عن النفط والإسلام واستعصاء الربيع السلفي

 

1

 

كيف تشكلت نسخة الإسلام الوهابي، وكيف ستغدو صورة الإسلام النفطي اليوم بعدما بدأ محمد بن سلمان بالانسحاب والتنكر للنسخة المتوحشة من الوهابية التي دمرت كل البلدان التي مرت عليها، بدءا بالصومال مرورا بأفغانستان وصولا إلى سورية ..

يتفق المسلمون جميعا على العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة ويختلفون في مذاهبهم الفقهية التي تشكلت لأسباب سياسية، حيث تغيرت نسخ الحكومات الإسلامية بين حقبة وأخرى ولم تستقر على حال أو تقدم نموذجا ناجحا يمكن اعتماده.. فقد تبخرت نسخة الإسلام المحمدي بعد وفاة الرسول لتحل محلها نسخة الإسلام القبائلي، بعدما تنازعت القبائل مع قريش، وقريش مع بعضها، على تركة الرسول، وذهب ضحية هذا النزاع بضعة خلفاء، وعندما أراد عليّ استعادة النسخة المحمدية سنة 35 للهجرة كانت القبائل قد أوغلت في خلافاتها القديمة وعمقتها ولم يعد بالإمكان إعادة تجميعها على ما كانت زمن الرسول بعدما تغيرت المعطيات.. ثم تتالت نسخ الإسلام السياسي المتصارعة مع بعضها، إذ شكل معاوية، بمساعدة من الرواة وبيت مال المسلمين، نسخة الإسلام الأموي الملكية فوق جماجم آل محمد حيث قطع ابنه يزيد سنة 61 للهجرة 74 رأسا هاشمياً معارضاً وسبى نساءهم كما لو أنهم كفار، ثم أباد العباسيون بني أمية سنة 132 للهجرة ونشروا نسختهم الإمبراطورية من الإسلام التي افتتح في أواخرها النزاع السني الشيعي في العراق سنة 236 للهجرة بهدم ضريح الحسين على يد الحنابلة الذين كان يدعمهم الخليفة المتوكل بالله وجنده من السلاجقة. ثم أقام الفاطميون نسختهم الشيعية للإسلام على المذهب الإسماعيلي في مصر والشام وشمال أفريقيا ليبيدهم الأيوبيون ويعيدوا العمل بالنسخة السنية على المذهب الشافعي. ثم جاء المماليك على أنقاض الأيوبيين، حيث اشتد النزاع بين المذاهب السنية بعد طول استبداد الشافعية بها، فاعتمدوا قضاة للمذاهب الأربعة وجعلوا في كل جامع أربعة محاريب يصلي أتباع كل مذهب في محراب، وحصلت اضطرابات بين الحنابلة والشافعية، وكان في دمشق وحلب جوامع مخصصة لمذهب دون غيره ويكتب على باب الجامع لافتة تمنع دخول أتباع المذاهب الأخرى. ثم جاء سلاطين بني عثمان الذين لا يتقنون العربية فتبنوا المذهب السني المعادي للصفويين الشيعة، واستحدثوا منصب شيخ الإسلام، وأنتجوا  نسختهم المليّة.. ثم بعد زوال الدولة العثمانية تبنى الإخونج نسختهم وقامت دولتهم في سنة 2012 مصر ثم هوت سريعا في 2013 لعدم قابليتها للحياة المعاصرة، بينما يحكمون بالحديد والنار في تركيا منذ 2014 مدمرين الإرث العلماني الذي شكل تركيا الحديثة منذ 1908. أما آل سعود فقد تبنوا النسخة الوهابية التي تعتمد أفكار ابن تيمية الحنبلي، ثم تولدت عن الوهابية لاحقا مدارس تكفيرية عديدة متنازعة مع بعضها ومع غيرها، ومنها الجهمانية التي قام أتباعها باحتلال الحرم المكي في السبعينات، وصولا إلى السرورية التي مازجت بين تعاليم الوهابية والإخونجية، وانتهاء بالسلفية الجهادية التي شكلها أسامة بن لادن. غير أن النسخة الرسمية التي اعتمدها آل سعود بقيت هي السائدة برعاية (مركز البحوث العلمي)    وشيوخه الذين يفصلون الفتاوى على مقاس سياسة الكرسي السعودي، وما زلنا نذكر فتاواهم التي ساندت صدام حسين في حربه مع إيران ثم هاجمته في حربه مع التحالف الأمريكي!؟

 

2

 

تشكلت نسخة الإسلام الوهابي سنة 1744 م عندما وقع الشيخ الحنبلي محمد بن عبد الوهاب ميثاق التحالف مع محمد بن سعود أمير الدرعية الذي ينص على الدعوة إلى تصحيح عقيدة الناس بالسيف مقابل جزء من الخراج لبني عبد الوهاب، حيث كفر جميع المسلمين من غير الوهابيين وحلل قتلهم وسلب أملاكهم. وقد تدخلت نسخة بن عبد الوهاب الإسلامية بأدق التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية لأتباعها: في طريقة العطس، والاحتضان، والمصافحة، والتثاؤب، والقبلة، واللباس، والدفن، وعزل الإناث في البيوت، وحتى إعادة تفسير الفيزياء، حيث مازال يعتقد شيوخها بأن العالم مسطح.. وقد أعملوا السيف في رقاب المسلمين الذين رفضوا الاعتراف بالتعاليم الوهابية، فالوهابيون "يعيشون بالسيف، والذين يعارضونهم يقتلون به". واستمروا في غزو المدن الإسلامية في أنحاء الجزيرة والعراق والشام خمسين عاما ذبحوا خلالها مئات الآلاف من المسلمين ونهبوا أموالهم وخربوا مساجدهم في الرياض وجيزان وعمان والبحرين والكويت والبصرة والكوفة وكربلاء ومعان ومزيريب ودمشق وحمص حتى دير الزور. إلى أن جرد محمد علي باشا حملة بقيادة ابنه طوسون عام 1812 م وهاجم عاصمتم الدرعية، لكن الحملة فشلت وقتل الوهابيون 4000 جنديا مصريا، فأرسل محمد علي حملة ثانية بقيادة ابنه ابراهيم باشا فحاصر الدرعية ستة أشهر و تمكن من تدميرها عام 1818، فاستكانت الوهابية قرناً داخل نجد والإحساء حتى عام 1920 عندما أقنع عبد العزيز بن سعود أمير نجد البريطانيين بدعم طموحاته مقابل موافقته على انتدابها على فلسطين وقيام الدولة اليهودية التي رفضها الشريف حسين في معاهدة فرساي.. وكان المستشار السياسي البريطاني النقيب ويليام شكسبير قد أشار إلى إمكانية أن يصبح ابن سعود "تابعاً لبريطانيا للأبد". فأُبرمت بريطانيا مع ابن سعود معاهدة جدة سنة ١٩٢٧ وكانت أول دولة تعترف بالمملكة السعودية سنة 1932 ومازالت العلاقات وطيدة بينهما إذ تستثمر في المملكة اليوم أكثر من 374 شركة بريطانية في المجالات التجارية والصناعية والخدمية والعقارية والعلمية والفنية وغيرها.

 في العام 1920، كانت سلطنة نجد في عزلة عن العالم، وكانت تعاني الفقر والتمييز والتعصب الديني، وكانت ثقافة الصحراء هي المسيطرة. وقد تأثرت مواسم الحج بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي اجتاحت العالم آنذاك، واستمر الكساد حتى عام 1930 ، وكان الشيخ عبد الله سليمان الذي درس (العلوم الضرورية) صاحب دكان صغير بمدينة عنيزة قبل أن يستخدمه عبدالعزيز لإدارة خزينته وتولي شؤون إيرادات البلاد ومصارفها، وكان يضع المستندات في صندوق من الصفيح، وكانت إيرادات الضرائب على الثروة الحيوانية، والحبوب، والفواكه، والتجارة، وغيرها من السلع، تذهب إلى آل سعود .. في تلك الأثناء كان رجل الأعمال الأمريكي تشارلز كرين يرسل عدة برقيات للملك عبدالعزيز في محاولة لمقابلته، فوافق الملك عبدالعزيز وحدث اللقاء بين الشخصين عام 1931م وأسفر عن توقيع الملك عبدالعزيز امتياز النفط مع شركة (ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) عام 1933م، بعدما كانت بريطانيا رفضت عام 1932 عرضًا من جانب المملكة العربية السعودية بالسماح لها بالتنقيب عن النفط في أراضيها مقابل منحها قرضًا يبلغ نصف مليون جنيه ذهباً يساعدها على تجاوز تداعيات موجة الركود الاقتصادي، وكان هذا أول الوهن البريطاني حيث وافق ابن سعود فيما بعد على عقود الاستثمار الأمريكية من دون عتب بريطاني .  

ويروي روبرت باير الضابط الميداني السابق في الاستخبارات المركزية الأميركية في كتابه النوم مع الشيطان، أن توم بارجر كان ضمن مجموعة المهندسين والجيولوجيين الذين بعثتهم "شركة ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا" لتفعيل قطاع النفط الناشئ في المملكة العربية السعودية. ومن خلال العمل لحساب المملكة كان "فريق سوكال" أول من حفر بئر نفط في المملكة بكميات يمكن استغلالها تجاريا، حيث قلب النفط كل شيء تقريبا في المملكة، وبعض نواحي العالم الإسلامي، وبطبيعة الحال، في العالم الغربي أيضا. فالوهابية والمملكة العربية السعودية لا يمكن أن يكونا منفصلين كليا. وبعدها غدت ذرية ابن سعود أغنى ذرية في العالم، فامتلكوا القصور التي تتجاوز قيمتها المليار دولار، واليخوت، وكازينوهات مونتي كارلو، وبيوت الدعارة في لندن، وأفضل الخيول الأصيلة، وحسنوا دعايتهم كجهات مانحة للمقاعد الجامعية والمختبرات والكليات، وباتوا أصحاب نفوذ في كل عواصم الغرب، عداك عن هيمنتهم على السياسات العربية".

 

3

 

أوردت تسريبات ويكيليكس لوثائق وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا عن النشاط الوهابي يقول إنه: منذ أول مؤتمر لمنظمة التعاون الإسلامي بجدة 1970، دعا الملك فهد بن عبد العزيز إلى إعادة النظر في شؤون المسلمين، وقال إن للمملكة السعودية دورًا مهمًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمسلمين حول العالم!؟ وقد قامت المملكة وعلى مدى عقود بعمل دؤوب بخصوص التمويل المالي  للأقليات المسلمة في بلدان آسيا وأوروبا وإفريقيا، وكان الدعم من شركات خاصة و من أموال خيرية ومن قبل العائلة المالكة نفسها، بحيث كان الهدف المعلن خدمة الأقلية المسلمة في مختلف البلدان، ولكنه فعلياً كان نواة لنشر الوهابية، حيث أغدقت الحكومة السعودية بأموالها لبناء المساجد والمدارس الشرعية الملحقة بالمساجد ومراكز التدريب والتعليم الديني ومراكز الشباب، ليتحول المنهج السلفي من منهج هامشي إلى تيار منتشر في المجتمعات الإسلامية كلها. وقُدّر دعم السعودية المالي للمراكز والجامعات الإسلامية حوالى 100 مليار دولار خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وبحسب المخابرات الباكستانية ومعها وكالة الاستخبارات المركزية CIA، فإن عائدات النفط السعودية ساهمت بشكل كبير في تمويل المجاهدين الأفغان ضد السوفييت، بالإضافة إلى تخصيص جزء من ذلك التمويل لبناء المدارس الشرعية وتدريب الأئمة على المذهب الوهابي، من كوسوفو إلى جاكارتا عاصمة إندونيسيا، إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، كما انتشرت الوهابية في كثير من البلدان الإفريقية عبر المدارس الشرعية والجامعات السعودية، مترافقة مع حملة مكثفة لتدريس الأئمة والخطباء وتعليمهم اللغة العربية ومعها المذهب الوهابي، وتزويدهم بالكتب السلفية، في حملة هي الأكبر من نوعها لتوفير التعليم الشرعي المجاني المدعوم من آل سعود. ومن بين مئات المؤسسات الخيرية والإنسانية العاملة في إفريقيا، كانت المؤسسات السعودية في المقدمة، وتركز نشاطها الأساسي في نشر الوهابية ومحاربة المدارس الصوفية وهدم أضرحة أوليائها، فأُجبر الجميع على تعلم الوهابية، لأنه لا سبيل للتعليم دونها. ومن أشهر تلك المؤسسات: الندوة العالمية للشباب، هيئة الإغاثة العالمية، لجنة مسلمي إفريقيا، مؤسسة الحرمين الخيرية، والتي انتشرت في دول مثل تنزانيا، نيجريا، زنجبار، إثيوبيا، الصومال، ودول الغرب الأفريقي .. 

 

4

 

من المعروف أن الإسلام وصل الصومال قبل المدينة المنورة، وكانت تسمى أرض الحبشة، عندما أرسل الرسول الكريم أصحابه إليها اتقاء لأذى قريش لهم .. وقد انتشر الإسلام في الصومال عن قناعة دون حاجة لاستخدام السيف، فكان إسلاماً مستقراً خالياً من الصراعات المذهبية حتى عام 1964م حين وصلت إلى مقديشو أول بعثة وهابية بهدف دراسة أوضاع المسلمين في الصومال خاصة وأفريقيا عامة، وذلك برئاسة مساعد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي. وعلى ضوء تقرير اللجنة رصدت حكومة فيصل بن عبد العزيز أموالاً لابتعاث الدعاة والمرشدين الوهابيين إلى إفريقيا، وإنشاء معاهد في أوغندا وكينيا والصومال، وأسند الأمر إلى دار الإفتاء الوهابي في السعودية. وتكررت البعثات الوهابية في عام 1968م حيث تجول دعاتها في العديد من البلدان.  وفي هذا العام أسست الرابطة "معهد التضامن الإسلامي" في مقديشو الذي خرّج أعداداً كثيرة من الدعاة وطلبة العلم (طالبان)، وتم إيفاد المتشددين منهم إلى الجامعات الإسلامية في السعودية ليعودوا إلى بلادهم بالرسالة (الوهابية الصحيحة) لدحر الإسلام الأشعري وتياراته الصوفية التي ينتمي إليها الصوماليون.. وقد تنامى نفوذ الطالبان إلى درجة أن دولة محمد سياد بري العلمانية المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي قد اضطرت إلى ممالأتهم وطرد المستشارين العسكريين وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع السوفيات.. وهكذا راحت الحركة تتمدد مقابل انكماش الحكومة العلمانية، وتحت شعار تأميم المدارس الأجنبية، بدأت حركة واسعة في تشييد المعاهد الدينية الوهابية انطلاقاً من مسجد ومعهد ومكتبة التضامن عام 1973م.  وعلى الرغم من أن وزير الأوقاف كان يغلق بعض هذه المعاهد بتهمة أنها تدرس ديناً جديداً غريباً على المذهب الشافعي المعتدل في الصومال، كما كان ينعت الدعاة المتطرفين بالتخلف والرجعية ويسجنهم ويمنع التفسير على منهج الوهابية، إلا أن المال السعودي كان أقوى، فسقطت الحكومة الماركسية التي أنهكها الفساد والمحسوبيات، وانتعشت الوهابية وراحت تتغلغل في البدو النائي عن المدن الكبيرة. وبدأت حملة تهديم الشواهد والقبور على يد (شباب الصحوة) الذين راحوا يحتلون مساجد الصوفية بالقوة، كما أغلقوا المدارس (التي تدرس المناهج الغربية الفاسدة) وتخرب عقول أبناء المسلمين وفطرتهم ، حتى غدت حركة الاتحاد الإسلامي أقوى حركات الوهابية، التي عُرف عنها تركيزها على الشباب والناشئة. ولم يمر وقت طويل حتى تمكنت من (تبليغ الدعوة) في كامل أرض الصومال بشكل علني بعدما كانت سرية، خصوصاً بعدما انقلبت إلى حركة عسكرية تدرب طلابها على القتال واستخدام السلاح، حيث ساعدتهم ظروف الحرب الأهلية الصومالية من الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة. وفي عام 1996م غيرت الحركة خططتها وتحالفت مع حركة سلفية أخرى غير مسلحة لديها نشاط تجاري ناجح تحت اسم (الاعتصام الإسلامي) فكان تحالفاً اقتصادياً، حيث شاركوهم في أعمال التجارة وكونوا مافيا عسكرية ـ اقتصادية  كان من ثمارها افتتاح المزيد من المعاهد والجامعات الوهابية التي تستقطب أولاد الأسر الهاربة نحو العاصمة، حيث شكلوا منهم (طالبان جديدة) نتج عنها (المحاكم الإسلامية) وهي محاكم ذات منهج سلفي متشدد تطبق أحكامها بقوة الجناح العسكري (حركة شباب) التي ما لبثت أن انشقت عنها بعد انضمام المحاكم إلى تحالف المعارضة الصومالية. وتضم حركة شباب أكثر من 7000 عضو يتلقون تدريباتهم في إريتريا وتمول الحركة نشاطاتها ـ إلى جانب الدعم السعودي ـ من خلال أعمال القرصنة على سواحل الصومال، كما تضم مقاتلين أجانب يقومون بعمليات انتحارية باعتبارها أقصر طريق إلى الجنة.. وقد تكررت قصة الصومال ذاتها في أفغانستان بعد عقدين من الزمان، وفي سورية أيضا بعد عقدين من أفغانستان لكن الدولة السورية مازالت صامدة بقوة العلمانيين، ومازال الصراع مستمرا فيها..

 

5

 

أعطى انتصار حرب تشرين 1973 مفعولا عكسيا لدى الغرب الإمبريالي، بعدما هدد العرب باستخدام سلاح النفط، فكان كلامهم غير مناسب لواقعهم، حيث عمل الغرب على ربط الإسلام بالنفط وإعادة توجيهه ضد الشيوعية والجمهوريات العربية الصديقة لها، وقد نجحوا في ذلك.. ويرى جيل غيبل في كتابه عن الأزمات في الشرق الأوسط: "أنه خلال الفترة التاريخية التي امتدت لنحو خمسة عقود تقريبا، شكل مفهوم الإسلام السياسي مقولة ثابتة في فهم وتفسير جميع الأحداث السياسية العربية، وأن هذا المفهوم كان الإطار العام الناظم لجميع أسئلة الفعل السياسي العربي، سواء تعلق الأمر بأسلمة المجتمع أو أسلمة الدولة في مرحلة لاحقة". وقد استشهد غيبل على رأيه بالحديث عن جدلية القرآن والنفط  باعتبارهما مقولتين ثابتتين في تأطير مجموع الأحداث التي شهدتها دول حوض المتوسط والشرق الأوسط طوال هذه العقود الخمسة. وتمثل هذه الفكرة من منظور غيبل رد فعل موضوعي ضد هزيمة 1967، معتبرا  أن عودة فكرة أسلمة المجتمع، مثلت نقطة بداية لإعادة تشكيل تيار سياسي ديني يقوم على أسلمة الفعل السياسي العربي، وأن انتشار هذا التيار في أغلب الدول العربية، شكل محصلة طبيعية للحظة صراع سياسي امتد طوال الفترة الزمنية الفاصلة بين هزيمة 1967 وانتصار حرب رمضان 1973، والذي انتهى بانحسار الأطروحات الناصرية وتنويعاتها البورقيبية في تونس، والتراجع الجزئي للمد البعثي في سوريا والعراق، وحتى تراجع شعبية منظمة التحرير الفلسطينية أمام التطلعات الإسلامية لجيل جديد من الفلسطينيين. وبذلك، فإن مآلات الصراع انتهت لصالح فكرة أسلمة المجتمع..

 وقد شكل ما قاله غيبل فيما بعد مقدمات للربيع السلفي الذي اشتعل في 2011، فبعد نصف قرن من تسمين ونفخ التيارات الإسلامية الإخونجية والوهابية بالغاز والنفط جاء دور استخدامها ضد الجمهوريات العربية بإرثها العلماني القومي الذي كان متمنعاً على سياساتها الرجعية طوال نصف قرن. فتم استغلال إرث الاستبداد والغضب الشعبي العربي من أنظمته لإشعال التمرد ضدها ومن ثم ركبت عليها التيارات الإسلاموية الأكثر تنظيماً وتمويلاً، وقد لاحظ المراقبون عدم مقاربة الثورات لممالك النفط سوى في البحرين لأسباب مذهبية..

 

6

 

لماذا أعلن محمد بن سلمان عن إصلاحاته، وهل يريد الفصل بين الدولة والمؤسسة الدينية، ومالذي دفعه إلى فعل ذلك في آخر مملكة دينية في العالم ، هل هو قرار داخلي أم بضغط أمريكي ؟ يقول الباحث الفرنسي ستيفان لاكروا صاحب كتاب الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية: إن العقود الأخيرة في المملكة شهدت تقلص الصلاحيات الممنوحة للعلماء لصالح الأمراء. ومع ذلك، فقد ظلت مبادئ الاتفاق حاضرة حتى عام 2015، وقبل ذلك كان العلماء قادرين على التحكم في المجتمع من خلال "الهيئة". ورغم الضعف الذي اعترى العلماء مع الوقت فقد ظلوا محتفظين بأسس اتفاق تقاسم السلطة القديم بين بن عبد الوهاب وبن سعود، غير أن بن سلمان لا يريد للعلماء بعد أن يحتفظوا بأي قدر من السلطة أو الهيمنة على المجتمع؛ بل يريد أن يحولهم إلى معادل لمفتي الجمهورية، أو إلى مؤسسة دينية مثل تلك الموجودة في أي دولة أخرى، أي لا تمتلك أي سلطة ذاتية خاصة بها وإنما تستمد سلطتها من الحكم، ومهمتها إعطاء الشرعية والدعم اللازم للنظام الحاكم. لذلك، فهو يريد أن ينزع عن العلماء استقلاليتهم، وأن يستمر في استخدامهم  شرط أن يكونوا من دون سلطة.

الواقع أن معظم هؤلاء العلماء قد تم ترويضهم، فحافظوا على السرديات المهيمنة التي تتحدث عن خطيئة الخروج على وليّ الأمر، والتي يعتبرها (العلماء) خطاً أحمر. هذا الأمر مزروع في رؤيتهم الدينية، ولا يمكن أن نتوقع منهم أن ينتقلوا إلى مربع المعارضة أو أن يعلنوا الثورة. غير أن أحد التحديات أمام محمد بن سلمان هو إقناع أكبر عدد ممكن منهم بتأييده علناً، كما حصل مع  الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد بن عبد الكريم العيسى ، أو أشخاص أكبر سناً مثل عبدالله المطلق، عضو هيئة كبار العلماء. أما بخصوص التيار المحافظ وجماعة الصحوة المعارضة للإصلاحات فلديهم خطاب سياسي مؤثر وقدرة على الحشد والمعارضة، وهذا ما فهمه محمد بن سلمان منذ البداية؛ لذلك استخدم العنف ضدهم ، حيث أدرك أن علماء الصحوة سيكونون العائق الأول أمام سياساته، فعمل على إسكاتهم وتهديدهم واعتقالهم. وقد أثبت هذا الأسلوب نجاعته حتى الآن. فمعظم الأسماء الكبرى بين علماء الصحوة إما مهددون وإما في السجن، حيث اقتنع بقيتهم  أن الصمت أصلح لهم . فعلماء الصحوة الآن أضعف من ذي قبل، فصحوة اليوم ليست صحوة التسعينيات التي كان لديها مساحة واسعة من التأثير، كما أن نسبة مؤيديهم قد تضاءلت كثيراً خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين الشباب، إذ شهدت البلاد الكثير من التغيرات الاجتماعية التي ساهمت بإبعاد الكثير من الشباب عن أفكار الصحوة، وهذا ما يراهن عليه محمد بن سلمان من أن غالبية الشباب سيدعمون قراراته بالسماح للمرأة بقيادة السيارة وسفرها من دون محرم، أو تأسيس دُور سينما أو مراكز للترفيه، تحدوهم رغبة كبيرة في أن تغدو بلادهم طبيعية مثل باقي البلدان. فهناك تغيُّرٌ جيليٌّ في المملكة، لكن قد يأتي وقت سيطالب فيه هؤلاء الشباب بالمزيد، مثل الحقوق السياسية أو المشاركة في صنع القرار. ولكن ستبقى الوهابية بوجهيها الأساسيين: المحافظة الاجتماعية، وطاعة الحاكم، تمثل حليفاً مهماً لمحمد بن سلمان، الذي يبدو أنه يستخدم الأصل الثاني من الوهابية لمحو آثار الأصل الأول.

أما بخصوص تأثير بن سلمان على السلفيين في العالم فقد يكون هناك مبالغةً في تقييم التأثير السعودي عليهم، لكن الحركة السلفية فعلياً، لم تعد خاضعة للسلفيين في السعودية ومعظم الحركات السلفية في العالم باتت مستقلة إلى حدٍّ كبير عن الرياض. أحياناً يكون لدى الطرفين علاقات تفاوضية، مثل أن يطلب السلفيون حول العالم مساعدات من سلفيي السعودية في مقابل بعض المطالب السعودية، لكن لم يعد هناك تجانس تام بين سلفيي العالم والسعوديين منذ انقلاب طالبان على الأمريكان.

ويرى لاكروا أن محمد بن سلمان ليس مستعداً لتقبُّل أي نوع من النقد الاجتماعي، إنه يؤمن بنموذج "الديكتاتور المستنير"، الذي يعطي لشعبه لكن دون أن يسمح له بأن يُطالب، ويؤمن كذلك بنموذج الدولة التي تأتي فيها الإصلاحات من أعلى بلا أي اعتراضات من الأسفل. وأن نموذج الإدارة الذي يتبناه بن سلمان أبعد ما يكون عن الديمقراطية. وإذا ما قرأنا رؤية 2030 فسنجد الحديث عن العديد من الإصلاحات الاقتصادية، والاجتماعية، و بيئية، وسائر الإصلاحات الممكنة، لكن ليس بينها كلمة واحدة عن إصلاحات سياسية. فهو يرغب أن تصبح السعودية نسخة كبيرة من الإمارات، وإذا نجح فإن ذلك سيستغرق من 15 إلى 20 سنة.

إذن فإن ما يريده محمد بن سلمان ليس القضاء على الوهابية وإنما تحويلها إلى شيء آخرصالح للإستخدام، حيث يرغب الاحتفاظ بالشرعية التي تأتي بها الوهابية، والقدرة على استخدام هذه الشرعية. كما يريد أن يجرد العلماء من سلطتهم وتأثيرهم بحيث يكونوا وكلاء للدولة بشكل أو بآخر. ويجب ألا نتوهَّم أن السعودية تريد التخلي عن الورقة الدينية التي تلعب بها، فهي لاتزال تريد استخدام هذه الورقة. وتأتي ضرورة النقلة الجديدة من منطلق أن الشباب اليوم نشؤوا في مجتمع يمكن فيه لأي سعودي أن يشاهد ما يريد على التلفاز، مجتمع متصل بالإنترنت، لديه القدرة على الوصول لأي شيء، كما بإمكانه السفر حول العالم، ولابد من مد السلسلة لهم كي لا يجمحوا كما حصل في بقية الدول العربية. كما أن ساسة واشنطن الذين يتسترون بالديمقراطية باتوا محرجين من تحالفهم مع دولة من القرون الوسطى.

 

7

 

الفكرة المذهبية هي ما يشكل هوية أتباع الجماعات الإسلامية اليوم ، وهي فكرة تحمل إرثا طويلا من النزاع، وتفتقر إلى كل مقومات الهوية الوطنية الجامعة التي تميز شعوب الأمم المتقدمة. لهذا فشلت كل حكوماتها في تحقيق أي نوع من الوحدة الوطنية.  وبعد عشرة سنوات على الربيع الإسلامي فإن الناس قد أصيبوا بـالتحسس الربيعي  وهم يبحثون عن دواء مضاد للسلفنة الدينية والقومية، إذ أنهم انتقلوا من استبداد مخاتل إلى استبداد صريح. ويرى الباحث المصري هشام جعفر في مقالة له بمجلة "مدى" أن الإسلاميين في السلطة كما في المعارضة، يتصرفون مثل بعضهم ، من حيث إدراكهم لمصالحهم الذاتية التي يبتغون تحقيقها، ويبنون تحالفاتهم بمعزل عن الأسس الأيديولوجية الناظمة لجماعاتهم، وأن التنافس فيما بينهم أشد من تنافسهم مع الآخرين.. فقد أظهر ربيعهم أنهم لا يملكون مشروعا مختلفا للسلطة، ولا يختلفون عن الحكام الذين اضطهدوهم، من حيث الاستبداد و الانتهازية السياسية وتقلبات عداواتهم  وتحالفاتهم وانتقالهم من خندق إلى آخر، وتفشي مظاهر الفساد لدى قادتهم، حيث أثبتت السنوات الأخيرة، أن المشروع الإسلامي السياسي متهافت وغير مؤهل للحكم كبديل للدولة العربية المأزومة، فهو منفصل عن متطلبات الواقع وما يمليه، وهو يميل في معظمه للشعاراتية التي لا تدعمها برامج ومشاريع واضحة للحكم، فالقديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد قادراً على تقديم استجابات لتحديات المجتمع والدولة، وأما الجديد الذي لم يتبلور بعد فقد لايكون أفضل من القديم طالما أنه يحمل نفس مقدماته الفاشلة ..

المشكلة الأساسية أن طريق الإسلام السياسي ذو اتجاه واحد، وهو لم يوصل مجتمعاته لأي برنامج حضاري متفوق، ولم تقدم الجماعات الإسلامية لأتباعها سوى السجن والتشرد والموت؛ عدا من يدخل منهم في الطاعة فهو شريك للسلطة في مغانمها، وهذه هي القاعدة، منذ أيام الأمويين إلى يومنا هذا، في سائر البلدان العربية، حيث يظهر الحكام تدينهم ويدعو الإمام لهم ويشتم أعداءهم، الأمر الذي أخر استحقاقات المواطنة والعلمنة وترك مجتمعاتنا أرضا خصبة للتطرف والعنف.

المجتمعات العربية اليوم تبحث عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، ويستند هذا العقد إلى مقومات العلمانية: الحرية، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للموارد، وتحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الإقليمية والدولية. إذ لم تعد الأيديولوجيات القديمة صالحة في نظر الشباب وخصوصا الشابات اللائي يبدو أنهن سيشكلن طليعة المستقبل الذي يتمحور حول التنمية بأنواعها من دون صراخ وشعارات جوفاء مكرورة.

نبيل صالح