ماذا بعد الشتاء العربي الطويل ؟

 

1 

 

انتهى زمن ثورات الأبيض والأسود، وغدونا في زمن الثورات الملونة، ولم يعد باستطاعة "غيفارا" أن يقودها إذا لم يكن إخونجياً أو عميلاً أمريكياً، حيث تتكفَّلُ "هوليود" وملحقات السي آي إيه CIA بإعطائه وَسْمَ الثائر.. فقد تمَّ تزييف التاريخ بوساطة الصورة بعدما كان الأمر يعتمد على تزييف الرواة الذين التحقوا بمعاوية وصنعوا له إسلاماً على مقاسِ مُلْكِهِ الذي أنهى ثورة محمد بن عبدالله، وشكلَ إسلاماً وراثياً على مقاس ابنه يزيد، ثم ارتدته الرَّعيَّةُ الغافلة التي تتقبل أسطرة القتلة بقدر تقديسهم للموت، وما زالت نسخة الإسلام الأموي تهيمن على سياسة السلطات العربية الحاكمة التي ترهن العروبة بالإسلام، بينما يتبنى أعداؤهم الإخونجيون نسخةَ الإسلام العثماني ودولة الخلافة، ومازال الموتى المقدسون يتحكمون بمصير العرب المسلمين!

ومن بديع ما قرأت حول تقديس العرب لإرث الموتى، حتى لو كانوا من الظالمين، ما سَطَّرَهُ المؤرخُ الروسي "قسطنطين بازيلي" في كتابه عن "سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني"، عندما يتحدث عن الوالي أحمد باشا الجزار الذي حكم سورية ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر، وكان مسيحياً من البوسنة، هرب إلى القسطنطينية بسبب جريمة قتل وباعه تاجر رقيق للباب العالي ثم اعتنق الإسلام في مصر وبدأ فتوحاته بقتل سبعين بدوياً مع شيوخهم انتقاماً لمقتل سيده؛ ثم ترقى في سلك السلطنة العثمانية بقدر حاجتها للقتل، حتى غدا والياً على صيدا ثم عكا، محافظاً على لقبه (الجزار) بجدارة. وينهي "بازيلي" بالقول: إن الجزار بنى جامعاً في عكا وأمر بدفنه بعد وفاته إلى جوار الجامع، حيث يعرج المصلون اليوم على ضريح الجزار ويقرؤون الفاتحة على روحه !؟ وفي هذا السياق صدرنا مقدمة موسوعتنا "رواية اسمها سورية" بالقول: "التاريخ هو حركة الذئاب في الزمن"، حيث رصدنا فيها حياة الشخصيات التي شكلت وعيَ السوريين في القرن العشرين، سلباً وإيجاباً، لمساعدة الباحثين في فهم بنية العقل السوري.

 

2 

 

بعد اندحار إمبراطوريتهم، لم يخرج العثمانيون من البلاد العربية وإنما جيوشُهم هي التي خرجت، مخلفين بقايا العشائر والعائلات التركمانية الذين وطنتهم في الولايات العربية، وأقطعتهم أفضل عقاراتها من برقة حتى الرقة، فغدوا مُلَّاكاً أثرياء وقوة أساسية في اقتصادها، وتمكنوا من حكم بعض الجمهوريات العربية بعد الاستقلال، كما حصل في سورية حيث تسلم التركمان مناصب القيادة في الدولة، حتى بداية الانقلابات العسكرية التي أوصلت العرب إلى السلطة فعلياً في مصر وسورية والعراق، وتبنوا نهج القومية العربية، فكانوا قادة وطنيين عروبيين ومستبدين، إذ أن تمرد الإخونج الدائم منذ الخمسينات فرض عليهم استخدام سياسة استبدادية قمعية، وغذى مؤسساتهم الأمنية التي باتت أكبر مؤسسات الدولة وأقواها، الأمر الذي أضعف الاستقلال الإداري والديمقراطية والشفافية، وكان الفساد أحد ثمار الاستبداد، مما عرقل مشاريع النهضة الوطنية وحولها إلى دول بوليسية، وقد يستمر الأمر بشكل مضاعف أمام تنامي خطر الجماعات الإسلامية في سورية ومصر وليبيا وتونس والجزائر وحتى في السعودية التي تتألف فيها المعارضة من رجال دين يريدون دولة أكثر أصولية، ويتهمون النظام بأنه أفسد المملكة بمبادئ الغرب المنحلة !؟

فهل يعي الحكام العرب بعد ذلك أن إلغاءهم للطرابيش العثمانية لم يكن كافياً لتغيير ما تحتها، وإنما يحتاج الأمر إلى تنمية ثقافية واجتماعية عبر خطط مستقبلية يتم فيها إحلال هُوِيَّة المواطنة مكان العصبيات الإثنية والدينية التي يستثمرها أعداؤنا ضدنا، وهذا لن يتحقق من دون دعم للتيارات العلمانية في البلدان العربية.

 

3 

 

يتفق المحللون على أن الإسلاميين قد تمكنوا من ركوب فرس الثورات الجامح كونهم منظمين، ولكنهم لم يحسنوا قيادها فجمحت بهم وراحوا يسقطون عن ظهرها بالتتابع؛ وأما فشلهم فيرجع إلى أنهم يشكلون أقلية سلفية قديمة الطراز وعنيفة وسط أكثرية مسلمة مسالمة تشربت الحداثة منذ الاستقلال وتمارس إسلامها الاجتماعي والروحي قبل مجيء الجماعات الإسلامية، وغير متحمسة للعودة إلى نموذج الإسلام العثماني أو الأموي. وقد أثار هؤلاء السلفيون نفور الناس بعنفهم وعنصريتهم، حيث يتلخص نشاطهم بالهجوم على النساء غير المحجبات، وعلى الخمارات، والاختلاط، والنشاطات الفنية، دون أن يطرحوا أي برنامج بديل للنظام السياسي والاقتصادي الذي يقاومونه، سوى أنهم طرحوا شعاراً براقاً يقول "الإسلام هو الحل" بما يشي برغبتهم استبعاد الأقليات من الحل، والنساء أيضا بطبيعة الحال، حيث أُلْزِمْنَ بالبقاء في بيوتهن طوال العصور الإسلامية، وليس لدى الإسلاميين مثال نسوي بارز سوى خولة بنت الأزور التي شاركت في غزو بلاد الشام مع أخيها ضرار في جيش خالد بن الوليد ولم تخلف أي إرث نسوي يفيد النساء المسلمات بعدها !

فمنذ الثمانينات تقاطعت مصالح الجماعات الجهادية مع توجهات الأمن القومي الأمريكي لمواجهة الشيوعيين السوفييت (الكفار) في الصومال وأفغانستان. ثم وفي عام 2009 عمل التنظيم العالمي للإخونج على بناء صفقة جديدة مع الأمن القومي الأمريكي تقضي بالمشاركة في إدارة النظم العربية ، وتم التوقيع على "كامب ديفيد إسلامي" لعزل محور البريكس في الشرق الأوسط . حيث أصدر أوباما في 12 آب 2010 مذكرته الرئاسية رقم 11 التي نشرها الصحفي والروائي الأمريكي رايان ليز، ويستنفر فيها كافة أركان دولته لتجهيز ما يلزم استعداداً للتغيير والإصلاح السياسي في العالم العربي، مع التأكيد على أمن إسرائيل والاتفاقيات الموقعة معها، واستمرار السيطرة على منابع النفط والغاز، واستمرار مكافحة الإرهاب والمواجهة مع القاعدة وحزب الله وإيران، مع تأكيد عدم خروج الثورات عن السيطرة السياسية.

ولا نعرف إذا كان الإخونج حينذاك يعرفون شيئاً عن مضمون المذكرة غير أن الباحث المصري أحمد عبد الفتاح أحصى في مقالة له بعنوان "عصام الحداد ولغز العلاقات الإخوانية الأمريكية" نشرته جريدة "السفير" اللبنانية 83 لقاءً موثقاً ومعلناً بين الإخونج والأمريكان منذ  2006 و حتى سقوطهم 2013، وقد قدم الإخونج للإدارة الأمريكية تطمينات حول اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، ومستقبل الأقباط، والعلاقة مع الغرب، قبل إسقاط مبارك، بتأكيد القيادي الإخونجي إبراهيم صلاح لجريدة "الأخبار" المصرية. ويؤكد ما تقدم فتوى الشيخ يوسف القرضاوي إذ قال: لو بعث رسول الله محمد (ص) لتحالف مع الناتو، فالتحالف مع الأطلسي يشبه حلف الفضول! وكان الشيخ راشد الغنوشي (زعيم حزب النهضة الإسلامي) قد أثنى على معلمه بالقول: إن الثورات خرجت من تحت إبط الشيخ القرضاوي.

 

4 

 

في البداية ذكرت الصحف أن شرطية تونسية صفعت بائع خضراوات فقير على وجهه مما دفعه لأن يضرم النار في نفسه بعدما أهانته امرأة!  لكن الحادثة لم تحدث أبداً، فقد سجل مركز الحروق بتونس 19 شاباً أحرقوا أنفسهم في كانون أول 2010 ولم يكن بينهم أي "بوعزيزي"، كما لم تقم ثورة لأجلهم، فتم نسج حكاية درامية على وسائل التواصل تلهب الجمهور المحتقن مع صورة لأحد المجهولين ال 19 وهو يحرق نفسه؛ فقد بنيت الثورة التونسية على كذبة افتراضية مثل كذبة الثورة السورية حول تقليع أظافر أطفال درعا الذين لا يملكون اسماً ولا أحد يعرف أولاد من هم حتى الآن! فقد تم وضع خطة الثورات العربية أطلسياً وتم إدارتها وتمويلها من فقاعة الغاز قطر، وكانت محطة الجزيرة أداة التزييف وتأجيج غضب الجمهور، وكان الزعيم الإخونجي يوسف القرضاوي ملهم المتمردين.. وكذا كان الأمر في ليبيا، حيث، يقول الصحفي الفرنسي باتريك شارل ميسانس مستنداً إلى شهادات جنرالات استخبارات فرنسية، إن فكرة تدمير ليبيا وإسقاط القذافي تبلورت أطلسيا سنة 2009 وإن عمليات التحضير للثورة على الأرض قامت بها استخبارات فرنسية قطرية، وتم إقحام الناس في طريق لا يعرفون إلى أين سيقودهم، يدفعهم التهميش السياسي وضعف الاندماج الوطني، إضافة إلى فضائح السلطات العربية التي تسربت عبر موقع ويكيلكس ونشرتها أكبر 5 صحف عالمية بشكل غير بريء قبل نصف شهر من اشتعال المظاهرات بتونس، إذ تم تأجيج حالة قصوى من الغضب الشعبي بحيث دمر الغوغاء ما أنجزه الشعب خلال عقود الاستقلال. وهكذا نجحت الحرب الأمريكية (الناعمة) على الدول العربية من دون جيوش، فقد استخدمت قوتنا ضدنا كما يفعل مصارع الجودو! 

 

5 

 

كانت التسمية المقترحة "ربيع الشرق الأوسط" وتم تغييرها وتأكيد مصطلح الربيع العربي نسبة إلى ربيع دمشق 2010 الذي عمل مؤسسوه مع أمريكا طوال فترة ما قبل الحرب وما بعدها. كما استخدم المصطلح بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري 2005 واتهام سورية وقيام مظاهرات فريق 14 آذار المناهضة لأي علاقة مع سورية، ثم إطلاق نظرية الدومينو مشبهين خروج الجيش السوري من لبنان بخروج الجيش السوفياتي من أفغانستان في مفعوله الرجعي، وتأكد خطأ النظرية التي اشتغلت عليها مراكز الأبحاث والاستخبارات الغربية وعملاؤها ستة عشر عاماً، استمر خلالها نظام الدولة السورية قائماً مخالفاً لكل التوقعات والاستنتاجات والدراسات الغربية والعربية، وتم تجديد البيعة الرابعة للرئيس الأسد الأسبوع الماضي، كما كرر فريق 14 آذار أعماله ضد الناخبين السوريين في لبنان، حيث يمثل الرئيس بشار الأسد اليوم الناجي الوحيد بين الرؤساء المشاركين في الحرب عليه، وذلك بفضل صمود المجتمع والجيش العلماني الذين فهموا مبكراً ما يحصل بعد الدرس الليبي المؤلم، ولكنهم دفعوا ثمناً باهظاً مقابل ذلك، من دمار البلاد وضعف الاقتصاد واستمرار الحصار، إضافةً الى مشاكل داخلية جديدة أنتجتها الحرب .

فقد تعددت مسميات الربيع العربي وتوصيفها، واستخدمت في كتبي الثلاثة عن الحرب السورية منذ 2012 مصطلح "الرييع السلفي" وسميت ما جرى تمرداً يفتقر إلى مقومات الثورة الناضجة. بينما سماها المفكر اللبناني الراحل أنيس النقاش " الثورات المرقطة "من حيث تداخل العناصر والألوان وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية في أحشائها؛ أما الكاتب العربي الراحل محمد حسنين هيكل فقد اعتبرها "سايكس بيكو جديد". بينما قال مدير الاستخبارات الفرنسية آلان شوي أنها "انقلابات تم تغطيتها بثورات شعبية". أما الصحافة الروسية فقد أجمعت على أنها استكمال للثورات الملونة في أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء.. وصدر الكثير من التوصيفات المختلفة للربيع السلفي لكن المؤكد أن النخب العلمانية العربية بعدما تحمست للانتفاضات وهللت لها، أصيبت بخيبة أمل كبيرة مما جرى، إذ استخدم الغرب، بمساعدة الإسلاميين، طلقتهم الوحيدة (الثورة) ضدهم، ومازالوا غارقين في حيرتهم يتخبطون في رمال (الربيع الخالي) محاولين فهم ما جرى.

 

6 

 

في كتابه: "ما بعد الربيع العربي" يتساءل المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز: "هل كنّا فعلا إزاء (ثورات) بالمعنى النظري؟ أم أن ما جرى لا يعدو أن يكون مجرَّدَ انتفاضات أو هبّات؟ ما العمل بعد سقوط بعض الأنظمة؟ هل امتلكت الشعوب العربية العدة اللازمة لتوديع الاستبداد والانخراط في معمعة الديمقراطية؟ هل أخلفنا الموعد مع التغيير؟ أم أن ربيعاً جديداً قد يزهر من تحت الأنقاض؟". وبعد القياس على تعريف حنة أرندت في كتابها عن الثورة، الذي حاولت من خلاله استقراء ظاهرة الثورات بالانطلاق من الثورات السياسية الكبرى في التاريخ، وفي مقدمتها الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية، حيث رأت أنّ طبيعة الثورات ووظيفتها تتجلى أساساً في ترجمة لحظة الحماسة الثورية إلى نظام تعددي للمشاركة السياسية والديمقراطية المدنية، وذلك عبر محطتين أساسيتين: التحرر "Liberation" والحرية "Freedom"، حيث تبدأ الثورات بالتحرر أي الخروج من قبضة الاستبداد، لتصل إلى التأسيس للحرية التي تشكّل الهدف النهائي للثورة، وتجسيده عبر صياغة دساتير تسمح للحرية بالظهور وتمكينها في الحياة. وينتهي بلقزيز إلى أن ما جرى لا يمكن وصفه بالثورة.. ويتفق مع العديد ممن كتبوا عن الثورات العربية الملتبسة: أنّ إسقاط رأس النظام في تونس ومصر وليبيا واليمن لم يؤدِّ إلى إحداث قطيعة مع الاستبداد، الذي عاد متّخذاً أشكالا جديدة، باعتباره نسقاً معقداً. وأن ما جرى عاد بنا إلى الوراء وأتى على مرحلة بعجرها وبجرها، وأخرج من جوف البنى الاجتماعية أسوأ ما فيها (داعش) التي نقلتنا من عصر الدولة إلى ما قبل الدولة، وبينت تواضع إمكانات تلك "الثورات" ، وأنها كانت تعد بأكثر مما هو ممكن حيث سقطت ورقة التوت عن المجتمعات العربية الإسلامية، كاشفة عن تخلف ثقافي وضعف في التنظيم. ذلك أن أية "ثورة" أو إصلاح يفتقر إلى برنامج سياسي ولا يكون حاملاً لمشروع مجتمعي، مآلُهُ الفشل والانتكاسة إن لم ينتهِ إلى الفوضى، الفوضى التي غذَّتها الاستخبارات الأمريكية لكي تغدو خلاقة لسياساتها الشريرة، كما لاحظنا في الخلط الحاصل بين إسقاط النظام وإسقاط الدولة وتمزيق النسيج الوطني في سورية وليبيا واليمن..

ويتفق جون برادلي مع بلقزيز في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته: "ما بعد الربيع العربي"، إلى أن "الثورة لم تطح بالأنظمة القديمة وإنما أسقطت رأس النظام. وأن جميع المؤشرات تدل على أن ما سيأتي بعده سيكون أسوأ بكثير مما كان قبله، في تونس وفي كل مكان آخر. فقد تسببت الأحداث المؤلمة التي وقعت مع قدر هائل من الفوضى والعنف، وجعلت من حياة أناس بسطاء وأبرياء أكثر بؤسا وشقاء مما كانت عليه قبل ذلك، حيث أعاد الربيع العربي بلدانا مثل تونس واليمن وسوريا عقوداً إلى الوراء". وينتهي برادلي إلى أنها "ثورات مدمرة لا مستقبل لها".

 

7 

 

حسب الوثائق التي أوردناها في كتابنا "يوميات الحرب على سورية"، كان يجب أن يبدأ الربيع الأمريكي من سورية وليس من تونس؛ حيث أجرى مركز "راند" دراسة ممولة من قبل الخارجية الأمريكية عام 2009 بعنوان "البعث الشيعي" بإشراف الإخونجي أنس العبدة، وتعتمد سيناريو "قصم ظهر الهلال الشيعي" الممتد من لبنان فسورية وصولاً إلى إيران. فقد بدأت التحضيرات عام 2010 بإدارة الإخونجي د.عماد الدين رشيد والتاجر جمال الوادي والشيخ خالد زين العابدين والشيخ محمد خير موسى من "حماس"، حيث اشتغلوا على خطة "تمتين خاصرة حوران الرخوة" لمواجهة المد (الصفوي المجوسي) على حدود حوران وبدؤوا يجمعون البدو ويدربونهم ويوزعون عليهم المنشورات بمعرفة معاذ الخطيب. وقد سهل لهم الأمر فساد المحافظ ومدير الفرع الأمني في محاصصتهم للمهربين على الربع ثم رفعوا النسبة إلى النصف، فكانت بداية التمرد السوري على يد المهربين البدو الذين سئموا من مشاركة أولاد السلطة لهم، حيث شكل المهربون بدءاً من درعا في الجنوب مروراً بتلبيسة حمص وصولا ًإلى باب الهوى شمالا رأس حربة المتمردين. وقد تطورت المؤامرة وانتعشت بتوجيه أمريكي ودعم خليجي سعودي باكستاني، حيث تم إعادة توجيه جهاديي العالم لمحاربة سورية التي تقع على حدود "إسرائيل" ! لا بل إن المتمردين تلقوا دعماً من إسرائيل.. وحتى "حماس" التي تكبدت سورية الكثير من الخسائر بسبب احتضانها انقلبت على حاضنتها وانحازت إلى مرجعيتها الإخونجية !؟ ويلخص الباحث اللبناني سمير كرم في مقالة بعنوان "عندما تهزم أمريكا في سورية" الأهداف الأمريكية من الربيع العربي: تجديد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وإعادة إنتاج للدور الأمريكي، وتبرير قيادتها للعالم ـ ضرب تنظيم القاعدة والسلفية الجهادية بعد استدراجها إلى الفخ السوري ـ تقليص نفوذ محور البريكس ـ ضرب محور المقاومة عبر الفتنة المذهبية ـ حماية الكيان الإسرائيلي، وتعديل جدول أعمال العالم العربي من بند المقاومة والتحرير إلى بند الإصلاحات ـ تحويل اتجاهات وقوة ورصيد الإسلام السياسي العربي من قوة مضادة لأمريكا وإسرائيل إلى قوة يمكن توجيهها ضد أهداف معادية لأمريكا والكيان الصهيوني تحت ذرائع سياسية مضللة، كما حصل بعد الحرب السورية، حيث استبدلت عداوة إسرائيل بإيران وباتت الحرب إسلامية - إسلامية ودخلت الأنظمة أفواجاً في المعاهدات الإسرائيلية، مستشهدين بـ"الإسرائيليات" الواردة في آيات القرآن الكريم لتبرير انقلابهم على القضية الفلسطينية. 

 

8 

 

في عام 2006 أطلقنا جريدة "الجمل" الإلكترونية وخَصَّصْتُ نافذةً يومية بعنوان: "بورصة السياسة الأمريكية"، كنت أرصد فيها نشاط أشرار واشنطن وحركتهم في العالم، من باب أن على كل مواطن عربي أن يدرك الشرور التي ستواجه حياته كلما خرج صباحاً من باب بيته، كي يعرف كيف يدير أمنه الشخصي. وأول ما كنا نرصده هو نشاط مستشار الأمن القومي الأمريكي وفريقه، حيث مر على الولايات المتحدة الأمريكية، منذ تأسيسها في زمن الرئيس روزفلت عام 1953، حتى رئاسة جو بايدن اليوم، 24 عقلاً جهنمياً، أربعة منهم يهود وثلاثة زنوج أشهرهم: هنري كيسنجر، زبيغنيو بريجينسكي، كوندوليزا رايس. وعلى من يريد أن يفهم آلية العمل الأمني الأمريكي ويتقيَ شره أن يتابع سيرة مستشاريها ويقرأ كتبهم ومقالاتهم. حيث يصدر عن الأمن القومي الأمريكي تقارير سنوية للحفاظ على الزعامة الأمريكية، وهي ترصد مستقبل اتجاهات القوة وأوضاع اللاعبين على مسرح الأحداث حول ملفات النفط، والقوة العسكرية، والتغيرات المناخية، والمنافسة الاقتصادية، والتكنولوجيا، والديموغرافيا السكانية، والتكتلات الدولية.. بهدف تمكين صناع القرار واتخاذ قرارات مبكرة تجاه المستجدات.. وكذا يفعل مركز جافي في إسرائيل. بينما يعمل غالبية القادة العرب منفردين بعقولهم أو بردود الفعل ضد أعدائهم، وهنا مكمن الضعف.. فأمريكا يهمها بالدرجة الأولى أسواق مفتوحة، ومجتمع مدني يمكن التحكم بمزاجه، وحكومات متفهمة ومطيعة لسياساتها. وبالمختصر فإنها تاجر ينظر إلى العالم بكونه أسواقاً يخطط لغزوها وتجميع أكبر نسبة من أرباحها في خزانته، وهذه هي تحديات القرن العشرين وأخطرها الصين بالنسبة لواشنطن. فهي تدرك تبدل قواعد الاقتصاد والسياسة والثقافة والتجارة والإعلام عما كانت عليه في القرن الماضي، وأن على الأقوى أن يواكب المستقبل ويركب على ظهر الأمم السلفية المحافظة دون أي تأنيب لضميرها إذا كان موجوداً.. كذا قال المستشار بريجينسكي في كتابه "أمريكا والعصر الإلكتروني" الذي ترجم إلى العربية قبل أربعين عاماً ولم يقرأه العرب. وضمن هذا السياق يرى الباحث اللبناني حسن الزين في كتابه "الربيع العربي" أن الإدارة الأمريكية منذ 2009 تضغط لإنجاح مشروعها العالمي عبر إجراءات الضغط على الدول والقوى السياسية العالمية للاستجابة له، وقد تم وضع معايير أمريكية للدول الصالحة للعيش في هذا القرن ضمن معاييرها لاقتصاد السوق والخصخصة واتفاقيات منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما ينسجم مع أدوات العولمة وشبكاتها الإلكترونية الضاربة، التي لا مكان للنظم القديمة فيها .

إن ممانعة الإمبراطورية الأمريكية اليوم، مثل ممانعة الإمبراطورية الرومانية أو الفارسية أو العباسية بالأمس، وهو يفضي على الأغلب إما إلى خسارة الدول الممانعة، أو إلى عزلها، وأما من يطاوع سياستها فسوف ينتهي الأمر إلى ابتلاعها له. وقد يكون من الذكاء أن تنقلب الأنظمة العربية على نفسها وتتجدد لتستبق أعداءها، لأن التصلب صنو التصنّم الذي تحطمه فلسفة الزمن، فأسلحة القوة والتكنولوجيا المتطورة باتت موجودة لدى كل الخصوم، ويظفر المحارب الأسرع والأذكى باستخدام أدولت التقدم.. فلا تهملوا عقولكم الوطنية المتفوقة، أو بالأحرى لا تطفشوها وتتحالفوا مع مومياءات العصور الغابرة، فإن السلف إلى زوال والمقبرة شاهدة على ذلك..

 

9 

 

خلال هذا الشتاء العربي الطويل سقطت خمسة أنظمة عربية، ودمرت الحروب ثلاثة بلدان، ونجت الدول المتآمرة بعدما غادر سادتها المسرح ليأتي لاعبون جدد، فالصراع سيبقى قائماً ما بقيت أطماع البشر. والحرب هي الأصل والسلام ديّة النصر.. فبعد أن يصمت الرصاص تبدأ التحولات المتعلقة بهيكل الدولة، وهوية المجتمع، وشكل النظام، ومزاج الجمهور، إضافة إلى التأثيرات الخارجية للدول الصديقة والعدوة.. إذاً ما العمل بعد هذا الصراع الدولي المرير؟

منذ الاستقلال ركزت الدول العربية جهدها نحو أمنها السياسي والاقتصادي، وتجاهلت أمنها الديني والثقافي، تاركة المجال لمراكز أبحاث العدو واستخباراته لتستخدمه ضدنا. ومن هذا الباب حاولتُ جاهداً، عندما كنتُ في لجنة الأمن الوطني بمجلس الشعب السوري، على إقناعهم بضرورة التأسيس لمشروع الأمن الديني والثقافي وتفكيك الألغام الدينية في الذاكرة الشعبية، غير أن أعضاء اللجنة الذين ينتمي أغلبهم إلى مؤسسات أمنية كلاسيكية مبرمجة على موضوعات الأمن السياسي، لم يقدروا أهمية المشروع وضرورته فتجاهلوه وتم إسكاتي بعنف، ومن ثم تم تعطيل مشروعي على تطوير مناهج التربية الدينية بالتعاون مع وزارة التربية ومركز دمشق للأبحاث.

إضافة لذلك فإن الفساد والفوضى التي خلفها التمرد يحتاج إلى إعادة هيكلة مؤسسات العدل والشرطة، التي مازالت تعمل بالآلية القديمة نفسها، بالرغم من تطور العمل الأمني في العالم، لتعيد إنتاج الغضب الشعبي، دون أن تعي درس الحرب! فمن دون تحديث آلية عمل هذه المؤسسات فإن الدول العربية ستعيد إنتاج حروبها وفوضاها ولن يكون أحد آمناً فيها، فقراء وأثرياء..

أيضا يجب حماية ورعاية الإعلام الشعبي بصوابه وأخطائه، كونه يقدم صورة كاملة عن أمراض المجتمع وتجاوزات موظفي الحكومة الذين يخدعوها ثم ينشقون بأموالهم ليطوبوا أبطالاً في الطرف المعادي. فالقمع الإعلامي يفاقم الاحتقان الشعبي، إذ يغطي ركناً لا يغطيه الإعلام الرسمي، فحتى الدول الكبرى باتت تستثمر في الإعلام الخاص وتنشئ شبكات التواصل الاجتماعي، كما هو الحال في الصين.. فقد غدت فيديوهات اليوتيوب أكثر تأثيراً من الإعلام الرسمي، وعلى الدول الضعيفة مضاعفة استثمارها في الإنترنت وتوظيف الموارد والخبرات الإعلامية فيها، بحيث تدعم حركة الاقتصاد وترسيخ الهوية الوطنية واستقطاب كل فرد ممكن، فنحن في عصر الصراع على الجمهور ضمن مسرحيات الديمقراطية الإمبريالية، وهو يشبه صراع الأسواق على الزبون الذي يقول المسوقون أنه على حق مهما كانت طلباته غريبة، ذلك أن الصراع اليوم يستخدم تكتيكات ناعمة لاعنفية توصل إلى الأهداف نفسها التي كان يستخدم العنف من أجلها ولكن من دون خسائر، إنها فلسفة السوق التي تتبدل بحسب عمليات البيع أو الشراء.

وبعد اختراق الأعداء للمعارضات العربية، وبما أن التوازن السياسي لأي دولة تريد الاستمرار والتقدم يعتمد على جناحي السلطة والمعارضة، لم يعد أمام الحكومات العربية سوى أن تعارض نفسها فعلياً عبر نخبها الموالية للدولة والمعارضة للاستبداد والفساد، حيث باتت أحزابنا الحاكمة تحتاج إلى جناح يساري إلى جانب جناح اليمين الذي لا ينتج سوى التبرير والمديح والنفاق..

وفي الختام يجب أن نحذر من التورط في خديعة (الإسلام المعتدل) فكل إسلام سياسي هو عنصري من دون شك، حيث يحلق المجاهدون لحاهم ويطمرون سلاحهم ويؤسسون أحزاباً تحت مسميات العدالة والتنمية لمحاربة المكونات الوطنية العلمانية. فقد بدأت اليوم عملية عقلنة جماعة الإخونج لتفرز ما يسمى بالوسطية والإسلام المعتدل، وكأن الحياة والمجتمع المسلم سيقبلان بنصف خطأ سياسي بعد الخطأ الذي دمر دولهم وحياتهم. إنها استراتيجية أمريكية نموذجها حزب العدالة التركي الذي يقيم علاقات طيبة مع واشنطن وتل أبيب وينكر أعضاءه المخالفين، حيث فشل الإسلام السياسي المراوغ في تونس ومصر والسودان، بينما فرع الإخونج التركي يرهن البلاد لأجل العثمنة، ويسجن أفراد الشعب الذين ينتقدون سياسته بتهمة اسمها "التآمر مع فتح الله غولن" الذي كان ملهم الحزب والتنظيمات الإسلامية العالمية ويقيم اليوم في حضن الولايات المتحدة الأمريكية منافساً أردوغان على خدمتها.

 

نبيل صالح: عربي برس