بثورات لاحقة خرجت تطلب الثأر للحسين، كثورة التوابين عام 64 للهجرة، ومعركة عين الورد بقيادة الصحابي سليمان بن الصرد ضد الجيش الأموي عند حدود الجزيرة الفراتية التي انتهت بمقتله، وثورة مسلم بن عقيل بن أبي طالب على حكم يزيد وانتهت بإعدامه على يد والي الكوفة والبصرة عبيد الله بن أبي زياد. ثم قامت حركة المختار الثقفي كتنظيم سري عقائدي عرف بالكيسانية وبايعت محمد بن الحنفية، نجل الإمام علي، وقامت بالثأر من قتلة الحسين. ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين ضد الحكم الأموي، حيث اصطف كثير من المسلمين خلفه وعقدوا له البيعة والعهد على الوفاء في مواجهة هشام بن عبد الملك، وتم القضاء على الثورة بعدما ضغط هشام بن عبد الملك على طبقة الأغنياء والوجهاء من أتباع زيد بالتهديد بسحب أموالهم والتسلط عليهم مما دفعهم لنقض بيعتهم له ولم يثبت معه إلا الفقراء والمظلومين. أما أول ثورة على العباسيين فكانت ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، حيث أعلن خروجه في المدينة المنورة عام 145هجرية، وبايعه الناس خليفة وبدأ بإرسال ولاته إلى الأمصار، إلى أن جرت المواجهة العسكرية مع الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور وانتهت الثورة بمقتل "النفس الزكية".

وقد كررت الدولة العباسية سياسات الدولة الأموية لتعيد إنتاج الأزمات الاجتماعية نفسها، واستمر الاستغلال الطبقي والاجتماعي وتفشى الفقر بين عامة المسلمين وتشكلت طبقة أرستقراطية استحوذت على أهم الموارد الاقتصادية الممثلة بالإقطاعات الزراعية في جنوب العراق حيث عمل الفلاحون عندهم بالأجرة أو بالسخرة، كما رفعت الدولة ضرائبها على الأراضي وعجز ملاكها عنها فضمها الإقطاعيون الكبار إلى أملاكهم واستقدموا عبيداً من زنج أفريقيا والزط (الغجر) من الهند للعمل في الأرض، ومات الكثير منهم، حيث هيأ الظلم والاستبداد بيئة مناسبة للثورة. وكانت "ثورة الزنج" أقوى الثورات التي هزت الدولة العباسية وقوضت استقرارها، وكانت ثورة ذات مضمون اجتماعي وإنساني، كتحرير العبيد الزنوج ومساواتهم بباقي المسلمين. وكانت الثورة قد اشتعلت أول مرة أيام حكم عبد الملك بن مروان بين عامي 65 و86 هجرية في مستنقعات البصرة وسهولها، واتسع نطاقها لتشمل غير الزنوج من المستعبدين والأحرار، حيث تجمّع "الزنوج" تحت قيادة "شير زنجي"، أي أسد الزنوج، وانضم إليهم الزط وكثير من عرب العراق الذين اضطهدهم بنو أمية. فسيطروا على جنوب العراق ثم إيران والأهواز. فأرسل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي على رأس جيش من الكوفة، وقد فشلت هذه الثورة، بعد سنوات قليلة بسبب افتقارها إلى برنامج وتنظيم ثوري. ثم عادت الثورة إلى الاشتعال عام 255 هجرية في عهد بني العباس الثاني، واستمرت 15 عاماً تحرق المدن وتبيد الزرع، وعمل المؤرخون والفقهاء على تشويهها وتجسيد خطورتها على الأمة الإسلامية، واتهموا الثوار بالمروق والإلحاد والزندقة.

وفي الأندلس قام عمر بن حفصون مع مجموعة من المولدين (أبناء العرب والبربر من نساء أندلسيات) بالثورة على بنى أمية عام 265 هجرية، وسيطروا على مناطق واسعة جنوب الأندلس، يساعدهم جيش من (العاطلين عن العمل والرعاع والبسطاء)، ودعا لرفع الظلم الاجتماعي عن المولدين والمهمشين من البربر وغير العرب، وطالب باستقلالهم عن السلطة المركزية في قرطبة. وراح يوسع أمارته بعدما هزم ثلاثة جيوش متتالية، حتى تمكن خليفة الأندلس عبد الرحمن الناصر لدين الله من دحر حركة ابن حفصون وخلفائه بعد وفاته عام 316 هجرية.

وفي العصر الطولوني قامت ثورتان علويتان في عام 869 م حيث ثار أحمد بن محمد بن طباطبا العلوي على أحمد بن طولون، كما ثار إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بـ “ابن الصوفي العلوي"، في صعيد مصر، فقام جيش ابن طولون بالقضاء على الثورتين.

 وفي عام 1804 م ثار المصريون على الوالي العثماني خورشيد باشا بسبب الضرائب الجديدة وسوء الأوضاع الاقتصادية، فاجتمع وكلاء الشعب من العلماء والزعماء في دار المحكمة للتشاور وطالبوا بعزل الوالي وتولية محمد علي باشا مكانه، ولم يملك السلطان العثماني سوى الاستجابة لمطالبهم. وبعد حكم محمد علي باشا اشتعلت الثورة المهدوية من الصعيد عام 1824 م وشملت مناطق عدة، وتزعم الحركة أحمد بن إدريس، والتف حوله الرافضون للتجنيد في الجيش النظامي، فاستعان الوالي محمد علي بقوات تركية وبدوية لسحق الثورة، فقتل آلاف الفلاحين كما أعدم الضباط والجنود الذين ساندوا الانتفاضة.

كما قامت الثورات في مدن بلاد الشام ضد إبراهيم باشا فيما بين 1833 و1834 ضد قرارات التجنيد والضرائب وجمع السلاح من الأهالي واحتكار تجارة الحرير: في القدس ونابلس ودمشق وعكار وطرابلس وبعلبك وبيروت وحوران وجبل العرب وصافيتا والحصن، وقد أخمدها بوحشية.

وفيما بين 1516 و1916 قامت مئات الثورات بسبب الظلم والاستبداد العثماني ومنها ثورة فخر الدين المعني أمير الشوف بلبنان 1635 التي انتهت بقتل الأمير وتعليق رأسه على باب السلطان وقتل زوجاته في سجن قلعة دمشق.. وثورة الشيخ عبد الدايم في إقليم الشرقية بمصر عام 1518م، ثم ثورة الحلبيين 1819 حيث هجموا على بيت الكتخدا سليمان بيك وقتلوه، ثم قتلوا العديد من عساكر الوالي الذي أمر جيشه بمحاصرة المدينة وضربها بالمدافع وقطع الماء عنها. وثورة الشيخ الليبي غومة المحمودى ضد الوجود العثماني في ليبيا (1835 - 1858)، بسبب فرض الإتاوات على الليبيين، وإحلال الأتراك والأرناؤوط محل العرب في الوظائف الرسمية بطرابلس. وثورات العشائر الأردنية منذ منتصف القرن السادس عشر وسيطرتهم على طريق الحج مما اضطر السلطان العثماني للتفاوض معهم حول تخفيض الضرائب المفروضة عليهم. ثم توجت الانتفاضات العربية بالثورة الكبرى وتم دحر العثمانيين من البلاد العربية بعد أربعة قرون من الاستبداد.

8 

 

بعض ما تقدم يظهر سبب  فشل حكومات الإسلام السياسي عبر التاريخ العربي في إنتاج العدالة والمساواة بين المحكومين، إذ أن الإسلام ذو مضمون روحي أخلاقي ولا يشتمل على نظام سياسي متكامل، وما قام به الرسول كان وليد ظرفه، ولو جاء في زمن ومجتمع آخر لتغيرت سيرته منطقياً.. وقد فشلت ثورات الربيع العربي في إنتاج الديمقراطية لركوب الإسلاميين عليها وإعادة إنتاج تجربة الإسلام السياسي.. لهذا مازلنا نرى أن الديمقراطية والمواطنة هي نتاج العلمانية التي تفصل السياسة عن الدين، وأما الاستبداد الذي أنتجه قادة علمانيون فيرجع إلى أسباب فردية وشخصية وليس لخلل في القوانين المدنية العلمانية التي نجحت في دول وسقطت في أخرى بسبب سلوك قادتها وحاشيتهم، والتي يصادف أنهم في البلدان العربية قد تشربوا في طفولتهم ثقافة الاستبداد الأسري والطاعة الدينية، ثم تمردوا عليها لتعود وتتمظهر مجدداً في سياساتهم الإستبدادية، حيث تحدثنا في المراجعات السابقة كيف تراجع الجيل الثاني من قادة الثورات العلمانية في مصر وسورية والعراق والسودان وتونس والجزائر واليمن والصومال عن خطهم العلماني، وهادنوا التيارات الإسلامية، ثم تحالفوا معها قبل أن تفترسهم..

 إن تغيير حاكم مستبد لا يلغي الاستبداد المتموضع في ثقافة التراث الشعبي، لهذا فإن الثورة الناجحة تبدأ بتطوير ثقافة المجتمع السلفية إلى ثقافة مدنية علمانية، لأن الثورة الناجحة تجري داخل العقول وليس بين الأرجل، وهذا ما حصل للشعوب المسيحية في الغرب عندما أبعدت الدين عن السياسة بإلغاء سلطة الكنيسة، واحترمت فلاسفتها، ولم تنقطع عن إيمانها بالله. بينما مازالت تسود عندنا فتاوى المشايخ الذين تعج القنوات التلفزيونية والإذاعية ببرامجهم، ولا يكاد الفرد المسلم يفعل شيئاً دون أن يسأل شيخه عنه، الأمر الذي يدفع الحكام للتحالف مع رجال الدين لتدعيم سلطاتهم على شعب الفتاوى المروض بثقافة الطاعة...

إن حركة التحرر العربي تتسع طردا باتساع حركة التثقيف العلماني، لهذا ما زلت أطلب من متابعي هذه المراجعات العودة إلى الكتب والمراجع التي أستشهد بها لتوسيع مساحة رؤيتهم وتدعيم قدرتهم على إقناع غيرهم باعتبارهم جنوداً للمعرفة والعدالة والتقدم.. كذلك تتمدد أفكار التنوير بتقلص مساحات الجهل والاستبداد، وعندما يغدو تفكير وسلوك المجتمع ديمقراطيا ًفإنه بالتأكيد سوف يفرز قادة جيدين ونظاماً عادلاً، فكما تكونوا يُوَلَّى عليكم...

 

نبيل صالح: عربي برس