آخر المواضيع المتعلقة

عربي

دولي

كتب

حرب لبنان الثالثة

لبنان

القاهرة

غزة

طهران

بغداد

واشنطن

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

أغلى أسيرين في العالم

الفعل: خطف جنديين إسرائيليين. رد الفعل: اختطاف وتدمير وطن بكامله.

التاريخ الجديد يصنع وسط جبال الركام، ومن بين أشلاء البشر الأبرياء الذين لا علاقة جرمية لهم سوى أنهم ينتمون إلى هذا الوطن. ولأن العدوان الإسرائيلي جال على كل أرجاء لبنان فلم يبق أمام المواطنين من مكان سوى النزوج إلى... المجهول... إلى أي منطقة، إلى أي مكان، إلى أي مدرسة أو مسجد أو كنيسة هرباً من آلة الحرب الإسرائيلية.

وطالما أن التاريخ الجديد يصنع الآن علينا أن نلغي كل ما كتب قبل ذلك عن الصراع والطروحات التي قدمت، والتنظيرات التي عرضت. فقد استهلكنا كل الكلام وكل الأبجديات ومضغنا التعابير نفسها مرات ومرات. والآن كفى.

لقد تغيرت قواعد اللعبة ويكاد الهيكل يتساقط على رؤوس الجميع.

هل نكسر الأقلام السابقة؟ وهل هذا يعني وجود أقلام للحرب. وأقلام للسلم؟

لا. بل هناك أقلام للموت وأقلام للحياة خاصة عندما يتعلق الأمر بموت وحياة الوطن وبالعكس.

ليس على طريقة قلنا لكم، بل من قبيل انعاش الذاكرة أو ما تبقى منها، نقول بأننا كتبنا في هذه الصفحة بالذات وتحت العنوان التالي: «مجازر غزة تؤشر لمراحل أخطر والعرب «تعبوا» من دعم النضال الفلسطيني» (الحياة 9 تموز/ يوليو 2006). وأضفنا: «أن أميركا أمام سقوط الرهان الكبير ألا وهو خسارة الحرب على الإرهاب»، وانتهينا: «هل يمكن أن تلجأ واشنطن إلى مزيد من التورط ضمن سياسة الهروب إلى الأمام... أم أن الهروب هذه المرة سيكون فعلاً إلى الوراء»؟

وبعد أيام قليلة على هذا الكلام قامت حرب إسرائيل على لبنان. ونحن في اليوم الثاني عشر من هذه الحرب التي بدأت في الثاني عشر من تموز الحالي. وعندما يصدق حدس الصحافي يكون أشد حزناً من الآخرين لأن صرخته تبدو كمن يحرث في البحر. وعادت قصة الوطن الصغير لتكرر نفسها من جديد: تحرير، ثم تعمير ثم تدمير ثم ماذا؟.. البعض يقول أو يتمنى أن يكون التعمير هذه المرة، وعندما يحين أوانه سيكون دائماً وثابتاً، لأن ما من وطن يمكن أن يبنى بالايجار الموقت لعشر سنوات ثم تدمره حرب ثم يعاد اعماره ليصبح من جديد جاهزاً لحرب أخرى! إن ما يجري في لبنان هو حرب إسرائيل على خلق الله وليس على «حزب الله»!

في الجو السائد: ليس الآن وقت طرح الأسئلة الصعبة التي يمكن أن تحرك الحساسيات. هذا أمر مفهوم. لكن هل قدر لبنان أن يبقى ذلك الوطن المؤقت الذي لا تطرح فيه الأسئلة في حالة السلم حتى لا يتم تعكير الأجواء؟ ولا تطرح أيضاً هذه الأسئلة في حالة الحرب... لأننا في حالة حرب؟

إن الأسئلة المسكوت عنها يجب أن تطرح كلها بعد وقف النار والدمار وإلا سيبقى الوطن في هذه الدوامة القاتلة.

سنحاول الاقتراب من بعض هذه الأسئلة. من أخذ الوطن إلى هذه الحرب؟ ولماذا يا سيد «تفردت» بالقرار؟

جواب: في كل يوم كانت إسرائيل ولا تزال تخرق الخط الأزرق وما من حسيب أو رقيب إلا تقارير الأمم المتحدة التي تورد احصاءات دقيقة عن عدد الاختراقات الإسرائيلية. وعندما قامت عناصر من «حزب الله» بخرق الخط الأزرق لأسر الجنديين كان الجواب المعلوم.

سؤال آخر:... لكن لو لم يتم أسر الجنديين لما أقدمت إسرائيل على الحرب؟ جواب آخر: ومتى كانت إسرائيل تحتاج لذرائع للانقضاض على لبنان؟

لكنها اغتنمت الحادث سانحة لإعداد مخطط كان معداً منذ سنوات. فخرائط آلة الحرب الإسرائيلية تعرف كل منزل في لبنان، ومن يقيم فيه وماذا يفعل الذين يقيمون في هذا المكان أو ذاك. فماذا يفعل المخبرون والجواسيس؟ رغم ارتكاب الطائرات الإسرائيلية الكثير من الأخطاء في التركيز.

ولكن وفي الحروب يتلفت الوطن إلى أصدقائه فأين هم؟

أين وعود الرئيس جورج دبليو بوش بأن لبنان هو منارة الديموقراطية في المنطقة، وأن عليه أن يتمتع بسيادته الكاملة!

وكررّ كثيراً ضرورة تفلت القبضة السورية من السيطرة على لبنان. ولكن عندما حانت ساعة المواجهة الفعلية اختار جورج دبليو جانب إسرائيل على حساب لبنان، وليس على حساب «حزب الله» الذي يعلم الجميع أنه ناضل ويناضل كثيراً للتخلص منه. وقد قال ديفيد وولكر مساعد وزيرة الخارجية الأميركية بالفم الملآن: إذا لم ينجح لبنان في تنفيذ القرار 1559 فإن إسرائيل ستفعل ذلك.

وانقضي الأسبوع الأول من الحرب، ليبدأ الأسبوع الثاني وليس من «يتجرأ» على تقديم أي طرح يتصل بوقف إطلاق النار. بل المطلوب منح إسرائيل المزيد من الوقت لتدمير قدرات «حزب الله» طالما أن هذا «الانجاز» لم يتم حتى الآن.

ومن حق رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أن يعتب على صديقه جورج بوش وعلى سائر زعماء العالم الذين خدعوه وأغرقوه بالوعود، وإذا به يجمع سفراء الدول الكبرى في السراي ويوجه إليهم نداءً مؤثراً. ولكن على من تقرأ مذاميرك أيها الرئيس الصادق والمؤمن بما تفعل يا من «آخر من يعلم وأول من يطالب».

ولكنك تعلم يا دولة الرئيس بخبرتك العريقة أن مصالح الشعوب تأتي أولاً بقطع النظر عن الاستقبال الامبراطوري الذي أحاطك به الرئيس الأميركي في البيت الأبيض. فقد منحك ساعتين من وقته، لكنه منح ايهود أولمرت في زيارته الأخيرة سبع ساعات، وهذا الفارق في الوقت والتوقيت يعطي الفكرة عن الفارق في التقييم. فإسرائيل هي الحليف الأكبر والوثيق وقد سلمها الرئيس الأميركي الآن في حربها على لبنان مهمة تنفيذ القرار 1559! بعدما فشلت الأطراف اللبنانية في ايجاد صيغة بالحوار لتطبيق هذا القرار. أو تباطأ الحوار السلحفاتي في هذه القضية وفي غيرها. فكانت هذه الواقعة الرهيبة.

ومرة جديدة يبرز الوطن الصغير منطلقاً لتغييرات كبيرة وحروب خطيرة تتخطى حجمه وطاقته بكثير. لقد كان الوطن صندوق البريد المشغول باستمرار من قبل العديد من الأطراف في إرسال الرسائل من الشرق إلى الغرب وبالعكس... ومن الشمال إلى الجنوب ذهاباً وإياباً، وكانت شؤون الوطن تسير بقوة الاستمرار وبقدرة مولاه حتى وقعت الواقعة.

لقد نجحت إسرائيل حتماً في تسويق فكرة محاربتها الإرهاب للولايات المتحدة والعالم أجمع وأنها بحربها التدميرية على لبنان انما هي تدافع عن الأمن القومي الأميركي وعن أمن العالم أجمع! وصدّق الرئيس بوش في واحدة من جلساته الطوباوية الملهمة له على اتخاذ القرارات الكبرى على حد تعبيره عن ذلك شخصياً وأكثر من مرة.

إذاً هل نتحدث عن مؤامرة؟

لم نكن نؤمن بنظرية المؤامرة لكن تحالف واشنطن وتل أبيب مؤامرة مكشوفة وواضحة ولا تحتاج إلى عناء كبير أو إلى كثير من التحليل الغيبي أو الواضح - وما عدم اكتراث الرئيس بوش للضغط توصلاً لاطلاق النار إلا فرصة جديدة لإسرائيل لإكمال المهمة.

لكنه في حقيقة الأمر يعتبر فشلاً من الناحية الاستراتيجية والتكتيكية، إذ ليس بالحلول العسكرية تتحقق الأهداف حتى لو كانت... إسرائيل.

إن يوميات الحرب الهمجية أكدت أن غاية الحرب انهاك حكومة الرئيس السنيورة وعدم التمكن من تدمير قدرات «حزب الله» كما كان المخطط في تقدير إسرائيل منذ بداية الحرب. ومع كل ما حدث من فظاعات تتجرأ إسرائيل على القول بأنها لا تستهدف المدنيين!

وفي اليوم التاسع من الحرب «يتوسل» الرئيس الأميركي إسرائيل عدم تدمير البنى التحتية في لبنان. بعد ماذا ؟ بعد تدمير البنى التحتية والفوقية وما بينهما؟

وفي العودة إلى الأسئلة الصعبة والمؤجلة في الوقت الحاضر: «إن الحرب تشاور... فلماذا يا سيد لم تطلع شركاء الوطن على الحرب قبل نشوبها»؟

يأتيك الجواب: كنا نتوقع حرباً واسعة النطاق من جانب إسرائيل... لكننا لم نتوقع أن تغير إسرائيل تواعد اللعبة مع أسر الجنديين. ولو أنها لم تكن تنام على خطة مبيتة لقصرت الأمر على التفاوض لتبادل الأسرى فحسب دون توسيع رقعة المجابهة. وفي الجواب على الجواب: لكن الذي حدث هو انقلاب على حركة 14 آذار (مارس).

بعد كل ما حدث في الوطن ما زلنا نتحدث عن تصنيفات: 14 آذار أو 8 آذار أو تواريخ أخرى لم تعد تعيها الذاكرة لكثرتها. وشرذمة تمثيلها لمختلف أطياف الشعب اللبناني.

هذه أسئلة لما بعد اليوم التالي من وقف الحرب. وهنا المشكلة الكبرى التي نراها منذ الآن.

وعلى غرار ما قاله السيد حسن نصرالله: إن المعركة ستمتد إلى ما بعد... حيفا، فإننا نرى منذ الآن مرحلة ما بعد... بعد وقف النار.

ان اليوم التالي لن يحمل نهاية حرب وبداية مرحلة إعمار كما جرت العادة... بل الخوف الأكبر أن تعقب هذه النهاية بداية جديدة من المساءلة وتوجيه اللوم وتبادل المسؤوليات وكثير من ذلك على هذا المنوال. وعندها يواجه اللبنانيون الخيار بين حرب وحرب وليس بين حرب وسلام... أو بين سلام وسلام. مع أن الكلام المتداول ينادي عكس ذلك. لكن ماذا نفعل بأنصار الازدواجيات والمواقف الثنائية، وفريق أنصار الباطينة.

لقد كان الرئيس الأميركي يعاني من الأرق! في الأسابيع الأخيرة قلقاً على مصير لبنان والاطمئنان على سيادته... فهل ينام سيد البيت الأبيض في هذه الأيام قرير العين من أجل ما حدث وما يمكن أن يحدث.

... وعندما كانت رعايا الدول الأجنبية تسارع إلى الجلاء عن لبنان... الحرب... تصور كثيرون أن الرئيس بوش سيعرض على الرعايا اللبنانيين المقيمين مغادرة البلاد وترك الحرب سجالاً بين إسرائيل و «حزب الله». ألم يفعلها رئيس أميركي أسبق؟ أو لم يعرض هنري كيسنجر (إياه) على الرئيس الراحل سليمان فرنجية، أن السفن راسية في عرض البحر وهي على استعداد لنقل المسيحيين في أي وقت؟

إن الأفكار الأميركية جهنمية في كثير من الأحيان. ولم نتحدث بعد عن الجانب الإقليمي من حرب لبنان؟ لم نتحدث عن إيران الدولة الكبرى التي تفرض حتى الآن الإملاءات والشروط. ولماذا تلام إيران لأنها أصبحت دولة محورية وقوية، بدل توجيه اللوم إلى السياسات الأميركية التي جعلت منها كذلك: طهران تفرض الشروط على واشنطن من بغداد إلى سورية إلى لبنان.

مرة أخرى نردد: هل أن خطف جنديين يستأهل خطف وتدمير لبنان بكامله؟ وهل يمكن الاطمئنان إلى التعامل مع إسرائيل مستقبلاً؟ هل لاحظتم الربط الطبيعي والتلقائي بين لبنان وغزة والتركيز على أوجه الشبه بين الأزمتين. ومع ذلك فقد دمرت إسرائيل غزة... ولم تعد تسأل عن الجندي الأسير غلعاد شوليت.

أن هذه الشعوب التي عاشت ما يزيد على نصف قرن تحلم بمقاومة إسرائيل ذات يوم بعد هزيمة تلو الهزيمة، فأي نوع من الاحباط يساورها الآن بعد أن قرر العرب في اجتماعهم الأخير في القاهرة إعادة القضية برمتها إلى مجلس الأمن الدولي والقذف بالاحباط العربي بوجهه!

هل هذا هو نضال طبعة العام 2006؟ لقد كان يخشى على لبنان أن يدفع ثمن حروب الآخرين على أرضه، مرة جديدة، وهذا هو التاريخ يعيد نفسه. والأخطر هذه المرة أن يكون لبنان منطلقاً لحروب لدى الآخرين من حوله.

وبعد كل ما حدث وما سيحدث مازلنا ننتظر مصير حوار إيران مع أميركا والغرب حول الملف النووي والصفقة التي يروجّ الحديث لها ويطول الكلام كثيراً بقدر طول الحرب الإسرائيلية على لبنان وخلق الله... وحزب الله فيه!

ومن تحت الركام والأطلال والأشلاء نطرح السؤال: ماذا عن مصير لبنان؟ قبل ستة عقود قال كبير من لبنان جورج نقاش خطأ مقابل خطأ لا يخلق معادلة صحية أي الوطن. وهكذا لبنان الآن: فمجموعة أخطاء لا تخلق وطناً، ودولة التسويات هذه نتائجها وهذا مصيرها. عفواً اننا نرتكب الخطأ من جديد: الوقت ليس وقت طرح الأسئلة الكبيرة وتصفية الحسابات، كلها حسابات مؤجلة ولكن إلى متى؟

ونستعين بالإمام الشافعي في هذه الأيام الصعبة وزمن الأسئلة الصعبة لنردد وفق أحد مبادئه. ان موقف المقاومة: «خطأ» يحتمل الصواب... وأن موقف الشركاء الآخرين «صحيح» ويحتمل «الخطأ» أو بالعكس. إلى أن يصبح لبنان وطناً نهائياً دائماً وليس مؤقتاً ولا ساحة ولا خيمة. ولا فيديراليات طوائف ومذاهب... ونفوذ.

هذا هو الاختبار الكبير: أن يكون اللبنانيون لبنانيين وأن يستحقوا فعلاً وأخيراً الوطن الذي يدعى لبنان. أما الخيارات الأخرى فيوجزها وجه لبناني مرموق الدكتور سليم الحص بإثنين لا ثالث لهما: «اما أن نقاتل إسرائيل معاً، واما ان نتقاتل معاً بين بعضنا البعض». أخيراً: تموز (يوليو) اللبناني الحافل فاق الكثير من الأحداث التموذية الأخرى اقليمياً وعالمياً بالحروب والثورات والانتفاضات التي أدت إلى تحولات جذرية.

أما التحليل العقلاني والمنطقي للأمور فهو مؤجل في الوقت الحاضر بانتظار نتائج تطورات الحرب وما ستؤول إليه. والمقولة واضحة ومعلومة: اننا نعرف متى تبدأ الحرب لكننا لا نعرف متى وكيف ستنتهي.

الأسيران الإسرائيليان هما أغلى أسيرين في العالم، وقصتهما منذ البداية وحتى النهاية توجز فكرة تحمل الصغار باسم الكبار وتختزل لعبة أو تلاعب هؤلاء الكبار بمصائر الشعوب.

عادل مالك

المصدر: الحياة